ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيَّ إذا قبِلَ الوَصيةَ في حَياةِ المُوصي بأنْ جعَلَه وَصيًّا على تَنفيذِ وَصيَّتِه أو قَضاءِ دَينِه أو على أَولادِه الصِّغارِ فقبِلَ ثم رَدَّ في حَياتِه وبعِلمِه يَصحُّ رَدُّه ورُجوعُه عنها.
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّه إذا قبِلَ الوَصيةَ في حَياةِ المُوصي فلا رُجوعَ له.
_________________
(١) «العناية شرح الهداية» (١٦/ ٢٠٩، ٢١٠)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٢٠٦)، و«الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٨٠، ٣٨١)، و«اللباب» (٢/ ٥٩١، ٥٩٢)، و«الدر المختار» (٦/ ٧٠٠، ٧٠١)، و«الذخيرة» (٧/ ١٦٨)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩٤)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٧٧)، و«الشرح الكبير ع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٨)، و«المهذب» (١/ ٤٦٤)، و«مغني المحتاج» (٤/ ١٢٧، ١٢٨)، و«النجم الوهاج» (٦/ ٣٣٤)، و«مطالب أولي النهى» (٤/ ٥٣٤)، و«شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٢٣)، و«كشاف القناع» (٤/ ٤٨٢).
[ ٢٤ / ٤٤٣ ]
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَصحُّ قَبولُه في حَياةِ المُوصي كما تقدَّمَ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما لو رَدَّ ذلك بعدَ مَوتِ المُوصي أو في حَياتِه بغيرِ عِلمِه، هل يَصحُّ رَدُّه ورُجوعُه فيما أُوصيَ إليه فيه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ له الرُّجوعُ فيما أُوصيَ إليه فيه بعدَ مَوتِ المُوصي.
قالَ الحَنفيةُ: إذا أَوصَى إلى رَجلٍ، أي: جعَلَه وَصيًّا على تَنفيذِ وَصيتِه أو قَضاءِ دَينِه أو على أَولادِه الصِّغارِ فقبِلَ الوَصيُّ في وَجهِ المُوصي، أي: بعِلمِه، فإنْ رَدَّ عندَه بعِلمِه صَحَّ الرَّدُّ وبطَلَت الوَصيةُ؛ لأنَّ المُوصيَ ليسَ له إِلزامُه على قَبولِها؛ لأنَّه مُتبرعٌ بقَبولِها، والمُتبرعُ إنْ شاءَ أَقامَ على التَّبرعِ، وإنْ شاءَ رجَعَ.
وإنْ رَدَّها في غيرِ وَجهِه أو بغيرِ عِلمِ المُوصي في حَياتِه أو بعدَ مَوتِه فلا يَصحُّ الرَّدُّ، ويَبقَى وَصيًّا على ما كانَ؛ لأنَّ المُوصيَ ما أَوصَى إلا إلى مَنْ يَعتمِدُ عليه من الأَصدقاءِ والأُمناءِ، فلو صَحَّ رَدُّه بعدَ المَوتِ أو بلا عِلمِه تَضرَّرَ به وصارَ مَغرورًا من جِهتِه؛ لأنَّه اعتمَدَ على قَبولِه بأنْ يَقومَ بجَميعِ التَّصرفاتِ بعدَ وَفاتِه، والوَصيُّ بقَبولِ الوِصايةِ التزَمَ ذلك بمَحضَرٍ منه، فلو صَحَّ رَدُّه وقَعَ المُوصي في ضَررٍ، ويَصيرُ مَغرورًا من جِهةِ الوَصيِّ، فصارَت الوِصايةُ لازِمةً عليه شَرعًا بالتِزامِه؛ نَظرًا للمُوصي دَفعًا للضَّررِ عنه، بخِلافِ الوَصيةِ بالمالِ؛ لأنَّه لو لم يَصحَّ رَدُّه بعدَ مَوتِه لا يَتضرَّرُ المَيتُ؛ لأنَّه يَعودُ
[ ٢٤ / ٤٤٤ ]
الثُّلثُ إلى الوَرثةِ، بل الضَّررُ على المُوصَى له؛ لأنَّ نَفعَ الأولِ بالوَصيةِ لنَفسِه، ونَفعَ الثاني للمُوصي، فكانَ في رَدِّه بغيرِ عِلمِه إِضرارٌ به، فلا يَجوزُ بخِلافِ الأولِ؛ لأنَّ المُوصَى به يَرجعُ إلى وَرثةِ المُوصي، ولا ضَررَ له في ذلك.
