قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: واتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ أهلَ الدِّينِ الواحِدِ يَتوارَثونَ، يَرثُ اليَهوديُّ اليَهوديَّ والنَّصرانِيُّ النَّصرانِيَّ (^٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الكُفارُ فيَتوارَثونَ إذا كانَ دِينُهم واحِدًا لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ فيه خِلافًا، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ» (^٣) دَليلٌ على أنَّ بعضَهم يَرثُ بَعضًا، وقَولُه: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» (^٤) دَليلٌ على أنَّ أهلَ المِلةِ الواحِدةِ يَرثُ بعضُهم بَعضًا، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ: «وهل ترَكَ لنا عَقيلٌ من دارٍ؟»، دَليلٌ على أنَّ عَقيلًا ورِثَ أَبا طالِبٍ دونَ جَعفرٍ وعلِيٍّ؛ لأنَّهما كانا مُسلِمينَ وكانَ عَقيلٌ على دِينِ أبيه مُقيمًا بمَكةَ، فباعَ رِباعَه بمَكةَ فلذلك لمَّا قيلَ للنَّبيِّ ﷺ أينَ تَنزلُ غدًا؟ قالَ: «وهل ترَكَ لنا عَقيلٌ من رِباعٍ؟»، وقالَ عُمرُ في عَمةِ الأشعَثِ بنِ قَيسٍ: «يَرثُها أهلُ دِينِها» (^٥).
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٨٣).
(٢) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣١٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.
(٤) حَدِيثٌ حَسَنٌ: أَبو داود (٢١٩٩)، والترمذي (٢١٠٨)، وابن ماجه (٢٧٣١).
(٥) «المغني» (٦/ ٢٤٦، ٢٤٧).
[ ٢٤ / ٥١٣ ]
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما إذا اختَلفَت مِلتُهم، بأنْ يَرثَ النَّصرانِيُّ اليَهوديَّ ويَرثَ اليَهوديُّ النَّصرانِيَّ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ الكُفرَ مِللٌ مُختلِفةٌ، فلا يَرثُ يَهوديٌّ نَصرانيًّا ولا يَرثُه النَّصرانِيُّ، وكذلك المَجوسيُّ لا يَرثُ نَصرانيًّا ولا يَهوديًّا ولا يَرِثانِه، وهو مَذهبُ المالِكيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ الزُّهريِّ ورَبيعةَ والحَسنِ البَصريِّ وشَريكٍ القاضي وإِسحاقَ.
استدَلُّوا بقَولِه ﷺ: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» (^١) وهُم أهلُ مِللٍ مُختلِفةٍ، بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢] وإنَّما يُعطَفُ الشَيءُ على غيرِه لا على بعضِه، فكما أنَّ عَطفَ اليَهودِ على المُسلِمينَ دَليلٌ على أنَّهم أهلُ مِلتَينِ، فكذلك عَطفُ النَّصارَى على اليَهودِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ومَعلومٌ أنَّ اليَهودَ لا تَرضى إلا بأنْ يَتَّبعَ اليَهوديةَ معهم، والنَّصارى كذلك، فعَرَفنا أنَّ لكلِّ واحِدٍ من الفَريقَينِ مِلةً على حِدةٍ، ولأنَّ النَّصارى يُقرُّون بنُبوةِ عيسى ﵇، والإِنجيلِ، ولأنَّ اليَهودَ يَجحَدونَ ذلك، فكانَ مِلةُ كلِّ واحِدٍ منهما غيرَ مِلةِ الآخَرِ كالمُسلِمينَ مع النَّصارى؛ فإنَّ المُسلِمينَ يُقرُّونَ برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ وبالقُرآنِ، فكانَت مِلتُهم غيرَ مِلةِ النَّصارى.
_________________
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: أَبو داود (٢١٩٩)، والترمذي (٢١٠٨)، وابن ماجه (٢٧٣١).
[ ٢٤ / ٥١٤ ]
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو أصَحُّ الأَقوالِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» (^١) ولأنَّ كلَّ فريقَينِ منهم لا مُوالاةَ بينَهما ولا اتِّفاقَ في دِينٍ، فلم يَرثْ بعضُهم بَعضًا كالمُسلِمينَ والكُفارِ، والعُموماتُ في التَّوريثِ مَخصوصةٌ، فيُخصُّ منها مَحلُّ النِّزاعِ بالخَبَرِ والقياسِ (^٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ بعدَ أنْ رجَّحَ هذا القَولَ: واحتَجُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فأثبَتَ لكلِّ شَريعةٍ دِينًا فقالَ تَعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٢٥] فلو كانَ مَنْ خالَفَ دِينَ النَّبيِّ ﷺ أهلَ مِلةٍ واحِدةٍ لم يُخصَّ إِبراهيمُ بمِلةٍ … ولأنَّ أَحكامَهم مُختلِفةٌ، بدَليلِ أنَّ المَجوسَ لا تُؤكلُ ذَبيحَتُهم ولا تُنكحُ نِساؤُهم ولا كِتابَ لهم، واليَهودُ والنَّصارى بخِلافِ ذلك، ولأنَّهم مُختلِفونَ في النَّبيِّ ﷺ والكِتابِ كاختِلافِ المُسلِمينَ والكُفارِ (^٣).
