ذُو الرَّحمِ في اللُّغةِ: بمَعنى ذِي القَرابةِ مُطلَقًا.
وفي الشَّريعةِ: هو كلُّ قَريبٍ ليسَ بذِي سَهمٍ مُقدَّرٍ في كِتابِ اللهِ أو سُنةِ رَسولِه أو إِجماعِ الأُمةِ ولَا هو عَصبَةٍ.
وذَوو الأَرحامِ عَشرةُ أَصنافٍ:
١ - أَبو الأمِّ، وكلُّ جدٍّ وجدَّةٍ ساقطَينِ، كأَبي أَبي الأمِّ، وأمِّ أَبي الأمِّ، وهذانِ صِنفٌ واحِدٌ.
٢ - وأَولادُ البَناتِ: للصُّلبِ كبِنتِ بِنتٍ، أو للابنٍ كبِنتِ بِنتِ ابنٍ ذُكورًا كانُوا أو إِناثًا.
٣ - وبَناتُ الإِخوةِ لأَبوَينِ أو لأَبٍ أو لأمٍّ.
٤ - وأَولادُ الأَخواتِ.
٥ - وبَنو الإِخوةِ للأمِّ.
٦ - والعمُّ للأمِّ، وهو أَخو الأَبِ لأمِّه.
٧ - وبَناتُ الأَعمامِ: لأَبوَينِ أو لأَبٍ أو لأمٍّ، وكَذا بَنو الأَعمامِ للأمِّ.
٨ - والعَماتُ مِنْ جَميعِ الجِهاتِ.
٩ - والأَخوالُ والخالاتُ.
١٠ - والمُدلُونَ بهِم: أَي: العَشرَة ما عَدا السَّاقطَ مِنْ الجدِّ والجدَّةِ؛ إِذْ لَم يَبقَ في ذلكَ السَّاقطِ مَنْ يُدلِي بِه.
فهؤلاء ومَن أَدلى بهم يُسمَّونَ ذَوي الأَرحامِ.
[ ٢٤ / ٥٤٥ ]
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو فُقدوا -أي الوَرثةُ- مِنْ الرِّجالِ والنَّساءِ كلُّهم، أو فضَلَ عمَّنْ وُجدَ منهم شَيءٌ هل يَرثُ ذَوو الأَرحامِ ويُردُّ الباقِي عليهم أم لا يَرثونَ ويُردُّ الباقِي على ذَوي الفُروضِ أو يُردُّ إلى بيتِ المالِ على تَفصيلٍ عندَهم في ذلك؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إِذا لَم يَكنْ للمَيتِ عَصبةٌ ولا ذُو سَهمٍ ورِثَه ذَوو الأَرحامِ، لكنْ يُقدَّمُ عليهم المَولَى والردُّ، فإنْ كانَ له مَولًى مُنعمٌ ورِثَ، وإن لم يَكنْ له مَولًى مُنعمٌ وهناك مَنْ له فَرضٌ كالابنةِ والأُختِ كانَ الباقِي لصاحبِ الفَرضِ بالردِّ، وإنْ لَم يَكنْ هناك أحدٌ من أهلِ الفُروضِ ورِثَ ذَوو الأَرحامِ ولا يُردُّ إلى بيتِ المالِ.
والأَصلُ في هذا أنَّ ذَوي الأَرحامِ أَولى بالمِيراثِ مِنْ بَيتِ المالِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، أيْ: أحقُّ بالتَّوارثِ في حُكمِ اللهِ تَعالى.
قالَ أهلُ العِلمِ: كانَ التَّوارثُ في ابتِداءِ الإِسلامِ بالحِلفِ، وكانَ الرَّجلُ يَقولُ للرَّجلِ: «دَمي دمُك ومالِي مالُك، تَنصرُني وأَنصرُك، وتَرثُني وأَرثُك» فيَتعاقَدانِ الحِلفَ بينَهما على ذلك فيَتوارَثانِ به دونَ القَرابةِ، وذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] ثم نُسخَ ذلك وصارَ التَّوارثُ بالإِسلامِ والهِجرةِ.
فإذا كانَ له ولدٌ ولَم يُهاجِرْ ورِثَه المُهاجِرونَ دونَه، وذلك قولُه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]
[ ٢٤ / ٥٤٦ ]
ثم نُسخَ ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وعَن عائشةَ ﵂ مَرفوعًا: «الخالُ وارِثُ مَنْ لَا وارِثَ له» (^١).
