المَقصودُ بالكَلالةِ أنَّ الإِنسانَ يَموتُ ليسَ له وَلدٌ ولا وَالدٌ (^١).
لكنَّ العُلماءَ اختَلفوا هل هو اسمٌ للمَيتِ أو للوَرثةِ؟
فقالَ قَومٌ: الكَلالةُ اسمُ المَيتِ إذا لَم يَكنْ له وَلدٌ ولا وَالدٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى قالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] فجعَلَ ذلك صِفةً للمَوروثِ ولو كانَت صِفةً للوارثِ لقالَ: (وإنْ كانَ رَجلٌ يَرثُه كَلالةً)، ولأنَّه يُقالُ عَقيمٌ لمن لا وَلدَ له، ويَتيمٌ لمَن لا والدَ له، وكَلالةٌ لمَن لا وَلدَ له ولا والدٌ.
وقالَ آخَرونَ: الكَلالةُ اسمُ للوَرثةِ إذا لَم يَكنْ فيهم وَلدٌ ولا والدٌ.
وقالَ آخَرونَ: الكَلالةُ مِنْ الأَسماءِ المُشتَركةِ تَنطلِقُ على المَيتِ إذا لَم يَتركْ وَلدًا ولا والِدًا، وعلى الوَرثةِ إذا لَم يَكنْ فيهم وَلدٌ ولا والدٌ، لاحتِمالِ الأَمرَينِ. قالُوا: فالكَلالةُ التي في قولِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] اسمٌ للمَيتِ، والتي في قولِه تَعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ
_________________
(١) «الاستذكار» (٥/ ٣٥٥)، و«فتح الباري» (١٢/ ٢٦).
[ ٢٤ / ٦٠٣ ]
يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] اسمٌ للوَرثةِ (^١).
وذكَرَ اللهُ تَعالَى الكَلالةَ في مَوضعَينِ من كِتابه:
أحدُهما: في أَولِ سُورةِ النِّساءِ، وهو قولُه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، لَم يَختَلفِ العُلماءُ في قولِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أنَّهم الإِخوةُ للأمٍّ، فهذه الكَلالةُ التي يَرثُ فيها الإِخوةُ للأمِّ حينَ لا يَكونَ وَلدٌ ولا والدٌ، وَيسَتونَ كلُّهم في الفَريضَةِ؛ لأنَّهم كلُّهم إِخوةُ المُتوفَّى لأمِّه.
وقد كانَ سَعدُ بنُ أَبي وَقاصٍ ﵁ يَقرأُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، وهذا يَجوزُ أنْ يَكونَ قالَه تَفسيرًا، ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ تِلاوةً، وقد أجمَعوا على أنَّهم الإِخوةُ والأَخواتُ مِنْ الأمِّ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى قالَ: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢].
والمَوضعُ الثانِي: في آخرِ سُورةِ النِّساءِ قولُه تَعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) «الاستذكار» (٥/ ٣٥٥)، و«الموطأ» (٢/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و«أحكام القرآن» (١/ ٤٤٨)، و«الحاوي الكبير» (٨/ ٩٢، ٩٣)، و«فتح الباري» (١٢/ ٢٦).
[ ٢٤ / ٦٠٤ ]
عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦] فذكَرَ مِيراثَ الإِخوةِ والأَخواتِ عندَ عَدمِ الوَلدِ وسمَّاهم كَلالةً، وعَدمُ الوالدِ مَشروطٌ فيها وإنْ لَم يَكنْ مَذكورًا لقولِه تَعالَى في أَولِ السُّورةِ، وورِثَه أَبواهُ فلأمِّه الثُّلثُ، فإنْ كانَ له إِخوةٌ فلأمِّه السُّدسُ، فلَم يَجعلْ للإِخوةِ مِيراثًا معَ الأبِ فخرَجَ الوالدُ مِنْ الكَلالةِ كما خرَجَ الوَلدُ؛ لأنَّه لَم يُورثُهم معَ الأبِ كما لَم يُورثُهم معَ الابنِ والبِنتِ أيضًا ليسَت بكَلالةٍ فإنْ ترَكَ ابَنةً أو ابنَتينِ وإِخوةً وأَخواتٍ لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ اسمَ الكَلالةِ يَقعُ على الإِخوةِ.
وأَجمَعوا أنَّ مُرادَ اللهِ ﷿ في الآية التي في أَولِ سُورةِ النِّساءِ: الإِخوةُ مِنْ الأمِّ، وبالتي في آخرِها مِنْ الأبِ والأمِّ.
وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ لا يَرثونَ معَ وَلدِ الصُّلبِ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى.
وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ لا يَرثونَ معَ الأبِ ولا معَ جدِّ أَبي أبٍ وإنْ بعُدَ.
فإذا لَم يَتركِ المُتوفَّى أَحدًا ممَّن ذكَرْنا أنَّهم يَحجُبونَ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ.
فإنْ ترَكَ أخًا أو أُختًا لأمٍّ فله أو لهَا السُّدسُ فَريضةً، فإنْ ترَكَ أخًا وأَختًا مِنْ أمِّه فالثُّلثُ بينَهما سَواءٌ لا فَضلَ للذَّكرِ منهما على الأُنثَى (^١).
_________________
(١) «الإجماع» (٢٩٤، ٢٩٧)، ويُنظَر: «أحكام القرآن» (٣/ ٢٠، ٢١)، و«شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣٤٠).
[ ٢٤ / ٦٠٥ ]
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: مِيراثُ الإِخوةِ للأمِّ وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ الإِخوةَ للأمِّ إذا انفَردَ الواحدُ منهم أنَّ له السُّدسَ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى وأنَّهم إنْ كانُوا أَكثرَ مِنْ واحدٍ فهم شُركاءُ في الثُّلثِ على السَّويةِ، للذَّكرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثَى سَواءٌ.
وأَجمَعوا على أنَّهم لا يَرثونَ معَ أَربعةٍ وهم الأبُ والجدُّ أو الأبُ وإنْ عَلا والبَنونَ ذُكرانُهم وإِناثُهم، وبَنو البَنينَ وإنْ سفَلوا ذُكرانُهم وإِناثُهم، وهذا كلُّه لقولِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] الآية، وذلك أنَّ الإِجماعَ انعَقدَ على أنَّ المَقصودَ بهذه الآيةِ هم الإِخوةُ للأمِّ فقَط وقد قُرئَ: (وله أخٌ أو أُختٌ مِنْ أمِّه).
وكذلك أَجمَعوا فيما أَحسَبُ ههنا على أنَّ الكَلالةَ هي فَقدُ الأَصنافِ الأَربعةِ التي ذكَرْنا مِنْ النَّسبِ أَعنِي الآباءَ والأَجدادَ والبَنينَ وبَني البَنينَ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: ولا يَرثُ أخٌ ولا أُختٌ لأمٍّ معَ وَلدٍ ذَكرًا كانَ الوَلدُ أو أُنثَى، ولا معَ أبٍ ولا معَ جدٍّ.
وجُملةُ ذلك أنَّ وَلدَ الأمِّ ذَكرَهم وأُنثاهُم يَسقُطونَ بأَربعةٍ: بالوَلدِ، ووَلدِ الابنِ، والأبِ، والجدِّ أبِ الأبِ وإنْ عَلا، أَجمعَ على هذا أَهلُ العِلمِ؛ فلا نَعلمُ أحدًا منهم خالَفَ هذا إلا رِوايةً شذَّت عن ابنِ عَباسٍ في أَبوَينِ وأَخوَينِ لأمٍّ للأمِّ الثُّلثُ وللأَخوَينِ الثُّلثُ، وقِيلَ عنه: لهُما ثُلثُ الباقِي، وهذا بَعيدٌ جدًّا، قالَ ابنُ عَباسٍ: يَسقُطُ الإِخوةُ كلُّهم بالجدِّ، فكيف يَرثُ
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥٨).
[ ٢٤ / ٦٠٦ ]
ولدُ الأمِّ معَ الأبِ؟ ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ وَلدَ الأمِّ يَسقُطُ بالجدِّ، فكيف يَرثُ معَ الأبِ؟ والأصلُ في هذه الجُملةِ قولُ اللهِ تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، والمُرادُ بهذه الآيةِ الأخُ والأُختُ مِنْ الأمِّ بإِجماعِ أهلِ العِلمِ، وفي قِراءةِ سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ: (وله أخٌ أو أُختٌ مِنْ أمٍّ)، والكَلالةُ في قولِ الجُمهورِ مَنْ ليسَ له وَلدٌ ولا والدٌ فشرَطَ في تَوريثِهم عَدمَ الوَلدِ والوالدِ، والوَلدُ يَشملُ الذَّكرَ والأُنثَى، والوالدُ يَشملُ الأبَ والجدَّ (^١).