_________________
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: تَقدَّمَ.
(٢) «المغني» (٦/ ٢٤٧)، ويُنظَر: «كشاف القناع» (٤/ ٥٧٣، ٥٧٤)، و«الاستذكار» (٥/ ٣٧٠)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٢٦٥)، و«تفسير القرطبي» (٢/ ٩٤)، و«أحكام أهل الذمة» (١/ ٣١٨)، و«فتح الباري» (١٢/ ٥١)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥٠٩)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٥٨)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٥).
(٣) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٢٠).
[ ٢٤ / ٥١٥ ]
القَولُ الثاني: أنَّ الكُفرَ كلَّه مِلةٌ واحِدةٌ، فيَرثُ اليَهوديُّ النَّصرانِيَّ ويَرثُ النَّصرانِيُّ اليَهوديَّ، وهو قَولُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ وأَبي ثَورٍ وداودَ والثَّوريِّ وحَمادٍ وابنِ شُبرمةَ.
قالوا: لأنَّ تَوريثَ الآباءِ من الأَبناءِ والأَبناءِ من الآباءِ مَذكورٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى ذِكرًا عامًّا، فلا يُتركُ إلا فيما استَثناه الشَّرعُ، والذي لم يَستَثنِه الشَّرعُ يَبقى على العُمومِ، ولأنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] عامٌّ في جَميعِهم.
قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وحُجتُنا في ذلك أنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ الدِّينَ دِينَينِ؛ الحَقَّ والباطِلَ، فقالَ اللهُ ﷿: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وجعَلَ الناسَ فَريقَينِ، فقالَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ وهُم المُؤمِنونَ، ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وهُم الكُفارُ بأَجمعِهم، وجعَلَ الخَصمَ خَصمَينِ، فقالَ ﷻ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] يَعني الكُفارَ أجمَعين مع المُؤمِنينَ.
والدَّليلُ عليه: أنَّا نُسلِّمُ بأنَّهم فيما بينَهم أهلُ مِللٍ فيما يَعتقِدونَ، ولكنَّهم عندَ مُقابَلتِهم بالمُسلِمينَ أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ؛ لأنَّ المُسلِمينَ يُقِرُّون برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ وبالقُرآنِ، وهم يُنكِرونَ ذلك بأجمَعِهم، وبه كَفَروا فكانوا في حَقِّ المُسلِمينَ أهلَ مِلةٍ واحِدةٍ في الشِّركِ، وإنِ اختَلفَت نِحَلُهم فيما بينَهم، وكذلك مَنْ يَعبدُ منهم صَنمًا، ومَن يَعبدُ صَنمًا آخَرَ ويُكفِّرُ كلُّ واحِدٍ منهم صاحِبَه فهم أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ وإنِ اختَلفَت نِحلُهم، فكذلك الكُفارُ بأجمَعِهم،
[ ٢٤ / ٥١٦ ]
وكانوا في هذا كأهلِ الأَهواءِ من المُسلِمينَ، وفي قَولِه ﵇: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ» إشارةٌ إلى ما بَيَّنَّا؛ فإنَّه فسَّرَ المِلتَينِ بقَولِه: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ ولا يَرثُ الكافرُ المُسلمَ» (^١) ففي تَنصيصِه على الوَصفِ العامِّ في مَوضعِ التَّفسيرِ بَيانُ أنَّهم في حُكمِ التَّوريثِ أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ، وحِلُّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَقوى الاستِدلالُ به؛ فإنَّ المُسلِمينَ مع اليَهودِ والنَّصارى استَوَوْا في حُكمِ حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ، ثم لم يَكنْ دَليلٌ على اتِّفاقِ المِلةِ بينَهم، فكذلك اختِلافُ المَجوسِ مع أهلِ الكِتابِ في حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَكونُ دَليلًا على اختِلافِ المِلةِ فيما بينَهم، وكانَ المَعنى فيه: أنَّ شَرطَ حِلِّ الذَّبيحةِ تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، والكِتابيُّ من أهلِ ذلك؛ لأنَّهم يُظهِرونَ دَعوى التَّوحيدِ وإنْ كانوا يُضمِرونَ في ذلك بعضَ الشِّركِ، فلتَحقُّقِ وُجودِ الشَّرطِ في حَقِّهم حَلَّت ذَبائِحُهم بخِلافِ المَجوسِ؛ فإنَّهم لا يَدَّعونَ التَّوحيدَ، فلا تَصحُّ منهم تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، وهو شَرطُ الحِلِّ (^٢).