وعن المِقدامِ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ ترَكَ كلًّا فإلَيَّ -وربَّما قالَ إلى اللهِ وإلى رَسولهِ-، ومَن ترَكَ مالًا فلوَرثَتِه، وأنا وَارثُ من لا وَارثَ له أَعقِلُ له وأَرثُهُ، والخالُ وَارثُ من لا وارِثَ له يَعقِلُ عنه ويَرثُه» (^٢).
وعَن واسعِ بنِ حيَّانَ قالَ: «تُوفِّيَ ثَابتُ بنُ الدَّحداحِ وكانَ أَتيًّا، وهو الذي ليسَ له أَصلٌ يُعرفُ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعاصِمِ بنِ عَديٍّ: هَلْ تَعرفُونَ له فِيكُمْ نسَبًا؟ قالَ: لَا يا رَسولَ اللهِ، فدَعا رَسولُ اللهِ ﷺ أَبا لُبابةَ بنَ عبدِ المُنذرِ بنِ أخِيه فأَعطاهُ مِيراثَه» (^٣)، فهذا رَسولُ اللهِ ﷺ قَدْ ورَّثَ أَبا لُبابةَ مِنْ ثابتٍ برَحمِه الذي بينَه وبينَه، فثبَتَ بذلك مَواريثُ ذَوي الأَرحامِ.
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٢١٠٤)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٩٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٨٩٩)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٠٣٥).
(٣) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٩٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» رقم (١٢٥٧٨).
[ ٢٤ / ٥٤٧ ]
ولأنَّ ذَوي الأَرحام قد شارَكوا المُسلِمينَ في الإِسلامِ وفَضَلُوهم بالرَّحمِ، فوجَبَ أنْ يَكونوا أَولى منهم بالمِيراثِ، كالمُعتِقِ لمَّا ساوَى كافَّةَ المُسلِمينَ في الإِسلامِ وفُضِّلَ عليهم بالعِتقِ صارَ أَولى منهم بالِميراثِ، وكالأخِ للأبِ والأمِّ لمَّا ساوَى الأخَ للأبِ وفضَلَه بالأمِّ كانَ أَولى بالإِرثِ.
وتَوريثُ ذَوي الأَرحامِ كتَوريثِ العَصبةِ، يَرثُ الأَقربُ فالأَقربُ إلى المَيتِ، والأَقربُ يَحجُبُ الأَبعدَ كالعَصباتِ، فمَن هو أَقرَبُ إلى المَيتِ مِنْ أيِّ صِنفٍ كانَ فهو أَولَى. ومَن انفَردَ منهم أخَذَ جَميعَ المالِ؛ لأنَّهم يُدلُونَ بالقَرابةِ وليسَ لهم سَهمٌ مُقدَّرٌ، فكانُوا كالعَصباتِ.
وأَقرَبُهم إلى المَيتِ الجدُّ أَبو الأُمِّ ثم أَولادُ البَناتِ ثم أَولادُ الأَخواتِ وبَناتُ الإِخوةِ ثم العَماتُ والخالاتُ ثم أَولادُهم وهذا مَذهبُ الحَنفيةِ (^١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَرثونَ: بتَنزيلِهم مَنزِلةَ مَنْ أَدلَوا به فيَنزلُ كلٌّ منهم مَنزِلةَ مَنْ أَدلَى به مِنْ الوَرثةِ بدَرجةٍ، أو دَرجاتٍ حتى يَصلَ إلى مَنْ يَرثُ، فيَأخذُ مِيراثَه.
لِما رُويَ عن عليٍّ وعبدِ الله: «أنَّهما نزَّلا بِنتَ البِنتِ بمَنزِلةِ البِنتِ، وبِنتَ الأخِ بمَنزِلةِ الأخِ، وبِنتَ الأُختِ مَنزِلةَ الأُختِ، والعَمةَ مَنزِلةَ الأبِ، والخالةَ مَنزِلةَ الأمِّ»، ورُويَ ذلك عن عُمرَ في العَمةِ والخالةِ (^٢).
_________________
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٤٧٢، ٤٧٣)، و«التجريد» للقدوري (٨/ ٣٩١١،)، و«المبسوط» (٣٠/ ٢، ٤)، و«الاختيار» (٥/ ١٢٧، ١٣٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي (٦/ ٢١٧).
[ ٢٤ / ٥٤٨ ]
وعن عليٍّ أيضًا (^١): أنَّه نزَّلَ العَمةَ بمَنزِلةِ العمِّ. وعن الزُّهرِيِّ أنَّه ﷺ قالَ: «العَمةُ بمَنزِلةِ الأبِ إذا لَم يَكنْ بينَهما أبٌ، والخالةُ بمَنزِلةِ الأمِّ إذا لَم يَكنْ بينَهما أمٌّ» (^٢).
