أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القَتلَ العَمدَ يَمنعُ المِيراثَ، فمَن قتَلَ مُورِّثَه عَمدًا فلا يَرثُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَرثُ القاتِلُ»؛ لأنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ استِحقاقَ المِيراثِ تَواصلًا بينَ الأَحياءِ والأَمواتِ لاجتِماعِهم على المُوالاةِ، والقاتِلُ قاطِعٌ للمُوالاةِ عادِلٌ عن التَّواصلِ فصارَ أَسوأَ حالًا من المُرتدِّ، ولأنَّه لو ورِثَ القاتِلُ لصارَ ذلك ذَريعةً إلى قَتلِ كلِّ مُورِّثٍ رغِبَ وارِثُه في استِعجالِ مِيراثِه، وما أَفضَى إلى مِثلِ هذا فالشَّرعُ مانِعٌ منه (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٥٠)، ومسلم (١٥٤٣).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٢٩)، ويُنظَر: «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٣٥)، و«اللباب» (٢/ ٦١٣)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٢٢)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٨٧)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٤، ٦٢٥)، و«حاشية الصاوي» (١١/ ١٠٤)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٧٣)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٢)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٩٢، ٥٩٣)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٠٢).
(٣) «الحاوي الكبير» (٨/ ٨٤).
[ ٢٤ / ٤٩١ ]
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولم أسمَعِ اختِلافًا في أنَّ قاتِلَ الرَّجلِ عَمدًا لا يَرثُ مَنْ قَتلَه من دِيةٍ ولا مالٍ شَيئًا (^١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتِلَ عَمدًا لا يَرثُ من مالِ مَنْ قتَلَه ولا مِنْ دِيتِه شَيئًا (^٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ القاتِلَ عَمدًا لا يَرثُ شَيئًا من مالِ المَقتولِ ولا مِنْ دِيتِه (^٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ قاتِلَ العَمدِ لا يَرثُ من المَقتولِ شَيئًا إلا ما حُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وابنِ جُبَيرٍ أنَّهما ورَّثاه، وهو رَأيُ الخَوارجِ؛ لأنَّ آيةَ المِيراثِ تَتناوَلُه بعُمومِها فيَجبُ العَملُ بها فيه، ولا تَعويلَ على هذا القَولِ لشُذوذِه وقيامِ الدَّليلِ على خِلافِه.
فإنَّ عُمرَ ﵁ أَعطَى دِيةَ ابنِ قَتادةَ المَذحِجيِّ لأَخيه دونَ أَبيه، وكانَ حذَفَه بسَيفِه فقتَلَه.
واشتُهِرت هذه القِصةُ بينَ الصَّحابةِ ﵃ فلم تُنكَرْ فكانَت إِجماعًا، وقالَ عُمرُ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس للقاتِلِ شَيءٌ» رَواه مالِكٌ في مُوطَّئِه والإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه، ورَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن
_________________
(١) «الأم» (٤/ ٧٢).
(٢) «الأوسط» (٧/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و«الإشراف» (٤/ ٣٥٦)، و«الإجماع» ص (٧٠)، رقم (٣٢٠، ٣٢١).
(٣) «التمهيد» (٢٣/ ٤٤٣).
[ ٢٤ / ٤٩٢ ]
أَبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ نَحوَه، رَواه ابنُ اللَّبانِ بإِسنادِه ورَواهُما ابنُ عبدِ البَرِّ في كِتابِه.
ورَوى ابنُ عَباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قتَلَ قَتيلًا؛ فإنَّه لا يَرثُه، وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ غيرُه، وإنْ كانَ والِدَه أو وَلدَه فليس لقاتِلٍ مِيراثٌ» (^١) رَواه الإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه، ولأنَّ تَوريثَ القاتِلِ يُفضي إلى تَكثيرِ القَتلِ؛ لأنَّ الوارِثَ ربَّما استعجَلَ مَوتَ مَوروثِه ليأخُذَ مالَه كما فعَلَ الإِسرائيليُّ الذي قتَلَ عَمَّه فأنزَلَ اللهُ تَعالى فيه قِصةَ البَقرةِ، وقيلَ: ما ورِثَ قاتِلٌ بعدَ عاميلَ، وهو اسمُ القَتيلِ (^٢).
وهذا في قاتِلِ العَمدِ، وأمَّا قَتلُ الخَطأِ فاختلَفوا فيه: