الردُّ في اللُّغةِ: الصَّرفُ، يُقالُ: ردَّ الشيءَ يَردُّه ردًّا إذا صرَفَه، والردُّ ضدُّ العَولِ، بأنْ تَزيدَ الفَريضَةُ على السِّهامِ، ولا عَصبةَ هُناكَ تَستحِقُّه.
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو لَم تَستَغرقِ الفَريضةُ التَّركةَ هل يُردُّ الفاضلُ على ذَوي السِّهامِ بقَدرِ سِهامِهم أم لا يُردُّ على واحدٍ منهم ويُدفَعُ الباقِي عن الفَرضِ إلى بَيتِ مالِ المُسلِمينَ؟
بعدَ اتِّفاقِ الجَميعِ على أنَّه لا يُردُّ على أَحدِ الزَّوجَينِ شيءٌ؛ لأنَّ فَرضَهما بالسَّببِ لا بالنَّسبِ فهو ضَعيفٌ؛ لأنَّهما استَحقاهُ بعدَ انقِطاعِ السَّببِ الذي يَستحِقانِ به فلا يُزادانِ على فَرضِهما بخلافِ مَنْ يَرثُ بالنَّسبِ؛ لأنَّ النَّسبَ باقٍ بعدَ المَوتِ فقوِيَ حالُهم في الاستِحقاقِ فكانُوا أَولى بالفاضلِ.
أو نَقولُ: إنَّ الزَّوجَينِ يَستحِقانِ بَسببٍ واحدٍ وهو النِّكاحُ فإذا استَحقَّا به لَم يَكنْ لهما سَببٌ غيرَ ذلك يَستَحقانِ به، وأهلُ النَّسبِ يَستحِقونَ بالنَّسبِ وهو البُنوةُ في البِنتِ والأُخوةُ في الأُختِ والباقِي بالرَّحمِ.
وأما غيرُ الزَّوجَينِ من أَهلِ السِّهامِ فاختلَفوا فيه:
[ ٢٤ / ٦٥٨ ]
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ ما بقِيَ بعدَ الفُروضِ يُدفَعُ إلى بَيتِ المالِ ولا يُردُّ لذَوي الفُروضِ ما فضَلَ عنهم فإذا ماتَ رَجلٌ وخلَّفَ أمَّه فقط فلها ثُلثُ مالِه والباقِي لبَيتِ المالِ، وكذلك إن خلَّفَ بِنتًا فقط فلها النِّصفُ وما بقِيَ لبَيتِ المالِ، وكذلك أُختًا شَقيقةً أو لأبٍ فلها النِّصفُ والباقِي لبَيتِ المالِ، وإنْ كانَت لأمٍّ فلها السُّدسُ، وإنْ كانَ معَها جَدةٌّ لأبٍ فلها السُّدسُ والباقِي لبَيتِ المالِ.
قالَ الخَرشيُّ: ولا يُردُّ ما فضَلَ عن أَصحابِ الفُروضِ إليهم عندَ مالكٍ وزَيدٍ وأهلِ المَدينةِ والشافِعيِّ وجُمهورِ قُضاةِ الصَّحابةِ، وقالَ عليٌّ: يُردُّ على كلِّ واحدٍ بقَدرِ ما ورِثَ سِوى الزَّوجِ والزَّوجةِ، فلا يُردُّ عليهما إِجماعًا، ولا يُدفَعُ ما فضَلَ عن أَصحابِ الفُروضِ لذَوي الأَرحامِ على المَشهورِ لكنَّ الشَّيخَ أَبا بكرٍ الطَّرطوشِيَّ قيَّدَ هذا بما إذا كانَ الإمامُ عَدلًا، وإلا فيُردُّ على ذَوي السِّهامِ ويُدفَعُ لذَوِي الأَرحامِ (^١).