وأمَّا إذا لم يَقبَلْ ولم يَردَّ حتى ماتَ المُوصي فهو بالخيارِ، إنْ شاءَ قبِلَ وإنْ شاءَ لم يَقبَلْ؛ لأنَّ المُوصيَ ليسَ له وِلايةُ الإِلزامِ، فبَقيَ مُخيَّرًا، فلو أنَّه باعَ شَيئًا مِنْ تَركتِه فقد التزَمَه؛ لأنَّ هذا دِلالةُ الالتِزامِ والقَبولِ، وهو مُعتبَرٌ بعدَ المَوتِ، وسَواءٌ علِمَ بالوِصايةِ أو لم يَعلَمْ، بخِلافِ الوَكيلِ إذا لم يَعلَمْ بالتَّوكيلِ فباعَ حيثُ لا يَنفُذُ بَيعُه؛ لأنَّ الوَصيةَ خِلافةٌ؛ لأنَّها مُختصةٌ بحالِ انقِطاعِ وِلايةِ المَيتِ، فتَنتقِلُ الوِلايةُ إليه؛ لأنَّ الوَصيَّ يَخلُفُ المُوصيَ عندَ خَلاءِ مَكانِه كالوارِثِ، فإذا كانَت خِلافةً فالخِلافةُ لا تَتوقَّفُ على العِلمِ كالوِراثةِ، ألَا تَرى أنَّ الوارِثَ إذا باعَ شَيئًا من التَّركةِ بعدَ مَوتِ المُورثِ وهو لا يَعلَمُ بمَوتِه؛ فإنَّه يَجوزُ بَيعُه؟ كذلك الوَصيُّ، وليس كذلك التَّوكيلُ وعَزلُ الوَكيلِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إِنابةٌ لثُبوتِه في حالِ قيامِ وِلايةِ الحَيِّ فلا يَصحُّ من غيرِ عِلمٍ.
فإنْ قيلَ: كانَ يَجبُ ألَّا يَكونَ مُخيَّرًا؛ لأنَّه لمَّا بلَغَه الإِيصاءُ ولم يَردَّه اعتمَدَ عليه المُوصي ولم يُوصِ إلى غيرِه وفي ذلك ضَررٌ به، والضَّررُ مَرفوعٌ.
وأُجيبَ بأنَّ المُوصيَ مُغتَرٌّ حيثُ لم يَسأَلْه عن الرَّدِّ والقَبولِ فلا يَبطُلُ الاختيارُ، بخِلافِ ما إذا قبِلَ ثم رَدَّ في غَيبتِه؛ فإنَّه غارٌّ فيَبطُلُ اختيارُه.
[ ٢٤ / ٤٤٥ ]
وإذا قبِلَ الوَصيُّ الوَصيةَ أو تَصرفَ بعدَ المَوتِ وأَرادَ أنْ يُخرجَ نَفسَه من الوَصيةِ لم يَجُزْ ذلك إلا عندَ الحاكِمِ؛ لأنَّه التزَمَ القيامَ بها، فعَزلُه لنَفسِه بغيرِ حَضرةِ المُوكِّلِ.
أمَّا إذا حضَرَ عندَ الحاكِمِ فالحاكِمُ قائِمٌ مَقامَ المُوصي؛ لعَجزِه عن استِيفاءِ حُقوقِه وصارَ كالوَكيلِ إذا عزَلَ نَفسَه بحَضرةِ المُوكِّلِ.
