أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ قَريبَه المُسلمَ وأنَّ الرِّدةَ مانِعٌ من مَوانعِ الإِرثِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا المُرتدُّ فلا يَرثُ المُسلمَ بالإِجماعِ (^٢).
_________________
(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٢٩)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٠).
(٢) «شرح مسلم» (١١/ ٥٢)
[ ٢٤ / ٥٠٦ ]
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: (والمُرتدُّ لا يَرثُ أحَدًا إلا أنْ يَرجعَ قبلَ قِسمةِ المِيراثِ).
لا نَعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ أحَدًا، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّه لا يَرثُ مُسلمًا، لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» (^١) ولا يَرثُ كافِرًا؛ لأنَّه يُخالِفُه في حُكمِ الدِّينِ؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على كُفرِه، فلم يَثبُتْ له حُكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انتقَلَ إليه، ولهذا لا تَحلُّ ذَبيحَتُهم ولا نِكاحُ نِسائِهم وإنِ انتَقَلوا إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ؛ ولأنَّ المُرتدَّ تَزولُ أَملاكُه الثابِتةُ له واستِقرارُها، فلَأنْ يَكونَ لا يَثبتُ له مِلكٌ أوْلى.
ولو ارتَدَّ مُتوارِثانِ فماتَ أَحدُهما لم يَرِثْه الآخَرُ؛ فإنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ ولا يُورثُ، وإنْ رجَعَ المُرتدُّ إلى الإِسلامِ قبلَ قَسمِ المِيراثِ قُسمَ له (^٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا، هل يَرثُ المُسلمُ المُرتدَّ أو لا؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَرثُه؛ بل يَكونُ مالُه فَيئًا للمُسلِمينَ، هو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ ورَبيعةَ وابنِ أَبي لَيلى وابنِ المُنذرِ وأبي ثَورٍ وغيرِهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٨٣)، ومسلم (١٦١٤).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٤٨).
[ ٢٤ / ٥٠٧ ]
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ ولا يَرثُ الكافرُ المُسلمَ» (^١).
قالوا: والمُرتدُّ كافرٌ، فلا يَرثُه المُسلمُ كالكافرِ الأَصليِّ؛ ولأنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ أحدًا فلا يَرثُه أحدٌ كالرَّقيقِ، يُوضِّحُه: أنَّه لا يَرثُه مَنْ يُوافِقُه في المِلةِ، والمُوافقةُ في المِلةِ سَببُ التَّوريثِ، والمُخالفةُ في المِلةِ سَببُ الحِرمانِ، فلمَّا لم يَرِثْه مَنْ يُوافقُه في المِلةِ مع وُجودِ سَببِ التَّوريثِ، فلَأنْ يَكونَ لا يَرثُه مَنْ يُخالِفُه في المِلةِ أوْلى، وإذا انتَفَى التَّوريثُ عن مالِه فهو في أحدِ الوَجهَينِ؛ لأنَّه مالُ حَربيٍّ لا أَمانَ له فيَكونُ فَيئًا للمُسلِمينَ، وفي الوَجهِ الآخَرِ هو مالٌ ضائِعٌ فمُصيبُه بَيتُ المالِ كالذِّميِّ إذا ماتَ ولا وارِثَ له مِنْ الكُفارِ، يُوضعُ مالُه في بَيتِ المالِ.
والزِّنديقُ كالمُرتدِّ فيما ذَكَرنا، والزِّنديقُ هو الذي يُظهرُ الإِسلامَ ويَستَسِرُّ الكُفرَ، وهو المُنافِقُ، كانَ يُسمَّى في عَصرِ النَّبيِّ ﷺ مُنافِقًا، ويُسمَّى اليَومَ زِنديقًا، قالَ أَحمدُ: مالُ الزِّنديقِ في بَيتِ المالِ.
