الفَرائضُ جَمعُ فَريضةٍ: سُمِّيت بذلك لكَثرةِ الفَرضِ فيها، والفَرضُ لُغةً: التَّقديرُ؛ لأنَّ سِهامَ الوَرثةِ مُقدَّرةٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: قدَّرتُم، ويأتي بمَعنى القَطعِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧] أيْ: مَقطوعًا، وبمَعنى الحَزِّ، يُقالُ: فَرضُ القَوسِ، وفَرضَتُه: الحَزُّ الذي فيه الوَترُ، وفَرضةُ النَّهرِ، أي: ثُلمتُه، وبمَعنى التَّبيينِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي: بيَّنَ، وبمَعنى الإِنزالِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] أي: أنزَلَ، وبمَعنى الإِحلالِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [لقمان: ٣٨] أي: أحَلَّ، وبمَعنى العَطاءِ، تَقولُ العَربُ: ما أصَبتَ منه فَرضًا.
[ ٢٤ / ٤٦٢ ]
ولمَّا كانَ عِلمُ الفَرائضِ مُشتمِلًا على هذه المَعاني لمَا فيه من السِّهامِ المُقدرةِ، والمَقاديرِ المُقتَطعةِ، والعَطاءِ المُجردِ، وتَبيِينِ اللهِ تَعالى لكلِّ وارِثٍ نَصيبَه وأحَلَّه له، سُمِّي بذلك.
ويقالُ للعالِمِ به: فَرضيٌّ وفارِضٌ وفَريضٌ، كعالِمٍ وعَليمٍ (^١).
يُسمَّى عِلمَ الفَرائضِ وعِلمَ المَواريثِ.
وفي الاصطِلاحِ: قد عرَّفَه الفُقهاءُ بعِدةِ تَعريفاتٍ كلُّها تَدورُ حَولَ مَعرفةِ مَنْ يَرثُ ومَن لا يَرثُ ومِقدارِ ما لكلِّ واحِدٍ منهم من التَّركةِ.
قالَ المالِكيةُ: وهو عِلمٌ يُعرَفُ به مَنْ يَرثُ ومَن لا يَرثُ ومِقدارُ ما لكلِّ وارِثٍ، ومَوضوعُه التَّرِكاتُ (^٢).
وقالَ الشافِعيةُ: الفَرضُ نَصيبٌ مُقدَّرٌ شَرعًا لمُستحِقِّه (^٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: هو العِلمُ بقِسمةِ المَواريثِ (^٤).
وقالَ الحَنفيةُ: الفَرضُ في الشَّرعِ: ما ثبَتَ بدَليلٍ مَقطوعٍ به، كالكِتابِ والسُّنةِ المُتواتِرةِ والإِجماعِ.
_________________
(١) «تحرير ألفاظ التنبيه» ص (٢٤٦)، و«الاختيار» (٥/ ١٠٣)، و«مغني المحتاج» (٦/ ٥)، و«المطلع» ص (٢٩٩)، و«المبدع» (٦/ ١١٢)، و«لسان العرب» (٧/ ٢٠٣).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٤٠)، و«حاشية الصاوي» (١١/ ٥٨).
(٣) «مغني المحتاج» (٦/ ٥).
(٤) «شرح الزركشي» (٢/ ٢٥١).
[ ٢٤ / ٤٦٣ ]
وسُمِّي هذا النَّوعُ من الفِقهِ فَرائضَ؛ لأنَّه سِهامٌ مُقدَّرةٌ مَقطوعةٌ مُبيَّنةٌ، ثبَتَت بدَليلٍ مَقطوعٍ به، فقد اشتمَلَ على المَعنى اللُّغويِّ والشَّرعيِّ.
وإنَّما خُصَّ بهذا الاسمِ لوَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّ اللهَ تَعالى سمَّاه به، فقالَ بعدَ القِسمةِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، والنَّبيُّ ﷺ أيضًا سمَّاه به، فقالَ: «تَعلَّموا الفَرائضَ» (^١).
والثاني: أنَّ اللهَ تَعالى ذكَرَ الصَّلاةَ والصَّومَ وغيرَهما من العِباداتِ مُجمَلًا ولم يُبيِّنْ مَقاديرَها، وذكَرَ الفَرائضَ وبيَّنَ سِهامَها وقَدَّرها تَقديرًا لا يَحتمِلُ الزِّيادةَ والنُّقصانَ، فخَصَّ هذا النَّوعَ بهذا الاسمِ لهذا المَعنى.
والإِرثُ في اللُّغةِ: البَقاءُ، قالَ ﵊: «إنَّكم على إِرثٍ من إِرثِ أَبيكم إِبراهيمَ» (^٢)، أي: على بَقيةٍ من بَقايا شَريعتِه.
والوارِثُ الباقي، وهو مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى: أي: الباقي بعدَ فَناءِ خَلقِه، وسُمِّيَ الوارِثَ لبَقائِه بعدَ المَورثِ.
وفي الشَّرعِ: انتِقالُ مالِ الغيرِ إلى الغيرِ على سَبيلِ الخِلافةِ، فكأنَّ الوارِثَ لبَقائِه انتقَلَ إليه بَقيةُ مالِ المَيتِ (^٣).
_________________
(١) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٧١٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (١٩٢١)، والنسائي (٣٠١٤).
(٣) «الاختيار» (٥/ ١٠٣)، و«الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٣٢)، و«اللباب» (٢/ ٦١١).
[ ٢٤ / ٤٦٤ ]