وسَواءٌ انتَظمَ بيتُ المالِ بإِمامٍ عادِلٍ يَصرِفُه في جِهتِه أمْ لَا؛ لأنَّ الإِرثَ للمُسلِمينَ، والإِمامُ ناظِرٌ ومُستَوفٍ لهم، والمُسلِمونَ لَم يُعدَموا، وإنَّما عُدمَ
_________________
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٠٧، ٢٠٨)، و«عيون المسائل» للقاضي عبد الوهاب المالكي ص (٦٢٥)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٨٩) وتحبير المختصر» (٥/ ٤٩٩، ٦٠٠)، و«مسائل أبي الوليد ابن رشد» (١/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و«أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» (٣/ ٢٨٨)، و«البيان» (٩/ ١١)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١١٨)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٩، ١٠)، و«تحفة المحتاج» (٨/ ١٧).
[ ٢٤ / ٦٥٩ ]
المُستَوفي لهم، فلَم يُوجِبْ ذلك سُقوطَ حقِّهم، هذا عندَ المالِكيةِ في المَشهورِ وهو مَنقولُ المَذهبِ في الأَصلِ عندَ الشافِعيةِ، أنَّه يُعطَى لبَيتِ المالِ سَواءٌ كانَ مُنتظِمًا أو غيرَ مُنتظِمٍ.
وقالَ مُتأخِّرو الشافِعيةِ: إذا لَم يَنتظِمْ أمرُ بَيتِ المالِ لكَونِ الإِمامِ غيرَ عادلٍ، بأنْ يَردَّ على أَهلِ الفَرضِ غيرِ الزَّوجَينِ؛ لأنَّ المالَ مَصروفٌ إِليهم أو إلى بَيتِ المالِ بالإِنفاقِ، فإذَا تَعذَّرَت إحدَى الجِهتَينِ تَعيَّنَت الأُخرَى (^١).
وفي قولٍ للمالِكيةِ: يُدفَعُ إلى ذَوِي الأَرحامِ إذا لَم يَكنْ الإمامُ عدلًا، وعن ابنِ القاسمِ أنَّه يُتصدَّقُ به إلا أن يَكونَ الوالِي كعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ.
وقالوا: يَنبَغي إذا كانَ الإمامُ غيرَ عادلٍ أنْ يدفَعَ لذَوِي الأَرحامِ أو يردَّه على أَهلِ السِّهامِ (^٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الفاضِلَ عن فَرضِ ذَوِي السِّهامِ إذا لَم يَكنْ عَصبةً مَردودٌ عليهم بقَدرِ سِهامِهم إلَّا على الزَّوجَينِ؛ لقولِه ﵎: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وهو المِيراثُ، فيَكونُ أَولى مِنْ بَيتِ المالِ ومِن الزَّوجَينِ إلا فيما ثبَتَ لهما بالنصِّ، وكانَ يَنبَغي أنْ يَكونَ ذلك لجَميعِ ذَوِي الأَرحامِ لاستِوائِهم في
_________________
(١) «كنز الراغبين» (٣/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٢٣، ١٢٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ١٣، ١٤)، و«تحفة المحتاج» (٨/ ٢١، ٢٢).
(٢) «التاج والإكليل» (٥/ ٤٨٩)، و«شرح مختصر خليل» (٢٠٧، ٢٠٨)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٥٨)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٠٠).
[ ٢٤ / ٦٦٠ ]
هذا الاسمِ إلا أنَّ أَصحابَ الفَرائضِ قُدِّموا على غيرِهم مِنْ ذَوي الأَرحامِ لقُوَّةِ قَرابتِهم؛ ألا تَرى أنَّهم يُقدَّمونَ في الإِرثِ فكانوا أَحقَّ به.
