اختَلفَ الفُقهاءُ في تَوريثِ المُسلمِ من الكافِرِ هل يَجوزُ أو لا يَجوزُ؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَجوزُ تَوريثُ المُسلمِ من الكافِرِ، وهو قَولُ عُمرَ بنِ الخَطابِ وعلِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عَباسٍ وجُمهورِ التابِعينَ بالحِجازِ والعِراقِ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُهم والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ وأَبو عُبيدٍ وأَحمدُ بنُ حَنبلٍ وداودُ بنُ علِيٍّ وأَبو جَعفرٍ الطَّبريُّ وعامَّةُ العُلماءِ، وحُكيَ فيه الإِجماعُ.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ، وأنَّ المُسلمَ لا يَرثُ الكافِرَ (^٢).
_________________
(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٢٢، ٣٢٤)، وما بعدها، وباقي المَصادِر السَّابقَة.
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٩٧).
[ ٢٤ / ٥٠٢ ]
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ ولا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» (^١).
ولأنَّ الوِلايةَ مُنقطِعةٌ بينَ المُسلمِ والكافِرِ لم يَرِثْه، كما لا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ.
ولأنَّ كلَّ مِلتَينِ امتنَعَ العَقلُ بينَهما امتنَعَ التَّوارُثُ بينَهما كالكافِرِ والمُسلمِ، ولأنَّ التَّوارثَ مُستحَقٌّ بالوِلايةِ، وقد قطَعَ اللهُ الوِلايةَ بينَ المُسلمِ والذِّميِّ فوجَبَ أنْ يَنقطِعَ به التَّوارثُ، ولأنَّ بُعدَ ما بينَ المُسلمِ والذِّميِّ أعظَمُ ممَّا بينَ الذِّميِّ والحَربيِّ، فلمَّا لم يَتوارَثِ الذِّميُّ والحَربيُّ لبُعدِ ما بينَهما كانَ أَولى ألَّا يَتوارثَ المُسلمُ والذِّميُّ.
وإنَّما شُرعَ ذلك ليَكونَ طَريقًا إلى قَطعِ المُواساةِ بينَهما؛ فإنَّ اختِلاطَ المُسلمِ بالكافِرِ يُفسِدُ عليه دِينَه (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٦/ ٢٤٨٤) ح (٦٣٨٣)، ومسلم في «صحيحه» (٣/ ١٢٣٣) ح (١٦١٤).
(٢) «المبسوط» (٣٠/ ٣٠)، و«أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٣٦)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٢٤٠)، و«البحر الرائق» (٨/ ٥٧١)، و«الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٣٥، ٤٣٧)، و«اللباب» (٢/ ٦١٣)، و«الاستذكار» (٥/ ٣٦٨)، و«أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٤٥٥)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٤٨٢)، و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٨/ ٣٧٨)، و«الأم» (٤/ ٨٤)، و«الحاوي الكبير» (٨/ ٧٩)، و«شرح مسلم» (١١/ ٥٢)، و«فتح الباري» (١٢/ ٥٠، ٥٢)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٦٨، ١٦٩)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٢٤)، و(٤/ ٤١)، و«عمدة القاري» (٢٣/ ٢٦٠)، و«المغني» (٦/ ٢٤٦)، و«الإنصاف» (٧/ ٣٤٨)، و«أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٢٨)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٠)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٠٢، ٤٠٤).
[ ٢٤ / ٥٠٣ ]
القَولُ الثاني: أنَّه يَجوزُ تَوريثُ المُسلمِ من الكافرِ، وهو قَولُ مُعاذِ بنِ جَبلٍ ومُعاويةَ بنِ أَبي سُفيانَ ومُحمدِ بنِ الحَنفيةِ ومُحمدِ بنِ علِيِّ بنِ الحُسَينِ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ ومَسروقِ بنِ الأَجدَعِ وعبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ ويَحيَى بنِ يَعمُرَ وإِسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنِ القَيمِ.
قالوا جَميعًا: نَرثُهم ولا يَرثونَنا كما نَنكِحُ نِساءَهم ولا يَنكِحونَ نِساءَنا.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والذين مَنَعوا المِيراثَ عُمدتُهم الحَديثُ المُتَّفقُ عليه: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ ولا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» وهو عُمدةُ مَنْ منَعَ مِيراثَ المُنافِقِ الزِّنديقِ ومِيراثَ المُرتدِّ.
