العَصباتُ جَمعُ عَصبةٍ، قالَ الجَوهَريُّ: وعَصبةُ الرَّجلِ: بَنوه وقَرابتُه لأَبيه، وإنَّما سُمُّوا عَصبةً لأنَّهم عُصِبوا به، أي: أَحاطوا به، فالأَبُ طَرفٌ، والابنُ طَرفٌ، والعَمُّ جانِبٌ، والأَخُ جانِبٌ، والجَمعُ العَصباتُ. وقالَ الأَزهريُّ: واحِدُ العَصبةِ: عاصِبٌ، على القياسِ، كطالِبٍ وطَلَبةٍ، وظالِمٍ وظَلمةٍ. وقيلَ للعِمامةِ: عِصابةٌ؛ لأنَّها استلَفَّت برأسِ المُعتَمِّ. وقالَ ابنُ قُتَيبةَ: العَصبةُ جَمعٌ لم أسمَعْ له بواحِدٍ، والقياسُ: أنَّه عاصِبٌ (^١).
والعَصبةُ عندَ الفُقهاءِ: مَنْ ليسَ له سَهمٌ مُقدَّرٌ من الوَرثةِ المُجمعِ على تَوريثِهم وغيرِهم من ذَوي الأَرحامِ، فيَرثُ المالَ وما أُلحقَ به إذا انفرَدَ، أو ما فضَلَ بعدَ ذَوي الفُروضِ، كلُّ مَنْ ذُكرَ من الرِّجالِ عَصبةٌ إلا الزَّوجَ والأخَ للأُمِّ، وكلُّ مَنْ ذُكرَ من النِّساءِ ذاتُ فَرضٍ إلا المُعتِقةَ وكذا الأَخَواتُ مع البَناتِ عَصَباتٌ عندَ الجُمهورِ.
واختُصَّ التَّعصيبُ بالذُّكورِ غالِبًا؛ لأنَّهم أهلُ النُّصرةِ والشِّدةِ.
والعَصباتُ نَوعانِ: عَصبةٌ بالنَّسبِ وعَصبةٌ بالسَّببِ.
أمَّا عَصبةُ النَّسبِ فثَلاثةُ أَنواعٍ:
١ - عَصبةٌ بنَفسِه: وهو كلُّ ذَكرٍ لا يَدخلُ في نِسبتِه إلى المَيتِ أُنثى، وأَقربُهم جُزءُ المَيتِ، وهُم:
البَنونَ ثم بَنوهم وإنْ سَفَلوا لدُخولِهم في اسمِ الوَلدِ.
_________________
(١) «المطلع» (٣٠٢).
[ ٢٤ / ٥٤١ ]
ثم أَصلُه، وهو الأَبُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، يَعني: الباقي للأَبِ، فثبَتَ أنَّه أحَقُّ بالتَّعصيبِ من الجَدِّ والإِخوةِ، ولأنَّ مَنْ بعدَه يُدلي به.
ثم الجَدُّ: لأنَّ الجَدَّ أَبا الأَبِ أَولى من الإِخوةِ، ولا حَظَّ لهم معه في المِيراثِ؛ لأنَّ له وِلادًا وتَعصيبًا من جِهةِ الوِلادةِ أيضًا فأشبَهَ الأَبَ؛ ولأنَّه يَأكلُ من مالِ ابنِ ابنِه عندَ الحاجةِ من غيرِ إِذنِه؛ ولأنَّه غيرُ مَقبولِ الشَّهادةِ له فأشبَهَ الأَبَ.
ثم بَنو الأَبِ، وهُم الإِخوةُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] جعَلَه أَولى بجَميعِ المالِ في الكَلالةِ، وهو الذي لا وَلدَ له ولا والِدَ.
ثم بَنو الجَدِّ وهُم الأَعمامُ.
ثم بَنو أَبي الجَدِّ، وهُم أَعمامُ الأَبِ وأَولادُهم مَنْ كانَ لأَبٍ وأُمٍّ.
لأنَّهم في القُربِ والدَّرجةِ على هذا التَّرتيبِ، فيَكونونَ في المِيراثِ كذلك كما في وِلايةِ الإِنكاحِ.
وإذا اجتمَعَت العَصباتُ؛ فإنَّه يُورَّثُ الأَقرَبُ فالأقرَبُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «ألحِقوا الفَرائضَ بأهلِها، فما بَقيَ فلأوْلى رَجلٍ ذَكرٍ» (^١) وقَولِه ﷺ لأَخي سَعدٍ: «وما بَقيَ فهو لك» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: تَقدَّمَ.