وكذا الساحِرُ كما نَصَّ على ذلك المالِكيةُ (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٨٣)، ومسلم (١٦١٤).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٨٣)، و«الاستذكار» (٥/ ٣٦٩)، و«شرح مسلم» للنووي (١١/ ٥٢)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥٠٩)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٥٨)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٥)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٧٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤١، ٤٢)، و«المغني» (٦/ ٢٥٠)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٧٢، ٥٧٣)، و«أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٣٠).
[ ٢٤ / ٥٠٨ ]
القَولُ الثاني: أنَّه يَرثُه وَرثتُه من المُسلِمينَ، وهو قَولُ الحَنفيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ ابنِ المُسيِّبِ وجابِرِ بنِ زَيدٍ والحَسنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وعَطاءٍ والشَّعبيِّ والحَكمِ والأَوزاعيِّ والثَّوريِّ وابنِ شُبرُمةَ وإِسحاقَ ورُويَ ذلك عن أَبي بَكرٍ الصِّديقِ وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃.
قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وحُجَّتُنا في ذلك ظاهِرُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] والمُرتدُّ هالِكٌ؛ لأنَّه ارتكَبَ جَريمةً استحَقَّ بها نَفسَه، فيَكونُ هالِكًا، ولمَّا ماتَ عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ، ابنُ سَلولَ جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ مالَه لوَرثتِه المُسلِمينَ، وهو كانَ مُرتدًّا، وإنْ كانَ مُنافِقًا، فقد شهِدَ اللهُ ﷾ بكُفرِه بعدَ الإِيمانِ، وفيه نزَلَ قَولُه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] وإنَّ عليًّا ﵁ قتَلَ المُستورِدَ العِجليَّ على الرِّدةِ، وقسَّمَ مالَه بينَ وَرثتِه المُسلِمينَ، وذلك مَرويٌّ عن ابنِ مَسعودٍ ومُعاذٍ ﵄.
والمَعنى فيه: أنَّه كانَ مُسلمًا مالِكًا لمالِه، فإذا تمَّ هَلاكُه يَخلُفُه وارِثُه في مالِه كما لو ماتَ المُسلمُ، وتَحقيقُ هذا الكَلامِ أنَّ الرِّدةَ هَلاكٌ؛ فإنَّه يَصيرُ به حَربًا، وأهلُ الحَربِ في حَقِّ المُسلِمينَ كالمَوتى، إلا أنَّ تَمامَ هَلاكِه حَقيقةً بالقَتلِ أو المَوتِ، فإذا تَمَّ ذلك استنَدَ التَّوريثُ إلى أولِ الرِّدةِ، وقد كانَ مُسلمًا عندَ ذلك، فيَخلُفُه وارِثُه المُسلمُ في مالِه، ويَكونُ هذا تَوريثَ المُسلمِ من المُسلمِ، وهذا لأنَّ الحُكمَ عندَ تَمامِ سَببِه يَثبتُ من أولِ السَّببِ كالبَيعِ بشَرطِ الخيارِ؛ إذا أُجيزَ يَثبتُ المِلكُ من وَقتِ العَقدِ حتى يَستحقَّ المَبيعَ
[ ٢٤ / ٥٠٩ ]
بزَوائِدِه المُتصلةِ والمُنفصلةِ جَميعًا، فعلى هذا الطَّريقِ يَكونُ فيه التَّوريثُ تَوريثَ المُسلمِ من المُسلمِ.
فإنْ قيلَ: زَوالُ مِلكِه إمَّا أنْ يَكونَ قبلَ الرِّدةِ أو معها أو بعدَها، والحُكمُ لا يَسبقُ السَّببَ ولا يَقتَرِنُ به؛ بل يَعقُبُه، وبعدَ الرِّدةِ هو كافِرٌ، قُلنا: نَعَمُ المُزيلُ للمِلكِ رِدَّتُه، كما أنَّ المُزيلَ للمِلكِ مَوتُ المُسلمِ، ثم المَوتُ يُزيلُ المِلكَ عن الحَيِّ لا عن المَيتِ، فكذلك الرِّدةُ تُزيلُ المِلكَ عن المُسلمِ، وكما أنَّ الرِّدةَ تُزيلُ مِلكَه فكذلك تُزيلُ عِصمةَ نَفسِه، وإنَّما تُزيلُ العِصمةَ عن مَعصومٍ لا عن غيرِ مَعصومٍ، فعَرَفنا أنَّه يَتحقَّقُ بهذا الطَّريقِ تَوريثُ المُسلمِ من المُسلمِ، ولهذا لا يَرثُه وَرثتُه الكُفارُ؛ لأنَّ التَّوريثَ من المُسلمِ، ولأنَّ الكافرَ لا يَرثُ المُسلمَ، وهو دَليلُنا؛ فإنَّه كانَ تَعلَّقَ بإِسلامِه حُكمانِ: حِرمانُ وَرثتِه الكُفارِ وتَوريثُ وَرثتِه المُسلِمينَ، ثم بَقيَ أحدُ الحُكمَينِ بعدَ رِدَّتِه باعتِبارِ أنَّه مُبقٍ على حُكمِ الإِسلامِ، فكذلك الحُكمُ الآخَرُ، وإنَّما لا يَرثُ المُرتدُّ أحدًا لجِنايتِه، فهو كالقاتِلِ، لا يَرثُ المَقتولَ لجِنايتِه، ويَرثُه المَقتولُ لو مات القاتِلُ قبلَه؛ ولأنَّه لا وَجهَ لجَعلِ مالِه فَيئًا؛ فإنَّ هذا المالَ كانَ مُحرَزًا بدارِ الإِسلامِ، ولم يَبطُلْ ذلك الإِحرازُ برِدَّتِه حتى لا يَغنمَ في حَياتِه، والمالُ المُحرَزُ بدارِ الإِسلامِ لا يَكونُ فَيئًا، وبهذا تبيَّنَ ثُبوتُ حَقِّ الوَرثةِ فيه؛ لأنَّه إنَّما لا يَغنَمُ في حَياتِه، لا لحَقِّه؛ فإنَّه لا حُرمةَ له؛ بل لحَقِّ الوَرثةِ، فكذلك بعدَ مَوتِه، وإنْ قالَ: يُوضَعُ في بَيتِ المالِ ليَكونَ للمُسلِمينَ باعتِبارِ أنَّه مالٌ ضائِعٌ.
[ ٢٤ / ٥١٠ ]
قُلنا: المُسلِمونَ يَستحِقُّونَ ذلك بالإِسلامِ، ووَرثتُه ساوَوُا المُسلِمينَ في الإِسلامِ، وتَرجَّحوا عليهم بالقَرابةِ، وذو السَّببَينِ مُقدَّمٌ في الاستِحقاقِ على ذي سَببٍ واحِدٍ، فكانَ الصَّرفُ إليهم أوْلى، فأمَّا ما اكتسَبَ في حالِ رِدَّتِه، فعلى قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ تَعالى هو فَيءٌ يُوضعُ في بَيتِ المالِ، وعندَهما هو مِيراثٌ لوَرثتِه المُسلِمينَ (^١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعن أَحمدَ ما يَدلُّ على أنَّه لوَرثتِه من المُسلِمينَ ورُويَ ذلك عن أَبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁، وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃.
وبه قالَ ابنُ المُسيِّبِ وجابِرُ بنُ زَيدٍ والحَسنُ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وعَطاءٌ والشَّعبيُّ والحَكمُ والأَوزاعيُّ والثَّوريُّ وابنُ شُبْرُمةَ وأهلُ العِراقِ وإِسحاقُ.
