اختَلفَ الفُقهاءُ في هذه الحالةِ إذا ماتَ، فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ -وهو قولُ المَالكيةِ كما سيَأتِي- إلى أنَّه إذا ماتَ أَحدُهما قبلَ الآخَرِ وأَشكَلَ
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٥٥، ٢٥٦).
[ ٢٤ / ٦١٨ ]
السَّابقُ جُعِلوا كأنَّهم ماتُوا معًا فمالُ كلِّ واحِدٍ لوَرثَتِه الأَحياءِ، ولا يَرثُ بعضُ الأَمواتِ مِنْ بعضٍ.
لكنْ حَكى المَوصِليُّ وصاحبُ الدرِّ أنَّه إنْ عُلمَ مَوتُ أحدُهما أولًا ولا يُدرَى أيُّهم هو أُعطِيَ كلُّ واحدٍ اليَقينَ ووُقفَ المَشكوكُ حتى يَتبيَّنَ أو يَصطَّلِحوا (^١).
جاءَ في «الدُّرّ المُختار»: فصلٌ في الغَرقَى والحَرقَى وغيرِهم
وغيرُهم (لا تَوارُثَ بينَ الغَرقَى والحَرقَى إلا إذا عُلمَ تَرتيبُ المَوتَى) فيَرثُ المُتأخِّرُ فلو جُهلَ عَينُه أُعطيَ كلٌّ باليَقينِ ووُقفَ المَشكوكُ فيه حتى يَتبيَّنَ أو يَصطَلحوا «شَرح مَجمَعٍ»، قُلتُ: وأقَرَّه المُصنِّفُ لكنْ نقَلَ شَيخُنا عن ضَوءِ السِّراجِ مَعزيًّا لمُحمدٍ.
قالُ ابنُ عابدِين ﵀: قولُه: (إلَّا إذا عُلمَ إلخ) اعلَمْ أنَّ أَحوالَهم خَمسةٌ على ما في سَكبِ الأَنهرِ وغيرِه.
أحدُها: هذا وهو ما إذا عُلمَ سَبقُ مَوتِ أحدِهما ولَم يَلتَبسْ فيَرثُ الثانِي مِنْ الأولِ.
ثانِيها: أنْ يُعرفَ التَّلاحقُ ولا يُعرفُ عَينُ السابقِ.
ثالِثُها: أنْ يُعرفَ وُقوعُ المَوتَينِ معًا.
رابِعُها: أنْ لا يُعرفَ شيءٌ؛ ففي هذه الثَّلاثةِ لا يَرثُ أحدُهما مِنْ الآخرِ شيئًا.
_________________
(١) «الاختيار» (٥/ ١٣٥، ١٣٦)، و«مجمع الأنهر» (٤/ ٥٢٨).
[ ٢٤ / ٦١٩ ]
خامِسُها: أنْ يُعرفَ مَوتُ أحدِهما أولًا بعَينِه ثم أُشكِلَ أمرُه بعدَ ذلك وسيَأتي الكَلامُ عليه. اه ومِثلُه في «الدُّرّ المُنتَقى».
(قولُه: فلَو جهِلَ عَينَه) أي: بعدَ مَعرفةِ التَّرتيبِ، وهذا يَحتَملُ الحالةَ الثانِيةَ والخامِسةَ لكنَّ عِبارةَ شَرحِ المُجمعِ تُفيدُ الحالةَ الثانِيةَ فقَط. ونصُّها: فإنْ علِمَ أنَّ أحدَهما ماتَ أولًا وجهِلَ عينَه أُعطيَ كُلُّ واحدٍ اليَقينَ، ووقَفَ المَشكوكُ حتى يَتبَينَ أو يَصطَلِحوا. اه
(قولُه: أُعطيَ كلُّ إلخ) أيْ: مِنْ وَرثتِهم، بقَرينةِ قولِه (أو يَصطَلِحوا) فلَو غرِقَ أَخوانِ لكلٍّ منهما بِنتٌ أخَذَت بِنتُ كلٍّ نِصفَ تَركةِ أبِيها حتى يَتبَينَ المُتأخِّرُ فتَأخذُ بِنتُه نِصفَ تَركةِ أبِيها الباقِي ونَصفَ تَركةِ عمِّها أو يَصطَلِحا على شيءٍ تأَمَّلْ.
