اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّوارُثِ بالمُوالاةِ والمُعاقَدةِ، وهو أنْ يَقولَ رَجلٌ لآخَرَ: «وَلَّيتُك على أنْ تَرثَني وأرِثَك وتَنصُرَني وأنصُرَك وتَعقِلَ عنِّي وأعقِلَ عنك»، هل يَقعُ التَّوارُثُ بينَهما أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه إذا كانَ للمَيتِ منهما وارِثٌ أنَّه لا يَقعُ التَّوارثُ بينَهما.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّوارُثَ لا يَقعُ بحالٍ لمَا رُويَ: أنَّ عائِشةَ ﵂ أَرادَت أنْ تَشتَريَ بَريرةَ، فامتنَعَ أهلُها من بَيعِها إلا على أنْ يَكونَ الوَلاءُ لهم، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ:
_________________
(١) «الإنصاف» (٧/ ٣٠٣، ٣٠٤).
(٢) «الفروع» (٥/ ٣)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٠٠).
[ ٢٤ / ٤٨٤ ]
«اشتَري واشتَرِطي لهم الوَلاءَ»، فاشتَرَتها واشتَرَطت لهم الوَلاءَ، فصعِدَ النَّبيُّ ﷺ المِنبَرَ، فقالَ: «ما بالُ أَقوامٍ يَشتَرطونَ شُروطًا ليسَت في كِتابِ اللهِ؟ كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ، كِتابُ اللهِ أحَقُّ، وشَرطُه أوثَقُ، والوَلاءُ لمَن أعتَقَ» (^١)، فجعَلَ جِنسَ الوَلاءِ للمُعتِقِ فلم يَبقَ ولم يَثبُتْ لغيرِه.
ولأنَّ كلَّ سَببٍ لم يُورَثْ به مع وُجودِ السَّببِ لم يُورَثْ به مع فَقدِه، كما لو أسلَمَ رَجلٌ على يَدِ رَجلٍ، ولأنَّ عَقدَ المُوالاةِ لو كانَ سَببًا يُورَثُ به لم يَجُزْ فَسخُه وإِبطالُه، كالنَّسبِ والوَلاءِ، ولأنَّ أَسبابَ التَّوارُثِ مَحصورةٌ في رَحمٍ ونِكاحٍ ووَلاءٍ، وليسَ هذا منها.
وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فمَنسوخةٌ بآيةِ المِيراثِ، ولذلك لا يَرثُ مع ذي رَحمٍ شَيئًا.
قالَ الحَسنُ: نسَخَتها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقالَ مُجاهدٌ: فآتُوهُم نَصيبَهم من العَقلِ والنُّصرةِ والرِّفادةِ، وليسَ هذا بوَصلةٍ؛ لأنَّ الوَصيَّ لا يَعقلُ فله الرُّجوعُ، وهذا عندَهم بخِلافِه (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٦٠)، ومسلم (١٥٠٤).
(٢) «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٥٢٩)، و«البيان» (٩/ ١٥، ١٦)، و«المغني» (٦/ ٢٩٩).
[ ٢٤ / ٤٨٥ ]
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ وَلاءَ المُوالاةِ ثابِتٌ ويَقعُ به التَّوارثُ وتَفسيرُ عَقدِ المُوالاةِ أنَّ مَنْ أسلَمَ على يَدَي رَجلٍ وقالَ له: «أنت مَولايَ تَرِثُني إذا مِتُّ وتَعقِلُ عني إذا جَنَيتُ»، وقالَ الآخَرُ: «قبِلتُ» يَنعقِدُ بينَهما عَقدُ المُوالاةِ.
وكذا إذا قالَ: «والَيتُك»، وقالَ الآخَرُ: «قبِلتُ».
وكذلك إذا عقَدَ مع رَجلٍ غيرِ الذي أسلَمَ على يَدَيه.
وكذلك اللَّقيطُ إذا عقَدَ مع غيرِه عَقدَ مُوالاةٍ.
وشَرطُ صِحةِ عَقدِ المُوالاةِ ألَّا يَكونَ للعاقِدِ وارِثٌ مُسلمٌ.
وإذا انعقَدَ عَقدُ المُوالاةِ يَصيرُ مَولًى له حتى لو ماتَ ولم يَتركْ وارِثًا يَكونُ مِيراثُه لمَولاه، ولو جَنى يَكونُ عَقلُه عليه ويَلي عليه في الجُملةِ، وهو قَولُ عُمرَ وعلِيٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵃، وهو قَولُ إِبراهيمَ النَّخعيِّ.