ومِن حيثُ السُّنةِ قولُه ﷺ: «مَنْ ترَكَ مالًا فلِلوارِثِ» (^١)، ولأنَّ القَرابةَ عِلةٌ لاستِحقاقِ الكلِّ؛ لأنَّ المَيتَ قَدْ استَغنَى عن المالِ، فلَو لَم يَنتقِلْ إلى أَحدٍ يَبقَى سائِبةً، والقَريبُ أَولى النَّاسِ به فيَستَحقُّه بالقَرابَةِ صِلةً، إِلَّا أنَّها تَقاعَدَت عن استِحقاقِ الكلِّ عندَ الاجتِماعِ للمُزاحَمةِ بالإِجماعِ فبقِيَت مُفيدةً له عندَ الانفِرادِ، فوجَبَ أنْ يَستحِقَّ صاحِبُ السَّهمِ بقَدرِ سَهمِه حَالةَ المُزاحَمةِ، والفاضِل عن سَهمِه حَالةَ الانفِرادِ.
وما رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَلَ على سَعدٍ يَعودُه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي مالًا ولا يَرثُني إلا ابنَتِي» الحَديث، ولَم يُنكِرْ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ حَصرَ المِيراثِ على ابنَتِه، ولولا أنَّ الحُكمَ كذلك لأَنكَرَ عليه ولَم يُقرَّه على الخَطإِ لا سِيَّما في مَوضعِ الحاجةِ إلى البَيانِ.
وكذا رُويَ أنَّ امرَأةً أتَت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي تَصدَّقْت على أمِّي بجارِيةٍ فماتَت أميِّ وبقِيَت الجاريةُ، فقالَ: «وجَبَ أَجرُك، ورجَعَت إليك في المِيراثِ» فجعَلَ الجارِيةَ راجِعةً إليها بحُكمِ المِيراثِ، وهذا هو الردُّ، ولأنَّ أَصحابَ الفَرائضِ ساوَوا الناسَ كلَّهم، وتَرجَّحوا بالقَرابةِ فيتَرجَّحونَ بذلك مِنْ المُسلِمينَ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٩٨)، ومسلم (١٦١٩).
[ ٢٤ / ٦٦١ ]
أما الزَّوجانِ فقَرابتُهما قاصِرَةٌ فلا يَستَحقَّانِ إلَّا سَهمَهما إِظهارًا لقُصورِ مَرتبَتِهما، ولأنَّ الزَّوجِيَّةَ تَزولُ بالمَوتِ فيَنتفِي السَّببُ، وقَضيَّتُه عَدمُ الإِرثِ أَصلًا، إلَّا أنَّا أَعطَيناهما فَرضَهما بصَريحِ الكِتابِ فَلا يُزادُ عليه.
أو نَقولُ: إنَّ الزَّوجَينِ يَستحِقانِ بسَببٍ واحِدٍ وهو النِّكاحُ، فإِذا استَحقَّا به لَم يَكنْ لهما سَببٌ غيرَ ذلك يَسْتَحقانِ به، وأَهلُ النَّسبِ يَستحِقونَ بالنَّسبِ، وهو البُنوَّةُ في البِنتِ والأُخوَّةُ في الأُختِ، والباقِي بالرَّحمِ (^١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في ردِّ ما بقِيَ مِنْ مالِ الوَرثةِ على ذَوِي الفَرائضِ إذا بقِيَت مِنْ المالَ فَضلةٌ لَم تَستَوفِها الفَرائضُ ولَم يَكنْ هناك مَنْ يُعصِّبُ، فكانَ زَيدٌ لا يَقولُ بالردِّ ويَجعلُ الفاضِلَ في بَيتِ المالِ، وبه قالَ مالكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ جلُّ الصَّحابةِ بالردِّ على ذَوِي الفُروضِ ما عَدا الزَّوجَ والزَّوجةَ وإنْ كانوا اختلَفوا في كَيفيةِ ذلك، وبه قالَ فُقهاءُ العِراقِ مِنْ الكُوفِّيينَ والبَصريِّينَ.
وأَجمَعَ هؤلاء الفُقهاءُ على أنَّ الردَّ يَكونُ لهم بقَدرِ سِهامِهم فمَن كانَ له نِصفٌ أخَذَ النِّصفَ ممَّا بقِيَ، وهكذا في جُزءٍ جُزءٍ.
