تَرثُ الأمُّ الثُّلثَ عندَ عَدمِ الوَلدِ أو وَلدِ الوَلدِ، أو جَمعٍ مِنْ الإِخوةِ أو الأَخواتِ، وعندَ وُجودِ أَحدِهم لها السُّدسُ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (١٦١٥).
(٢) «الإجماع» (٢٨٦).
[ ٢٤ / ٥٦٦ ]
وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١].
وللأُمِّ في مَسأَلتَيِ زَوجٍ أو زَوجَةٍ وأَبوَينِ ثُلثُ ما بقِيَ بعدَ فَرضِ الزَّوجِ أو فَرضِ الزَّوجَةِ، لَا ثُلثَ جَميعِ المالِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، ويُلقَّبانِ بالغَراوَينِ لشُهرَتِهما تَشبيهًا لهما بالكَوكبِ الأَغرِّ، وبالعُمرِيتَينِ لقَضاءِ عُمرَ ﵁ فيهما بما ذُكرَ، وبالغَريبَتينِ لغَرابتِهما.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامة ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: وإذا كانَ زَوجٌ وأَبوانِ أُعطيَ الزَّوجُ النِّصفَ والأمُّ ثُلثَ ما بقِيَ وما بقِيَ فللأبِ، وإذا كانَت زَوجةٌ وأَبوانِ أُعطيَت الزَّوجةُ الرُّبعَ والأمُّ ثُلثَ ما بقِيَ وما بقِيَ فللأبِ.
هاتانِ المَسألَتانِ تُسمَّيانِ العُمريتَّينِ؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ قَضى فيهما بهذا القَضاء فاتَّبعَه على ذلك عُثمانُ وزَيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ مَسعودٍ، ورُويَ ذلك عن عليٍّ، وبه قالَ الحَسنُ والثَّوريُّ ومالكٌ والشافِعيُّ ﵃ وأَصحابُ الرَّأيِ، وجعَلَ ابنُ عَباسٍ ثُلثَ المالِ كلِّه للأمِّ في المَسألَتينِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ لها الثُّلثَ عندَ عَدمِ الوَلدِ والإِخوةِ وليسَ هاهنا وَلدٌ وإِخوةٌ، ويُروى ذلك عن عليٍّ ورُويَ ذلك عن شُريحٍ في زَوجٍ وأَبوينِ، وقالَ ابنُ سِيرينَ كقَولِ الجَماعةِ في زَوجٍ وأبَوينِ، وكقولِ ابنِ عَباسٍ في امرَأةٍ وأَبوينِ، وبه قالَ أَبو ثَورٍ؛ لأنَّنا لو فرَضْنا للأمِّ ثُلثَ المالِ في زَوجٍ وأَبوينِ لَفضَّلْناها على الأبِ، ولا يَجوزُ ذلك.
[ ٢٤ / ٥٦٧ ]
وفي مَسألةِ المَرأةِ لا يُؤدِّي إلى ذلك، واحتَجَّ ابنُ عَباسٍ بعُمومِ قولِه تَعالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، وبقولِه ﵇: «أَلحِقوا الفَرائضَ بأَهلِها فما بقِيَ فهو لأَولَى رَجلٍ ذَكرٍ»، والأبُ هاهنا عَصبةٌ فيَكونُ له ما فضَلَ عن ذَوي الفُروضِ كما لو كانَ مَكانُه جدٌّ، والحُجةُ معَه لولا انعِقادُ الإِجماعِ مِنْ الصَّحابةِ على مُخالَفتِه، ولأنَّ الفَريضةَ إذا جمَعَت أَبوينِ وذا فَرضٍ كانَ للأمِّ ثُلثُ الباقِي كما لو كانَ معَهم بِنتٌ، ويُخالفُ الأبُ الجدَّ؛ لأنَّ الأبَ في دَرجتِها والجدُّ أَعلَى منها، وما ذهَبَ إليه ابنُ سِيرينَ تَفريقٌ في مَوضعٍ أَجمعَ الصَّحابةُ على التَّسويةِ فيه، ثم إنَّه معَ الزَّوجِ يَأخذُ مِثلَي ما أَخذَت الأمُّ، كذلك معَ المَرأةِ قِياسًا عليه (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: المَسألةُ الثانِيةُ العُمرِيتانِ: والقُرآنُ يَدلُّ على قَولِ جُمهورِ الصَّحابةِ فيها كعُمرَ وعُثمانَ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وزَيدِ بن ثابتٍ إنَّ للأمِّ ثُلثَ ما يَبقَى بعدَ فَرضِ الزَّوجَينِ، وههنا طَريقانِ:
أَحدُهما: بَيانُ عَدمِ دِلالتِه على إِعطائِها الثُّلثَ كاملًا معَ الزَّوجَينِ، وهذا أَظهرُ الطَّريقَينِ.
والثانِي: دِلالتُه على إِعطائِها ثُلثَ الباقِي، وهو أَدقُّ وأَخفَى مِنْ الأَولِ، أما الأَولُ فإنَّ اللهَ سُبحانَه إنَّما أَعطاهَا الثُّلثَ كاملًا إذا انفَردَ الأَبوانِ
_________________
(١) «المغني» (٦/ ١٧١، ١٧٢)، و«الكافي» (٢/ ٥٢٨)، و«الاختيار» (٥/ ١٠٩، ١١٠)، و«البيان» (٩/ ٣٩، ٤١)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٢٧، ٢٨)، و«مجموع الفتاوى» (٣١/ ٣٤٥)، و«المبدع» (٦/ ١٢٨).
[ ٢٤ / ٥٦٨ ]
بالمِيراثِ؛ فإنَّ قولَه سُبحانَه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] شرَطَ أنَّ في استِحقاقِ الثُّلثِ عَدمَ الوَلدِ وتَفردَهما بمِيراثِه.
فإنْ قِيلَ: ليسَ في قولِه: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ما يَدلُّ على أنَّهما تَفرَّدا بمِيراثِه.
قِيلَ: لو لَم يَكنْ تَفردُّهما شرطًا لَم يَكنْ في قولِه: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ فائِدةٌ وكانَ تَطويلًا يُغني عنه قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فلمَّا قالَ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ عُلمَ أنَّ استِحقاقَ الأمِّ الثُّلثَ مَوقوفٌ على الأَمرينِ، وهو سُبحانَه ذكَرَ أَحوالَ الأمِّ كلَّها نصًّا وإِيماءً، فذكَرَ أنَّ لها السُّدسَ معَ الإِخوةِ، وأنَّ لها الثُّلثَ كاملًا معَ عَدمِ الوَلدِ، وتَفرُّدِ الأَبوينِ بالمِيراثِ، بقِيَ لها حالةٌ ثالِثةٌ وهي معَ عَدمِ الوَلدِ وعَدمِ تَفرُّدِ الأَبوينِ بالمِيراثِ، وذلك لا يَكونُ إلا معَ الزَّوجِ والزَّوجةِ، فإمَّا أنْ تُعطَى في هذه الحالِ الثُّلثَ كاملًا وهو خِلافُ مَفهومِ القُرآنِ، وأما أنْ تُعطَى السُّدسَ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه لَم يَجعَلْه فَرضَها إلا في مَوضعَينِ: معَ الوَلدِ، ومعَ الإِخوةِ، وإذا امتَنعَ هذا وهذا كانَ الباقِي بعدَ فَرضِ الزَّوجَينِ هو المالُ الذي يَستَحقُّه الأَبوانِ ولا يُشارِكُهما فيه مُشارِكٌ، فهو بمَنزِلةِ المالِ كلِّه إذا لَم يَكنْ زَوجٌ ولا زَوجةٌ، فإذا تَقاسَماهُ أَثلاثًا كانَ الواجبُ أنْ يَتقاسَما الباقِي بعدَ فَرضِ الزَّوجَينِ كذلك (^١).
_________________
(١) «إعلام الموقعين» (١/ ٣٥٧، ٣٥٨).
[ ٢٤ / ٥٦٩ ]