وإنْ لم يَقبَلْ حتى ماتَ المُوصي فقالَ: «لا أقبَلُ»، ثم قالَ: «أقبَلُ»، فله ذلك إنْ لم يَكُنِ القاضي أخرَجَه من الوَصيةِ حينَ قالَ: لا أقبَلُ؛ لأنَّه بمُجردِ قَولِه: «لا أقبَلُ» لا يَبطُلُ الإِيصاءُ؛ لأنَّ في إِبطالِه ضَررًا بالمَيتِ، وضَررُ الوَصيِّ في الإِبقاءِ مَجبورٌ بالثَّوابِ، ودَفعُ الأولِ وهو أعلى أوْلى، إلا أنَّ القاضيَ إذا أخرَجَه عن الوِصايةِ يَصحُّ ذلك؛ لأنَّه مُجتهِدٌ فيه؛ إذْ للقاضي وِلايةُ دَفعِ الضَّررِ، وربَّما يَعجِزُ عن ذلك فيَتضرَّرُ ببَقاءِ الوِصايةِ فيَدفعُ القاضي الضَّررَ عنه، ويُنصِّبُ حافِظًا لمالِ المَيتِ مُتصرِّفًا فيه فيَندفِعُ الضَّررُ من الجانبَينِ، فلهذا يَنفُذُ إِخراجُه، فلو قالَ بعدَ إِخراجِ القاضي إِياه: «أقبَلُ»، لم يُلتفَتْ إليه؛ لأنَّه قبِلَ بعدَ بُطلانِ الوِصايةِ بإِبطالِ القاضي (^١).
وقالَ المالِكيةُ: للوَصيِّ عَزلُ نَفسِه من الإِيصاءِ في حَياةِ المُوصي؛ لأنَّ عَقدَها غيرُ لازِمٍ من الطَّرفَينِ، وللمُوصي أنْ يَعزلَ الوَصيَّ ولو بلا جَريمةٍ تُوجِبُ ذلك.
_________________
(١) «الهداية» (٤/ ٢٥٨)، و«العناية شرح الهداية» (١٦/ ٢٠٩، ٢١٠)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٢٠٦)، و«البحر الرائق» (٨/ ٥٢١)، و«الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٨٠، ٣٨١)، و«اللباب» (٢/ ٥٩١، ٥٩٢)، و«الدر المختار» (٦/ ٧٠٠، ٧٠١).
[ ٢٤ / ٤٤٦ ]
وأمَّا إنْ قبِلَ بعدَ مَوتِ المُوصي وكذا في حَياتِه على الصَّحيحِ أو جاءَ منه ما يَدلُّ على القَبولِ من بَيعٍ أو شِراءٍ لزِمَته الوَصيةُ، ولم يَجُزْ له عَزلُ نَفسِه، وإنْ لم يَعلَمْ بأنَّه أَوصاه إلا بعدَ مَوتِه فله الامتِناعُ من القَبولِ، فإنْ لم يَقبَلْ فليسَ له بعدَ ذلك قَبولٌ.
وإنْ أبَى القَبولَ في حَياتِه أو بعدَ مَوتِه فلا قَبولَ له بعدَ ذلك؛ لأنَّ إِبايتَه صَيَّرته أجنَبيًّا، فقَبولُه بعدَها يَحتاجُ لإِيصاءٍ جَديدٍ وهو لا يُمكنُ بعدَ المَوتِ، فيَصيرُ النَّظرُ للحاكِمِ، فإنْ شاءَ جعَلَه مُقدَّمًا من طَرفِه وإنْ شاءَ قدَّمَ غيرَه (^١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ: إذا قبِلَ المُوصَى إليه ثم أَرادَ تَركَها لم يَجُزْ له ذلك إلا أنْ يَعجِزَ عنها أو يَظهَرَ له عُذرٌ في الامتِناعِ من المُقامِ عليها، خِلافًا للشافِعيِّ في إِجازتِه تَركَها؛ لأنَّها قُربةٌ وفِعلُ خَيرٍ ألزَمَه نَفسَه لم يَكنْ له الخُروجُ منه بغيرِ عُذرٍ اعتِبارًا بالصَّومِ والحَجِّ (^٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإِيصاءَ عَقدٌ جائِزٌ من الطَّرفَينِ، ويَجوزُ للمُوصي والوَصيِّ الرُّجوعُ في الوَصيةِ متى شاءَ، وله عَزلُ نَفسِه متى شاءَ، سَواءٌ في حَياةِ المُوصي أو بعدَ مَوتِه.
_________________
(١) «الذخيرة» (٧/ ١٦٨)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩٤)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٧٧)، و«الشرح الكبير على حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٨)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٥٨٨).
(٢) «المعونة» (٢/ ٥١٥).
[ ٢٤ / ٤٤٧ ]
قالَ الشافِعيةُ: عَقدُ الإِيصاءِ جائِزٌ من الطَّرفَينِ، وحينَئذٍ للمُوصي عَزلُ الوَصيِّ متى شاءَ، وللوَصيِّ الرُّجوعُ فيها مَتى شاءَ؛ لأنَّه تَصرفٌ بالإِذنِ فأشبَهَ الوَكالةَ، إلا أنَّه يَلزمُه إِعلامُ الحاكِمِ فَورًا وإلا ضمِنَ.