وإنْ أَدلَى جَماعةٌ منهم بوارِثٍ، واستَوتْ مَنزِلتُهم منه بلا سَبقٍ كأَولادِه، وكإِخوتِه المُتفرِّقينَ الذين لا واسِطةَ بينَه وبينَهم فنَصيبُه لهم كإِرثِهم منه. لكنْ هنا بالسَّويَّةِ، الذَّكرُ كالأُنثَى؛ لأنَّهم يَرثونَ بالرَّحمِ المُجردةِ، فاستَوى ذَكرُهم وأُنثاهُم، كولدِ الأمِّ. اختارَه الأَكثرُ (^٣)، ونقَلَه الأَثرمُ، وحَنبلٌ، وإِبراهيمُ بنُ الحارثِ.
ومَن لا وارِثَ له مَعلومٌ فمالُه لبَيتِ المالِ يَحفظُه كالمالِ الضائعِ.
قالَ في «القواعد» (^٤): معَ أنَّه لا يَخلو مِنْ بَني عمٍّ أَعلَى؛ إذِ الناسُ كلُّهم بَنو آدمَ، فمَن كانَ أَسبَقَ إلى الاجتِماعِ معَ المَيتِ في أبٍ من آبائِه فهو عَصبتُه، ولكنَّه مَجهولٌ، فلم يَثبُتْ له حُكمٌ، وجازَ صَرفُ مالِه في المَصالحِ، ولذلك لو كانَ له مَولًى مُعتِقٌ لورِثَه في هذه الحالِ، ولَم يُلتَفتْ إلى هذا المَجهولِ. انتهى.
_________________
(١) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١١/ ٢٦١)، رقم (٣١٧٦٣) في إِسنادِه رَجلٌ مَجهولٌ.
(٢) حَدِيثٌ ضعيفٌ.
(٣) وعنه: إلا الخال والخالَة، وعنه: يُفضَّلُ الذَّكرُ إلا في وَلدِ وَلدِ الأمِّ. «الفروع» (٥/ ٢٠).
(٤) : (القاعِدةُ: السادِسةُ بعدَ المئةِ).
[ ٢٤ / ٥٤٩ ]
وليسَ بيتُ المالِ وارِثًا، وإنَّما يَحفَظُ المالَ الضائعَ وغيرَه (^١) كأَموالِ الفَيءِ. فهو جِهةٌ ومَصلحَةٌ؛ لأنَّ اشتِباهَ الوارِثِ بغيرِه لا يُوجِبُ الحُكمَ بالإِرثِ للكلِّ، فيُصرَفُ في المَصالحِ؛ للجَهلِ بمُستَحقِّه عَينًا.
وشرطُ تَوريثِهم أنْ لا يَكونَ معَهم وارثٌ سُميَت له فَريضةٌ، أو مَولَى نِعمةٍ؛ فالردُّ والوَلاءُ يُقدَّمانِ بالمِيراثِ على الرَّحمِ؛ لقولِه ﷺ: «الخالُ وارثُ مَنْ لا وارِثَ له» وهذا له وارِثٌ.
قالَ ابنُ مَسعودٍ: «ذو السَّهم أَولى مِمن لا سَهمَ له»، ولأنَّ الرَّحمَ التي في ذِي الفَرضِ أَولى مِنْ الرَّحمِ التي لا فَرضَ لها.