(قولُه: شُرحُ مَجمعٍ) أيْ: لمُصنِّفِه ومِثلِه في الاختِيارِ؛ حيثُ قالَ: وإنْ علِمَ مَوتَ أحدِهما أولًا ولا يَدرِي أيَّهما هو؛ أَعطَى كلَّ واحدٍ اليَقينَ ووُقفَ المَشكوكُ حتى يَتبَينَ أو يَصطَلِحوا. اه ومِثلُه في «شَرح السِّراجيَّةِ» لمُصنِّفِها، وتبِعَه بعضُ شُراحِها وعلَّله في «حاشِية عَجَم» زادَه بقولِه: لأنَّ التَّذكرَ غيرُ مَأيوسٍ منه (قولُه: لكنْ نقَلَ شَيخُنا إلخ) أيْ: في حاشِيتِه على المِنح، وقد استَدركَ أيضًا في «مِعراج الدِّرايةِ» على شَرحِ المَجمعِ بعِبارةِ ضَوءِ السِّراجِ الذي هو «شَرح السِّراجية» وقالَ العَلامةُ قاسمٌ في «شَرح فَرائضِ المَجمعِ»: إنَّ ما ذكَرَه صاحبُ المَجمعِ أخَذَه مِنْ «الاختِيار»، وهو قَولُ الشافِعيةِ ولا يُساعِدُه عندَنا رِوايةٌ ولا دِرايةٌ، قالَ في «المَبسوط»: وكذا
[ ٢٤ / ٦٢٠ ]
إذا علِمَ أنَّ أحدَهما ماتَ أولًا، ولا يَدرِي أيَّهما هو؛ لتَحقُّقِ التَّعارُضِ بينَهما فيُجعَلُ كأنَّهما ماتا معًا، وقالَ في «المحيط»: فيُجعَلُ كأنَّهما ماتا معًا، وكذلك لو تقَدمَ مَوتُ أحدِهما إلا أنَّه لا يَدرِي المُتقدِّمَ مِنْ المُتأخِّرِ؛ لأنَّ سَببَ الإِرثِ ثابتٌ للمُتأخِّرِ منهما لكنَّ المُستحِقَّ مَجهولٌ فتَعذَّرَ الإِثباتُ لأحدِهما، وصارَ كما لو أَعتَقَ إِحدَى أَمتَيه بعَينِها ثم نسِيَها لا يَحلُّ له وَطؤُهما لجَهالةِ المَملوكةِ.
وقالَ في الأَرفادِ: أو ماتَ أَحدُهما قبلَ الآخرِ وأَشكَلَ السابقُ جُعِلوا كأنَّهم ماتوا معًا، فمالُ كلِّ واحدٍ لوَرثتِه الأَحياءِ، ولا يَرثُ بعضُ الأَمواتِ من بعضٍ، هذا مَذهبُ أَبي حَنيفةَ. اه وذكَرَ ذلك أيضًا في «سَكب الأَنُهر» و«شَرح الكَنز» للمَقدِسيِّ، وقد لخَّصْت ذلك في «الرَّحيق المَختوم»، وذكَرْت فيه أنَّ المُتبادِرَ مِنْ هذه العِباراتِ كلِّها أنَّ محلَّ النِّزاعِ هو الحالةُ الثانِيةُ، وهي ما إذا علِمَ التَّلاحُقَ، وجهِلَ عَينَ السابقِ، وقد خصَّه في «سَكب الأَنُهر» بالخامِسةِ، وهي ما إذا علِمَ السابقَ بعَينِه ثم أَشكَلَ، ولعلَّه أخَذَه مِنْ قولِ العَلامةِ قاسِم إنَّه قولُ الشافِعيةِ؛ فإنَّ الشافِعيةَ ذكَروا ذلك في الخامِسةِ فقط كما في «شَرح التَّرتيب» للشَّنشورِيِّ لكنْ إذا جَرى النِّزاعُ في الثانِيةِ يَجرِي في الخامِسةِ بالأَولَى، تأَمَّلْ قولَه: (أنَّه لو ماتَ أَحدُهما) -أيْ: أَولًا- كما في حاشِيةِ شَيخِه (^١).
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٧٩٨، ٧٩٩)، ويُنظَر: «المبسوط» (٣٠/ ٢٧، ٢٩)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٤٥٤، ٤٥٥)، و«شرح مختصر الطحاوي للجصاص» (٤/ ٧٩)، و«الاختيار» (٥/ ١٣٥، ١٣٦).