إلا أنَّ الثَّوريَّ وأَبا حَنيفةَ واللُّؤلُؤيَّ وإِسحاقَ قالوا: ما اكتسَبَه في رِدَّتِه يَكونُ فَيئًا، ولم يُفرِّقْ أَصحابُنا بينَ تِلادِ مالِه وطارِفِه، ووَجهُ هذا القَولِ أنَّه قَولُ الخَليفتَينِ الراشِدَينِ؛ فإنَّه يُروَى عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ قالَ: بعَثَني أَبو بَكرٍ عندَ رُجوعِه إلى أهلِ الرِّدةِ أنْ أقسِمَ أَموالَهم بينَ وَرَثتِهم المُسلِمينَ.
ولأنَّ رِدَّتَه يَنتقِلُ بها مالُه، فوجَبَ أنْ يَنتقِلَ إلى وَرثتِه المُسلِمينَ كما لو انتقَلَ بالمَوتِ، ورُويَ عن أَحمدَ رِوايةٌ أنَّ مالَه لأهلِ دِينِه الذي اختارَه إنْ
_________________
(١) «المبسوط» (١٠/ ١٠٠)، وانْظُر: «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ١٠٠)، و«تبيين الحقائق» (٣/ ٢٨٦).
[ ٢٤ / ٥١١ ]
كانَ منه مَنْ يَرثُه وإلا فهو فَيءٌ وبه قالَ داودُ، ورُويَ عن عَلقَمةَ وسَعيدِ بنِ أَبي عُروةَ؛ لأنَّه كافِرٌ فوَرثَه أهلُ دِينِه كالحَربيِّ وسائِرِ الكُفارِ (^١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا مالُ المُرتدِّ إذا قُتلَ أو مات، فقالَ جُمهورُ فُقهاءِ الحِجازِ: هو لجَماعةِ المُسلِمينَ ولا يَرثُه قَرابتُه، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، وهو قَولُ زَيدٍ من الصَّحابةِ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والثَّوريُّ وجُمهورُ الكُوفيِّينَ وكَثيرٌ من البَصريِّينَ: يَرثُه وَرثتُه من المُسلِمينَ، وهو قَولُ ابنِ مَسعودٍ من الصَّحابةِ وعلِيٍّ ﵄.
وعُمدةُ الفَريقِ الأولِ: عُمومُ الحَديثِ.
وعُمدةُ الحَنفيةِ: تَخصيصُ العُمومِ بالقياسِ، وقياسُهم في ذلك هو أنَّ قَرابتَه أَولى من المُسلِمينَ؛ لأنَّهم يُدلُونَ بسَببَينِ: بالإِسلامِ والقَرابةِ، والمُسلِمونَ بسَببٍ واحِدٍ، وهو الإِسلامُ، وربَّما أكَّدوا بما يَبقى لمَا له حُكمُ الإِسلامِ، بدَليلِ أنَّه لا يُؤخَذُ في الحالِ حتى يَموتَ، فكانَت حَياتُه مُعتبَرةً في بَقاءِ مالِه على مِلكِه، وذلك لا يَكونُ إلا بأنْ يَكونَ لمالِه حُرمةٌ إِسلاميةٌ، ولذلك لم يَجُزْ أنْ يُقرَّ على الارتِدادِ، بخِلافِ الكافرِ.
وقالَ الشافِعيُّ وغيرُه: يُؤخذُ بقَضاءِ الصَّلاةِ إذا تابَ من الرِّدةِ في أيامِ الرِّدةِ، والطائِفةُ الأُخرى تَقولُ: يُوقَفُ مالُه؛ لأنَّ له حُرمةً إِسلاميةً، وإنَّما وُقفَ رَجاءَ أنْ يَعودَ إلى الإِسلامِ، وأنَّ استِيجابَ المُسلِمينَ لمالِه ليسَ على طَريقِ الإِرثِ.
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٥٠).
[ ٢٤ / ٥١٢ ]
وشذَّت طائِفةٌ فقالَت: مالُه للمُسلِمينَ عندَما يَرتدُّ، وأظُنُّ أنَّ أشهَبَ ممَّن يَقولُ بذلك (^١).