واستدَلُّوا على ذلك بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ.
أمَّا بالكِتابِ الكَريمِ؛ فقَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، والمُرادُ من النَّصيبِ المِيراثُ؛ لأنَّه ﷾ أَضافَ النَّصيبَ إليهم، فيَدلُّ على قيامِ حَقٍّ لهم مُقدَّرٍ في التَّركةِ وهو المِيراثُ؛ لأنَّ هذا مَعطوفٌ على قَولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، لكنْ عندَ عَدمِ ذَوي الأَرحامِ عَرَفناه بقَولِ اللهِ ﷿: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
[ ٢٤ / ٤٨٦ ]
وأمَّا السُّنةُ؛ فما رُويَ عن تَميمٍ الدارِيِّ ﵁ أنَّه قالَ: «سألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن الرَّجلِ يُسلمُ على يَدَي الرَّجلِ، فقال: هو أَولى الناسِ بمَحياه وبمَماتِه» (^١). أي: حالَ حَياتِه وحالَ مَوتِه، أَرادَ به مَحياه في العَقلِ ومَماتَه في المِيراثِ.
وأمَّا المَعقولُ؛ فهو أنَّ بَيتَ المالِ إنَّما يَرثُ بوَلاءِ الإِيمانِ فقط؛ لأنَّه بَيتُ مالِ المُؤمِنينَ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وللمَولى هذا الوَلاءُ ووَلاءُ المُعاقَدةِ، فكانَ أَولى من عامَّةِ المُؤمِنينَ.
ألَا تَرى أنَّ مَولى العَتاقةَ أَولى من بَيتِ المالِ للتَّساوي في وَلاءِ الإِيمانِ والتَّرجيحِ لوَلاءِ العِتقِ، كذا هذا، إلا أنَّ مَولَى المُوالاةِ يَتأخَّرُ عن سائِرِ الأَقاربِ، ومَولى العَتاقةِ يَتقدَّمُ على ذَوي الأَرحامِ؛ لأنَّ الوَلاءَ بالرَّحمِ فَوقَ الوَلاءِ بالعَقدِ فيُخلِفُ عن ذَوي الأَرحامِ، ووَلاءُ العَتاقةِ بما تقدَّمَ من النِّعمةِ بالإِعتاقِ، الذي هو إِحياءٌ وإِيلادٌ، مَعنى الحَقِّ بالتَّعصيبِ من حيثُ المَعنى، ولذلك قالَ: الوَلاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ.
وأمَّا قَولُهما: إنَّ جَماعةَ المُسلِمينَ وَرثتُه فلا يُقدَرُ على إِبطالِ حَقِّهم بالعَقدِ، فنَقولُ: إنَّما يَصيرونَ وَرثتَه إذا ماتَ قبلَ المُعاقَدةِ، فأمَّا بعدَ
_________________
(١) حَسَنٌ صحيحٌ: رواه أَبو داود (٢٩١٨)، والترمذي (٢١١٢)، وابن ماجه (٢٧٥٢)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٧/ ٢٧٦).
[ ٢٤ / ٤٨٧ ]
المُعاقَدةِ فلا، والدَّليلُ على بُطلانِ هذا الكَلامِ أنَّه تَصحُّ وَصيتُه بالثُّلثِ ولو كانَ كذلك لمَا صَحَّت لكَونِها وَصيةً للوارِثِ.
قالَ الكاسانِيُّ: ولو أسلَمَ على يَدِ رَجلٍ ولم يُوالِه ووالَى غيرَه فهو مَولًى للذي والاه عندَ عامَّةِ العُلماءِ وعندَ عَطاءٍ هو مَولًى للذي أسلَمَ على يَدِه والصَّحيحُ قَولُ العامَّةِ لقَولِ اللهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، جعَلَ الوَلاءَ للعاقِدِ وكذا لم يُنقَلْ أنَّ الصَّحابةَ أثبَتوا الوَلاءَ بالإِسلامِ نَفسِه، وكلُّ الناسِ كانوا يُسلِمونَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ والصَّحابةِ والتابِعينَ، وكانَ لا يَقولُ أحدٌ لمَن أسلَمَ على يَدِ أحدٍ إنَّه ليسَ له أنْ يُواليَ غيرَ الذي أسلَمَ على يَدِه، فثبَتَ أنَّ الإِسلامَ نَفسَه على يَدِ رَجلٍ ليسَ سَببًا لثُبوتِ الوَلاءِ له بل السَّببُ هو العَقدُ، فما لم يُوجَدْ لا يَثبُتِ الإِرثُ والعَقلُ (^١).