هذا إنْ لم تَتعيَّنْ عليه الوَصيةُ ولم يَغلِبْ على ظَنِّه تَلفُ المالِ باستِيلاءِ ظالِمٍ من قاضٍ وغيرِه، وإلا فليسَ له ذلك، ولا يَنفُذُ عَزلُه لكنْ لا يَلزمُه ذلك مَجانًا بل بالأُجرةِ، وهل له أنْ يَتولَّى أخذَها إنْ خافَ من إِعلامِ قاضٍ جائِرٍ لتَعذُّرِ الرَّفعِ إليه والتَّحكيمِ؛ لأنَّه لا بُدَّ فيه من رِضا الخَصمَينِ؟ قالَ ابنُ حَجرٍ: مَحلُّ نَظرٍ، ولو قيلَ بجَوازِه بشَرطِ إِخبارِ عَدلَينِ عارفَينِ له بقَدرِ أُجرةِ مِثلِه، ولا يَعتمِدُ مَعرفةَ نَفسِه احتياطًا لم يَبعُدْ (^١).
قالَ الأذرَعيُّ: ولو غلَبَ على ظَنِّ المُوصي أنَّ عَزلَه لوَصيِّه مُضيِّعٌ لمَا عليه من الحُقوقِ أو لأَموالِ أَولادِه باستِيلاءِ ظالِمٍ أو لخُلوِّ الناحيةِ عن قاضٍ أَمينٍ فيَظهَرُ أنَّه لا يَجوزُ له عَزلُه. اه، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وهو حَسنٌ (^٢).
وقالَ الماوَرديُّ: إنْ كانَت بلا عِوضٍ جازَ، وإلا كانَت لازِمةً كعَقدِ الإِجارةِ (^٣).
_________________
(١) «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٩٠، ٢٩١).
(٢) «مغني المحتاج» (٤/ ١٢٩)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٤٤٢)، و«روضة الطالبين» (٤/ ٥٧١)، و«المهذب» (١/ ٤٦٤).
(٣) «النجم الوهاج» (٦/ ٣٣٦).
[ ٢٤ / ٤٤٨ ]
وقالَ الرَّمليُّ: ويَمتنِعُ عليه عَزلُ نَفسِه أيضًا إذا كانَت إِجارةً بعِوضٍ، فإنْ كانَت بعِوضٍ من غيرِ عَقدٍ فهي جَعالةٌ، قاله الماوَرديُّ، وما اعتَرضَ به من أنَّ شَرطَ صِحةِ الإِجارةِ إِمكانُ الشُّروعِ في المُستأجِرِ له عَقبَ العَقدِ وهنا ليسَ كذلك، وإنَّ شَرطَها العِلمَ بأَعمالِها وأَعمالِ الوِصايةِ مَجهولةٌ، أَجابَ السُّبكيُّ عن الأولِ بأنَّ صُورتَه أنْ يَستأجِرَه المُوصي على أَعمالٍ لنَفسِه في حَياتِه ولطِفلِه بعدَ مَوتِه، أو يَستأجرَ الحاكِمُ على الاستِمرارِ على الوَصيةِ لمَصلحةٍ رآها بعدَ مَوتِ المُوصي، وأمَّا الثاني فجَوابُه كَونُ الغالِبِ عِلمُها وبأنَّ مَسيسَ الحاجةِ إليها اقتَضى المُسامَحةَ بالجَهلِ بها، وقَولُ الكافي: لا يَصحُّ الاستِئجارُ لذلك ضَعيفٌ، وإذا لزِمَت الوِصايةُ بالإِجارةِ وعجَزَ عنها استُؤجِرَ عليه من مالِه مَنْ يَقومُ مَقامَه فيما عجَزَ عنه، وجازَ ذلك مع أنَّها إِجارةُ عَينٍ وهي لا يُستَوفَى فيها من غيرِ المُعينِ؛ لمَا قالَه الأذرَعيُّ من أنَّ ضَعفَه بمَنزلةِ عَيبٍ حادِثٍ، فيَعملُ الحاكِمُ ما فيه المَصلحةُ من الاستِبدالِ به والضَّمِّ إليه (^١).