[ ٢٤ / ٦٢١ ]
وقالَ المالِكيةُ: لا يَرثُ أحدُهما مِنْ الآخرِ، ويَكونُ مِيراثُ كلِّ واحدٍ منهما للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه (^١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا عُلمَ أنَّه ماتَ قبلَ صاحبِه ثم طرَأَ الإِشكالُ بعدَ العِلمِ به فهذا يُوقفُ مِنْ تَركةِ كلِّ واحدٍ منهم مِيراثَ مَنْ كانَ معَه ويُقسَمُ ما سِواهُ بينَ الوَرثةِ، ويَكونُ المَوقوفُ مَوضوعًا حتى يَزولَ الشكُّ أو يَقعَ فيه الصُّلحُ (^٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا ماتَ مُتوارِثانِ بغَرقٍ أو هَدمٍ بأنِ انهَدمَ عليهما بَيتٌ ونحوُه أو غيرُ ذلك كطاعونٍ وجُهلَ أولُهما مَوتًا أو عُلمَ أولُهما مَوتًا ثم نُسيَ أو جهِلوا عينَه بأنَ عُلمَ السَّبقُ وجُهلَ السابقُ، أو جُهلَ الحالُ ولَم يَختلِفوا في السابقِ بأنْ لَم يَدَّعِ وَرثةُ كلٍّ سَبقَ مَوتِ الآخرِ ورِثَ كلُّ واحدٍ مِنْ المَوتَى صاحبَه، هذا قولُ عُمرَ وعليٍّ، قالَ الشَّعبيُّ: وقَعَ الطاعونُ بالشامِ عامَ عِمْواسَ فجعَلَ أَهلُ البَيتِ يَموتونَ عن آخرِهم، فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ، فأمَرَ عُمرُ: أنْ ورِّثوا بعضَهم من بعضٍ. قالَ أحمدُ: أَذهَبُ إلى قولِ عُمرَ.
_________________
(١) «عيون المسائل» للقاضي عبد الوهاب المالكي ص (٦٢٨، ٦٢٩)، و«التلقين» (٢/ ٥٥٩)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥١٠)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٢٣)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٨٩)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٦، ٦٢٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ٨٧)، و«بحر المذهب» للروياني (٧/ ٤٠٦).
[ ٢٤ / ٦٢٢ ]
ورُويَ عن إِياسٍ المُزنِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن قومٍ وقَعَ عليهم بَيتٌ؟ فقالَ: «يَرثُ بعضُهم بعضًا».
فيَرثُ كلُّ واحدٍ مِنْ تِلادِ ماله -والتِّلادُ بكَسرِ التاءِ: القَديمُ ضدُّ الطارئِ وهو الحادِثُ-، أي: الذي ماتَ وهو يَملِكُه دونَ ما ورِثَه مِنْ المَيتِ معَه؛ لئلَّا يَدخُلَه الدَّورُ فيُقدَّرُ أحدُهما ماتَ أولًا، فيُورَّثُ الآخرُ منه، ثم يُقسَمُ ما ورِثَه منه على الأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، ثم يُصنَعُ بالثانِي كذلك، فإذا غرِقَ أَخوانِ ولَم يُعلَمِ الحالُ أحدُهما مَولَى زَيدٍ، والآخرُ مَولَى عَمرٍو، صارَ مالُ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَى الآخرِ.
وإن جُهلَ السابقُ منهما واختَلفَ وَرثتُهما فيه بأنِ ادَّعى كلٌّ تَأخُّرَ مَوتِ مورِّثِه ولا بَينةَ لأحدِهما أو كانَت لهما بَينَتانِ وتعارَضت البَينَتانِ، تَحالَفا -أيْ: حلَفَ كلٌّ منهما- على ما أَنْكَرَ مِنْ دَعوَى صاحبِه؛ لعُمومِ حَديثِ: «البَينةُ على المُدعِي واليَمينُ على مَنْ أَنْكَرَ» ولَم يَتوارَثا لعَدمِ وُجودِ شَرطِه، وهو تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ بعدَ مَوتِ المورِّثِ، وإنَّما خُولفَ فيما سبَقَ لِما تقَدمَ.
كما إذا ماتَت امرَأةٌ وابنُها، فقالَ زَوجُها: ماتَت فورِثْناها، ثم ماتَ ابنِي فورِثْتُه وقالَ أَخوها: بلْ ماتَ ابنُها فورِثَتْه أي ورِثَتْ منه ثم ماتَت بعدَه فورِثْناها أي ورِثَها أَخوها المُدعِي وزَوجُها، حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه؛ لأنَّه يُنكِرُها، وكانَ مِيراثُ الابنِ لأَبيه عملًا باليَقينِ، وكانَ مِيراثُ المَرأةِ لأَخيها وزَوجِها نِصفَينِ، للزَّوجِ نِصفُه فَرضًا، والباقِي لأَخيها تَعصيبًا، وإنْ لَم يَقعْ تَداعٍ.
[ ٢٤ / ٦٢٣ ]
ولو عيَّنَ الوَرثةُ مَوتَ أحدِهما بأنْ قالوا: ماتَ فُلانٌ يومَ كذا من شِهرِ كذا عندَ الزَّوالِ وشَكُّوا: هل ماتَ الآخرُ قبلَه أو بعدَه؟ ورِثَ مَنْ شُكَّ في مَوتِه مِنْ المَيتِ الآخرِ الذي عيَّنوا مَوتَه؛ لأنَّ الأَصلَ بَقاءُ حَياتِه (^١).