قالَ شَيخُنا -أي: ابنُ تَيميةَ-: وقد ثبَتَ بالسُّنةِ المُتواتِرةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُجري الزَّنادقةَ المُنافِقينَ في الأَحكامِ الظاهِرةِ مَجرى المُسلِمينَ فيَرِثونَ ويُورِّثونَ، وقد ماتَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ وغيرُه ممَّن شهِدَ القُرآنُ بنِفاقِهم ونُهيَ الرَّسولُ ﷺ عن الصَّلاةِ عليه والاستِغفارِ له، وورِثَهم وَرثتُهم المُؤمِنونَ، كما ورِثَ عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنُه، ولم يأخُذِ النَّبيُّ ﷺ من تَركةِ أحدٍ من المُنافِقينَ شَيئًا ولا جعَلَ شَيئًا من ذلك فَيئًا، بل أَعطاه لوَرثتِهم، وهذا أمرٌ مَعلومٌ بيَقينٍ، فعُلمَ أنَّ المِيراثَ مَدارُه على النُّصرةِ الظاهِرةِ لا على إِيمانِ القُلوبِ والمُوالاةِ الباطِنةِ، والمُنافِقونَ في
[ ٢٤ / ٥٠٤ ]
الظاهِرِ يَنصُرونَ المُسلِمينَ على أَعدائِهم وإنْ كانوا من وَجهٍ آخَرَ يَفعَلونَ خِلافَ ذلك، فالمِيراثُ مَبناه على الأُمورِ الظاهِرةِ لا على ما في القُلوبِ.
وأمَّا المُرتدُّ فالمَعروفُ عن الصَّحابةِ مِثلُ علِيٍّ وابنِ مَسعودٍ أنَّ مالَه لوَرثتِه من المُسلِمينَ أيضًا، ولم يُدخِلوه في قَولِه ﷺ: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ» وهذا هو الصَّحيحُ.
وأمَّا أهلُ الذِّمةِ فمَن قالَ بقَولِ مُعاذٍ ومُعاويةَ ومَن وافَقَهما يَقولُ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ» المُرادُ به الحَربيُّ لا المُنافِقُ ولا المُرتدُّ ولا الذِّميُّ؛ فإنَّ لَفظَ الكافِرِ -وإنْ كانَ قد يَعمُّ كلَّ كافِرٍ- قد يأتِي والمُرادُ به بعضُ أَنواعِ الكُفارِ؛ كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] فهنا لم يَدخُلِ المُنافِقونَ في لَفظِ الكافِرينَ، وكذلك المُرتدُّ فالفُقهاءُ لا يُدخِلونَه في لَفظِ الكافرِ عندَ الإِطلاقِ، ولهذا يَقولونَ: إذا أسلَمَ الكافرُ لم يَقضِ ما فاتَه من الصَّلاةِ، وإذا أسلَمَ المُرتدُّ ففيه قَولانِ.
وقد حمَلَ طائِفةٌ من العُلماءِ قَولَ النَّبيِّ ﷺ: «لا يُقتلُ مُسلمٌ بكافِرٍ» (^١) على الحَربيِّ دونَ الذِّميِّ، ولا رَيبَ أنَّ حَملَ قَولِه: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ» على الحَربيِّ أَولى وأقرَبُ مَحمَلًا؛ فإنَّ في تَوريثِ المُسلِمينَ منهم تَرغيبًا في الإِسلامِ لمَن أَرادَ الدُّخولَ فيه من أهلِ الذِّمةِ؛ فإنَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٦/ ٢٥٣١) ح (٦٥٠١).
[ ٢٤ / ٥٠٥ ]
كَثيرًا منهم يَمنعُهم من الدُّخولِ في الإِسلامِ خَوفَ أنْ يَموتَ أَقاربُهم ولهم أَموالٌ فلا يَرثوا منهم شَيئًا.
وقد سمِعنا ذلك منهم من غيرِ واحِدٍ منهم شَفاهةً، فإذا عُلمَ أنَّ إِسلامَه لا يُسقطُ مِيراثَه ضَعُفَ المانِعُ من الإِسلامِ وصارَت رَغبتُه فيه قَويةً، وهذا وَحدَه كافٍ في التَّخصيصِ، وهم يَخصُّونَ العُمومَ بما هو دونَ ذلك بكَثيرٍ؛ فإنَّ هذه مَصلحةٌ ظاهِرةٌ يَشهدُ لها الشَّرعُ بالاعتِبارِ في كَثيرٍ من تَصرفاتِه، وقد تَكونُ مَصلحتُها أعظَمَ من مَصلحةِ نِكاحِ نِسائِهم، وليسَ في هذا ما يُخالِفُ الأُصولَ؛ فإنَّ أهلَ الذِّمةِ إنَّما يَنصرُهم ويُقاتلُ عنهم المُسلِمونَ ويَفتَدونَ أَسراهم، والمِيراثُ يُستحَقُّ بالنُّصرةِ فيَرثُهم المُسلِمونَ، وهم لا يَنصُرونَ المُسلِمينَ فلا يَرِثونَهم؛ فإنَّ أصلَ المِيراثِ ليسَ هو بمُوالاةِ القُلوبِ، ولو كانَ هذا مُعتبَرًا فيه كانَ المُنافِقونَ لا يَرِثونَ ولا يُورَثونَ، وقد مَضَت السُّنةُ بأنَّهم يَرِثونَ ويُورَثونَ (^١).