وهذا بخلافِ الزَّوجِ والزَّوجةِ؛ فإنَّ ذَوي الأَرحامِ يَرثونَ معَهما؛ لِما تقَدمَ مِنْ أنَّه لا حظَّ للزَّوجَينِ في الردِّ، ولا نِزاعَ أنَّ الزَّوجَينِ يَأخذانِ فَرضَهما من غيرِ حَجبٍ ولا عَولٍ، ثم يُقسَمُ الباقِي بينَ ذَوي الأَرحامِ كما لو
_________________
(١) قالَ المرداويُّ في «الإنصاف» (٧/ ٣١٨، ٣١٩): لكنْ هل بَيتُ المالِ وارثٌ أمْ لا؟ فيه رِوايتانِ، والصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ والمَشهورِ: أنَّه ليسَ بوارثٍ، وإنَّما يُحفَظُ فيه المالُ الضائعُ. قالَه في القاعِدةِ السابِعةِ والتِّسعينَ. قالَ الزَّركشيُّ في العاقلةِ: المَشهورُ أنَّه ليسَ بعَصبةٍ، وقدَّمَه في «المستوعب» وغيره، وقالَه ابنُ البنا وغيره. قالَ الحارثيُّ في أول كتاب الوصايا: والأصحُّ أنَّ بَيتَ المالِ غيرُ وارثٍ؛ لتَقدمِ ذَوِي الأَرحامِ عليه. وانتِفاءُ صَرفِ الفاضلِ عن ذَوِي الفُروضِ إليه. قالَ المُصنفُ: ليسَ بعَصبةٍ. وقالَ في القاعِدةِ السادِسةِ بعدَ المائةِ: ولنا رِوايةٌ، أنَّه يُنتَقلُ إلى بَيتِ المالِ إِرثًا. ثم قالَ: فإنْ أُريدَ اشتِباهُ الوارثِ بغيرِه يُوجِبُ الحُكمَ بالإِرثِ للكلِّ: فهو مُخالفٌ لقَواعدِ المَذهبِ. وإنْ أُريدَ: أنَّه إِرثٌ في الباطنِ لمُعينٍ، فيُحفَظُ مِيراثُه في بَيتِ المالِ، ثم يُصرَفُ في المَصالحِ؛ للجَهلِ بمُستَحقِّه عينًا: فهو والأولُ بمَعنًى واحدٍ.
[ ٢٤ / ٥٥٠ ]
انفَردوا، نصَّ عليه، وعليه جُمهورُ الأَصحابِ، وقيلَ: يُقسَمُ بينَهم كما يُقسَمُ بينَ مَنْ أَدلَوا به (^١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ -وبه قالَ مِنْ الصَّحابةِ زَيدُ بنُ ثابتٍ وإِحدَى الرِّوايَتينِ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ وأَكثرُ أهلِ المَدينةِ والأَوزاعيُّ وأَكثرُ أهلِ الشامِ وداودُ بنُ عليٍّ- إلى أنَّ ذَوي الأَرحامِ لا يَرثونَ بحالٍ، وأنَّ بَيتَ المالِ أَولى منهم إذا كانَ بيتُ المالِ مُنتَظمًا.
ولَو فُقدوا -أي الوَرثةُ- مِنْ الرِّجالِ والنَّساءِ كلُّهم، أو فضَلَ عمَّن وُجدَ منهم شَيءٌ فلا يُورَّثُ ذَوو الأَرحامِ ولا يُردُّ ما بقِيَ على أَهلِ الفَرضِ فيما إذا فضَلَ عنهم شَيءٌ، فإذا وُجدَ ذُو فَرضٍ لا يَستَوعبُ المالَ كالبِنتَينِ والأُختَينِ أخَذَتا فَرضَيهُما، ولا يُردُّ عليهما الباقِي؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] والردُّ يَقتَضي أَخذَهما الكلَّ، بَلْ المالُ كلُّه في فَقدِهم كلِّهم أو الباقِي في فَقدِ بَعضِهم بعدَ الفُروضِ لبَيتِ المالِ.
واستَدلُّوا على ذلك بما يَلي:
ما رَوى أَبو أُمامةَ الباهِليُّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٠٥، ٢٠٧)، و«الكافي» (٢/ ٥٤٩)، و«مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٥٩)، و«حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٨/ ٨٠)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٢٧٢، ٢٧٣)، و«المبدع» (٦/ ١٩٣، ١٩٤)، و«الإنصاف» (٧/ ٣١٨، ٣١٩)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٤٧، ٥٥٢)، و«شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٦٠٢، ٦٠٤)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٣٨، ٤٤٠).
[ ٢٤ / ٥٥١ ]
قد أَعطَى كلَّ ذِي حقِّ حقَّه، فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (^١). فظاهِرُ الخبَرِ يَقتَضي أنَّه لا حقَّ في المِيراثِ لمَن لَم يُعطِه اللهُ شيئًا، وجَميعُ ذَوي الأَرحامِ لَم يُعطِهم اللهُ في كِتابِه شيئًا، فثبَتَ أنَّه لا مِيراثَ لهم.
ورَوى أَبو سَلمةَ عن أَبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن مِيراثِ العَمةِ والخالةِ، فقالَ: «لا أَدري حتى يأتِي جِبريلُ»، ثم قالَ ﷺ: «أينَ السائلُ عن مِيراثِ العَمةِ والخالةِ؟ أَتانِي جِبريلُ فسارَّني أنْ لا مِيراثَ لهما» (^٢).
