أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ قاتِلَ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ لا يَرثُ من الدِّيةِ شَيئًا.
_________________
(١) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٧٧٨٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٢٠٢٢).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٤٤)، ويُنظَر: «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٣٥، ٤٣٦)، و«اللباب» (٢/ ٦١٣)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥٠٨)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٢٢)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٨٨)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٥)، و«حاشية الصاوي» (١١/ ١٠٤)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٧٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٣)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٩٠، ٥٩١)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٠١).
[ ٢٤ / ٤٩٣ ]
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتِلَ خَطأً لا يَرثُ من دِيةِ مَنْ قتَلَه شَيئًا (^١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا هل يَرثُ قاتِلُ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ من مالِ المَقتولِ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَرثُ من مالِه ولا يَرثُ من دِيتِه شَيئًا. وحُكي ذلك عن عَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ، وابنِ المُسيِّبِ، ومُجاهدٍ، والزُّهريِّ، وبه قالَ الأَوزاعيُّ، وسَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ، وإِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، وأبو ثَورٍ، واحتَجَّ أَبو ثَورٍ بأنَّه إنَّما ورَّثَه من سائِرِ المالِ بالكِتابِ؛ لأنَّ اللهَ -جلَّ ذِكرُه- سمَّى المَواريثَ لأهلِها ولم يَذكُرْ قاتِلًا، فلمَّا اختلَفوا في القَتلِ خَطأً، كانَ له المِيراثُ بالكِتابِ؛ لأنَّا لا نَدعُ ظاهِرَ الكِتابِ أبَدًا إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إِجماعٍ يَدلُّ على إِخراجِ شَيءٍ من جُملتِه، فإذا لم يَكنْ شَيءٌ من ذلك كانَ الكِتابُ على ظاهِرِه.
ولأنَّ مَنعَ القاتِلِ من المِيراثِ عُقوبةٌ، والمُخطِئُ لا عُقوبةَ عليه كما لا قَوَدَ عليه (^٢).
_________________
(١) «الأوسط» (٧/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و«الإشراف» (٤/ ٣٥٦)، و«الإجماع ص (٧٠)، رقم (٣٢٠، ٣٢١).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٨٦٨)، و«التمهيد» (٢٣/ ٤٤٣، ٤٤٦)، و«الأوسط» (٧/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و«الإشراف» (٤/ ٣٥٦)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥٠٨)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٢٢)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٨٨)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٥)، و«حاشية الصاوي» (١١/ ١٠٤).
[ ٢٤ / ٤٩٤ ]
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَرثُ القاتِلُ -عَمدًا ولا خَطأً- شَيئًا من مالِه، لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «القاتِلُ لا يَرثُ» (^١) وهذا عامٌّ في كلِّ قاتِلٍ.
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ أنَّ أَبا قَتادةَ رَجلٌ من بَني مُدلِجٍ قتَلَ ابنَه فأخَذَ منه عُمرُ مِئةً من الإبِلِ ثَلاثينَ حِقةً وثَلاثينَ جَذَعةً وأربَعينَ خَلِفةً فقالَ: أين أَخو المَقتولِ؟ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس لقاتِلٍ مِيراثٌ».
وفي رِوايةٍ: «لولا أنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس لقاتِلٍ شَيءٌ» لوَرَّثتُك، قالَ: ودَعا خالَ المَقتولِ فأَعطاه الإبِلَ» (^٢).
وفي لَفظِ أَبي داودَ: «ليسَ للقاتِلِ شَيءٌ وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ فوارِثُه أقرَبُ الناسِ إليه ولا يَرثُ القاتِلُ» (^٣).
ورَوى أَبو قِلابةَ قالَ: «قتَلَ رَجلٌ أَخاه في زَمنِ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ فلم يُورِّثْه منه». وقالَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ إنَّما قتَلتُه خَطأً، قالَ: لو قتَلتَه عَمدًا لأقَدْناكَ به.
ورَوى خَلاسٌ «أنَّ رَجلًا قذَفَ بحَجرٍ فأَصابَ أُمَّه فقتَلَها فغرَّمَه علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ ﵇ الدِّيةَ ونَفاه من المِيراثِ» وقالَ: «إنَّما حَظُّكَ من مِيراثِها ذاك الحَجرُ».
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٦٤٥).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٦٤٦)، وأحمد (٣٤٧، ٣٤٨).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أَبو داود (٤٥٦٤).
[ ٢٤ / ٤٩٥ ]
ولأنَّ كلَّ مَنْ سقَطَ إِرثُه عن دِية مَقتولِه سقَطَ عن سائِرِ مالِه كالعامِدِ؛ لأنَّ كلَّ مالٍ حَرُمَ إِرثُه لو كانَ عامِدًا حَرُمَ إِرثُه وإنْ كانَ مُخطِئًا كالدِّيةِ (^١).
وذَكَرتُ في كِتابِ الجِناياتِ حُكمَ مَنْ قتَلَ غيرَه بالسَّببِ.