[ ٢٤ / ٥٤٢ ]
ولأنَّ عِلةَ الاستِحقاقِ القُربُ، والعِلِّيةُ في الأقرَبِ أكثَرُ، فتقدَّمَ كما في النِّكاحِ.
وإذا استَوى وارِثانِ في دَرجةٍ واحِدةٍ فأَولاهم مَنْ كانَ للأَبِ والأُمِّ؛ لأنَّه أقرَبُ تَعصيبًا ووِلايةً، فهو أَولى ممَّن كانَ لأَبٍ؛ لأنَّه أَقوَى قَرابةً، حيثُ يُدلي بجِهتَينِ الأَبِ والأُمِّ.
وإذا اجتمَعَ جَماعةٌ من العَصبةِ في دَرجةٍ واحِدةٍ يُقسَمُ المالُ عليهم باعتِبارِ أَبدانِهم لا باعتِبارِ أُصولِهم.
مِثالُه: ابنُ أخٍ وعَشرةٌ بَنو أخٍ آخَرَ، أو ابنُ عَمٍّ وعَشرةٌ بَنو عَمٍّ آخَرَ، المالُ بينَهم على أحَدَ عَشرَ سَهمًا، لكلِّ واحِدٍ سَهمٌ.
وإنْ لم يَبقَ شَيءٌ؛ سقَطَ لمَفهومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «ألحِقوا الفَرائضَ بأهلِها، فما بَقيَ فلأوْلى رَجلٍ ذَكرٍ» (^١) وقَولِه ﷺ لأَخي سَعدٍ: «وما بَقيَ فهو لك» (^٢)، ولأنَّ حَقَّه في الباقي، ولا باقيَ.
وإذا انفرَدَ أخَذَ جَميعَ المالِ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] أَضافَ جَميعَ المِيراثِ إليه، وقِيسَ عليه باقي العَصباتِ.
٢ - وعَصبةٌ بغيرِه من فَرضِه النِّصفُ والثُّلثانِ: وهُم أربَعٌ من النِّساءِ يَصِرنَ عَصبةً بإِخوتِهِن، ويُقسَّمُ للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ، فالبَناتُ بالابنِ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: تَقدَّمَ.
[ ٢٤ / ٥٤٣ ]
وبَناتُ الابنِ بابنِ الابنِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
والأَخواتُ لأَبٍ وأُمٍّ بأخيهِن، والأَخواتُ لأَبٍ بأَخيهِن؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].
٣ - وعَصبةٌ مع غيرِه: وهُم الأَخواتُ لأبوَينِ أو لأَبٍ يَصِرْن عَصبةً مع البَناتِ وبَناتِ الابنِ.
مِثالُه: بِنتٌ وأُختٌ لأبوَينِ وأخٌ أو إِخوةٌ لأَبٍ، فالنِّصفُ للبِنتِ والنِّصفُ للأُختِ، ولا شَيءَ للإِخوةِ؛ لأنَّها لمَّا صارَت عَصبةً صارَت كالأخِ من الأبوَينِ.
ومَعنى «عَصبةٌ بغيرِه»: أنَّ سَببَ تَعصيبِه كَونُه مع عَصبةِ غيرِه، ومَعنى «عَصبةٌ مع غيرِه»، أي: مع كَونِ غيرِه ليسَ بعَصبةٍ، فظهَرَ الفَرقُ بينَهما.
وأمَّا العَصبةُ بالسَّببِ: فالمُعتِقُ: وهو عَصبةٌ بنَفسِه، فإذا لم يَكنْ للمَيتِ عَصبةٌ من النَّسبِ فالعَصبةُ هو المَولى المُعتِقُ، ثم الأقرَبُ فالأقرَبُ من عَصبةِ المَولى، أي: الذُّكورُ دونَ الإِناثِ (^١).
_________________
(١) «الاختيار» (٥/ ١١٣، ١١٤)، و«مواهب الجليل» (٨٤٢٥)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٨٦، ٤٨٨)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٥٤، ٥٥٦)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٥٩٨، ٥٩٩)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٥٧)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٣٣)، و«الكافي» (٢/ ٥٤٤)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥١٣، ٥١٤)، و«شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٦٢، ٥٦٣)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٢٧، ٤٣٣).
[ ٢٤ / ٥٤٤ ]