ورَوى عَطاءُ بنُ يَسارٍ عن ابنِ عُمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يأتِي قُباءَ على حِمارٍ أو حِمارةٍ، يَستَخيرُ اللهَ في مِيراثِ العَمةِ والخالةِ، فأَنزلَ اللهُ ﷿: أنْ لا مِيراثَ لهما» (^٣).
ولأنَّ كلَّ مَنْ لَم يَرثْ معَ مَنْ هو أَبعدُ منه لَم يَرثْ إذا انَفردَ، كابنةِ المَولَى؛ لأنَّ ابنةَ المَولَى لمَّا لَم تَرثْ معَ ابنِ ابنِ المَولَى -وهو أَبعدُ منها- لَم تَرثْ أيضًا إذا انفَردَت. وكذلك العَمةُ لمَّا لَم تَرثْ معَ ابنِ العمِّ -وهو أَبعدُ منها - لَم تَرثْ أيضًا إذا انفَردَت، ولأنَّ ابنةَ الأخِ لمَّا لَم تَرثْ معَ أخِيها لَم تَرثْ إذا انفَردَت، كابنةِ المَولَى، وعَكسُه الابنةُ والأُختُ؛ لأنَّهما لمَّا ورِثَتا معَ أخِيهما ورِثَتا إذا انفَردَتا.
_________________
(١) حَدِيثٌ صحيحٌ: رواه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣).
(٢) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه الدارقطني (٤١٥٩).
(٣) مرسلٌ: رواه أبو داود في «المراسيل» (٣٦١)، والدارقطني (٤١٥٦).
[ ٢٤ / ٥٥٢ ]
ولأنَّ المَولَى المُنعمُ لمَّا قُدِّمَ على ذَوي الأَرحامِ دلَّ أنَّه لا حقَّ لهم في الإِرثِ؛ لأنَّ الوَلاءَ لا يَتقَدمُ على النَّسبِ.
فعلى هذا يُردُّ المالُ كلُّه إلى بَيتِ المالِ في فَقدِهم كلِّهم أو الباقِي في فَقدِ بَعضِهم بعدَ الفُروضِ لبَيتِ المالِ، سَواءٌ انتَظمَ أَمرُه بإمامٍ عادِلٍ يَصرِفُه في جِهتِه أمْ لَا؛ لأنَّ الإِرثَ للمُسلِمينَ، والإِمامَ ناظِرٌ ومُستَوفٍ لهُم، والمُسلِمونَ لَم يُعدَموا، وإنَّما عُدمَ المُستَوفِي لهم، فلَم يُوجبْ ذلك سُقوطَ حقِّهم، هذا عندَ المالِكيةِ في المَشهورِ وهو مَنقولُ المَذهبِ في الأَصلِ عندَ الشافِعيةِ، أنَّه يُعطَى لبَيتِ المالِ سَواءٌ كانَ مُنتَظمًا أو غيرَ مُنتَظمٍ.
وقالَ مُتأخِّرو الشافِعيةِ: إذا لَم يَنتَظمْ أَمرُ بَيتِ المالِ لكَونِ الإِمامِ غيرَ عادِلٍ، بأنْ يَردَّ على أَهلِ الفَرضِ غيرِ الزَّوجَينِ؛ لأنَّ المالَ مَصروفٌ إلَيهم أو إلى بَيتِ المالِ بالإِنفاقِ، فإِذا تَعذَّرَت إِحدَى الجِهتَينِ تَعيَّنتِ الأُخرَى (^١).
وفي قولٍ للمالِكيةِ: يُدفَعُ إلى ذَوي الأَرحامِ إذا لَم يَكنْ الإمامُ عَدلًا، وعن ابنِ القاسمِ: أنَّه يُتصَدقُ به إلا أنْ يَكونَ الوَالي كعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ.
وقالُوا: يَنبَغي إذا كانَ الإمامُ غيرَ عادلٍ أن يدفعَ لذَوي الأَرحامِ أو يردَّه على أَهلِ السِّهامِ (^٢).
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (٨/ ٧٣، ٧٥)، و«البيان» (٩/ ١٣، ١٥)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٢٣، ١٢٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ١٣، ١٤)، و«تحفة المحتاج» (٨/ ٢١، ٢٢).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٨٥، ١٨٦)، رقم (١٩٤٣)، و«عيون المسائل» للقاضي عبد الوهاب المالكي ص (٦٢٤)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٨٩)، و«شرح مختصر خليل» (٢٠٧، ٢٠٨)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٥٨)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٠٠).
[ ٢٤ / ٥٥٣ ]