وقالَ الحَنابِلةُ: للوَصيِّ عَزلُ نَفسِه متى شاءَ مع القُدرةِ والعَجزِ في حَياةِ المُوصي وبعدَ مَوتِه وفي حُضورِه وغَيبتِه؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ بالإِذنِ كالوَكيلِ.
ويَتَّجهُ: ولا يَعودُ من عَزلِ نَفسِه وَصيًّا بلا عَقدٍ جَديدٍ لإِعراضِه عن الوِصايةِ باختِيارِه كالوَكيلِ إذا عزَلَ نَفسَه من الوَكالةِ؛ لأنَّه ترَكَ حَقَّه من عندِ نَفسِه فافتقَرَ عَودُه إلى عَقدٍ جَديدٍ من المُوصي إنْ كانَ مَوجودًا، أو مِنْ الحاكِمِ عندَ عَدمِ المُوصي.
_________________
(١) «نهاية المحتاج» (٦/ ١٢٥).
[ ٢٤ / ٤٤٩ ]
ونقَلَ الأثرَمُ وحَنبلٌ: له عَزلُ نَفسِه إنْ وجَدَ حاكِمًا كما قدَّمَه في «المُحرَّر» وقطَعَ به الحارِثيُّ؛ لأنَّ العَزلَ تَضييعٌ للأَمانةِ وإِبطالٌ لحَقِّ المُسلمِ، وكذا إنْ تعذَّرَ تَنفيذُ الحاكِمِ للمُوصى به لعَدمِ ثُبوتِه عندَه أو نَحوِ ذلك، أو غلَبَ على الظَّنِّ أنَّ الحاكِمَ يُسنِدُ إلى من ليسَ بأهلٍ أو أنَّ الحاكِمَ ظالِمٌ، ذكَرَه الحارِثيُّ.
وللمُوصي عَزلُه متى شاءَ كالمُوكِّلِ.
ويَجوزُ أنْ يَجعلَ المُوصي أو الحاكِمُ للوَصيِّ جُعلًا مَعلومًا كالوَكالةِ، ومُقاسَمةُ الوَصيِّ المُوصَى له نافِذةٌ على الوَرثةِ؛ لأنَّه نائِبٌ عنهم ففِعلُه كفِعلِهم، بخِلافِ مُقاسَمتِه للوَرثةِ على المُوصَى له؛ فإنَّها لا تَنفُذُ؛ لأنَّه ليسَ نائِبًا عنه كتَصرفِ الفُضوليِّ (^١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ قَبولُ الوَصيةِ ورَدُّها في حَياةِ المُوصي؛ لأنَّها إِذنٌ في التَّصرفِ فصَحَّ قَبولُه بعدَ العَقدِ كالوَكيلِ، بخِلافِ الوَصيةِ له؛ فإنَّها تَمليكٌ في وَقتٍ فلم يَصحَّ القَبولُ قبلَ الوَقتِ، ويَجوزُ تَأخيرُ القَبولِ إلى ما بعدَ المَوتِ؛ لأنَّها نَوعُ وَصيةٍ فصَحَّ قَبولُها بعدَ المَوتِ كالوَصيةِ له.
ومتى قبِلَ صارَ وَصيًّا، وله عَزلُ نَفسِه متى شاءَ مع القُدرةِ والعَجزِ في حَياةِ المُوصي وبعدَ مَوتِه بمَشهدٍ منه وفي غَيبتِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.
_________________
(١) «مطالب أولي النهى» (٤/ ٥٣٤)، و«شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٢٣)، و«كشاف القناع» (٤/ ٤٨٢).
[ ٢٤ / ٤٥٠ ]
وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ له ذلك بعدَ المَوتِ بحالٍ، ولا يَجوزُ في حَياتِه إلا بحَضرتِه؛ لأنَّه غرَّه بالتِزامِ وَصيَّتِه ومنَعَه بذلك الإِيصاءَ إلى غيرِه.
وذكَرَ ابنُ موسى في «الإِرشادِ» رِوايةً عن أَحمدَ ليسَ له عَزلُ نَفسِه بعدَ المَوتِ لذلك.
ولنا: أنَّه مُتصرِّفٌ بالإِذنِ فكانَ له عَزلُ نَفسِه كالوَكيلِ (^١).