_________________
(١) «الاختيار» (٥/ ١٢٠، ١٢١)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و«الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٤٨)، و«المغني» (٦/ ١٨٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و«المبدع» (٦/ ١١٤)، و«منار السبيل» (٣/ ٤٣٤، ٤٣٧).
[ ٢٤ / ٦٦٢ ]
وعُمدتُهم أنَّ قَرابةَ الدِّينِ والنَّسبِ أَولى مِنْ قَرابةِ الدِّينِ فقَط، أيْ أنَّ هؤلاء اجتَمعَ لهم سَببانِ وللمُسلِمينَ سَببٌ واحدٌ (^١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الزَّوجانِ فلا يُردُّ عليهما باتِّفاقِ مِنْ أَهلِ العِلمِ (^٢).
واعلَمْ أنَّ جَميعَ مَنْ يُردُّ عليه سَبعةٌ:
الأمُّ والجَدةُ والبِنتُ وبِنتُ الابنِ والأَخواتُ مِنْ الأَبوَينِ والأَخواتُ لأبٍ وأَولادُ الأمِّ.
ويَقعُ الردُّ على جِنسٍ واحِدٍ وعلى جِنسَينِ وعلى ثَلاثةٍ، ولا يَكونُ أَكثرَ مِنْ ذلك، والسِّهامُ المَردودُ عليها أَربَعةٌ: الاثْنانِ والثَلاثةُ والأَربَعةُ والخَمسةُ.
ثم المَسأَلةُ لَا تخلُو إمَّا إنْ كانَ فيها مَنْ لا يُردُّ عليه أو لَم يَكنْ، فإنْ لَم يَكنْ فإمَّا إنْ كانَ جِنسًا واحِدًا أو أَكثرَ، فإنْ كانَ جِنسًا واحِدًا فاجعَلِ المَسأَلةَ مِنْ عَددِ رُؤوسِهم، وإنْ كانَ جِنسَينِ أو أَكثَرَ فمِن سِهامِهم وأَسقِطِ الزَّائدَ.
أَمثلةُ ذلك:
١ - جَدةٌ وأُختٌ لأمٍّ: للجَدةِ السُّدسُ، وللأُختِ السُّدسُ، والباقِي ردٌّ عليهما بقَدرِ سِهامِهما، فاجعَلِ المَسأَلةَ مِنْ عَددِهم -وهو اثْنانِ- لاستِوائِهما في الفَرضِ، أَصلُ المَسأَلةِ مِنْ سِتةٍ عادَتْ بالردِّ إلى اثنَينِ.
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٦٤).
(٢) «المغني» (٦/ ١٨٥).
[ ٢٤ / ٦٦٣ ]
٢ - جَدةٌ وأُختانِ لأمٍّ: للجَدةِ السُّدسُ وللأُختَينِ الثُّلثُ، فاجعَلِ المَسأَلةَ مِنْ ثَلاثٍ، وهو عَددُ رُؤوسِهم.
٣ - بِنتٌ وأمٌّ: للبِنتِ النِّصفُ ثَلاثةٌ، وللأمِّ السُّدسُ سَهمٌ، اجعَلْها مِنْ أَربَعةٍ، وهو عَددُ سِهامِهم.
٤ - أَربعُ بَناتٍ وأُمٌّ: للبَناتِ الثُّلثانِ، وللأمِّ السُّدسُ، اجعَلِ المَسأَلةَ مِنْ خَمسةٍ، وهو عَددُ سِهامِهم (^١).
_________________
(١) «الاختيار» (٥/ ١٢٠، ١٢١)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و«الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٤٨)، و«المغني» (٦/ ١٨٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و«المبدع» (٦/ ١١٤)، و«منار السبيل» (٣/ ٤٣٤، ٤٣٧).
[ ٢٤ / ٦٦٤ ]