أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأبِ والأمِّ ومِن الأبِ ذُكورًا كانُوا أو إِناثًا لا يَرثونَ معَ الابنِ ولا ابنِ الابنِ وإنْ سفَلَ ولا معَ الأبِ، ويَرثونَ معَ البَناتِ وبَناتِ الأَبناءِ (^٢).
_________________
(١) «المغني» (٦/ ١٩٢)، و«الكافي» (٢/ ٥٣٤)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٢٦٢)، و«المبدع» (٦/ ١٣٥)، و«الإنصاف» (٧/ ٣١١)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٢٤).
(٢) «الإجماع» (٢٩٨)، و«الموطأ» (٢/ ٥٠٨)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٢٥٨).
[ ٢٤ / ٥٩٦ ]
يَختَلفُ مِيراثُ الإِخوةِ والأَخواتِ كالآتِي:
١ - الإِخوةُ والأَخواتُ لأَبوَينِ إنِ انفَردُوا عنِ الإِخوةِ والأَخواتِ للأبِ ورِثُوا كأَولادِ الصُّلبِ، فللذَّكرِ الواحدِ فأَكثَرَ كلُّ المالِ، وللأُنثَى النِّصفُ، وللثِّنتَينِ فصاعِدًا الثُّلثانِ، وعندَ اجتِماعِ الصِّنفَينِ للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا أنَّ رَجلًا لو ترَكَ أَخاهُ وأُختَه أنَّ المالَ بينَهما للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ (^١).
وقالَ: وأَجمَعوا على أنَّ للأخِ مِنْ الأبِ والأمِّ جَميعَ المالِ إذا لَم يَكنْ معَه مَنْ له سَهمٌ مَعلومٌ (^٢).
وكذا إنْ كانُوا -أَي: الإِخوةُ وَالأَخواتُ- لأبٍ وانفَردُوا عنِ الإِخوةِ والأَخواتِ للأَبوَينِ ورِثُوا كأَولادِ الصُّلبِ، إلَّا في المُشرَّكةِ -أَي: المُشرَّك فيها بينَ الشَّقيقِ ووَلدَيِ الأمِّ- وهي زَوجٌ وأمٌّ أو جَدةٌ ووَلدَا أمٍّ فصاعِدًا وأخٌ لأَبوَينِ فأَكثَرَ، فيُشارِكُ الأخُ الشَّقيقُ -ولَو كانَ معَه مَنْ يُساوِيه مِنْ الإِخوةِ والأَخواتِ- وَلدَيِ الأمِّ في الثُّلثِ بأُخوَّةِ الأمِّ لاشتِراكِهم في القَرابَةِ الَّتي ورِثُوا بها الفَرضَ، ولَو كانَ بَدلَ الأخِ لأَبوَينِ أَخٌ لأبٍ سقَطَ بالإِجماعِ.
_________________
(١) «الإجماع» (٢٨٨).
(٢) «الإجماع» (٣٠٠).
[ ٢٤ / ٥٩٧ ]
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ والأُخواتِ مِنْ الأبِ يَقومونَ مَقامَ الإِخوةِ والأَخواتِ مِنْ الأبِ والأمِ، ذُكورُهم كذُكورِهم، وإِناثُهم كإِناثِهم إذا لم يَكنْ للمَيتِ إِخوةٌ ولا أَخواتٌ لأبٍ وأمٍّ (^١).
٢ - ولَو اجتَمعَ الصِّنفانِ -مِنْ الإِخوةِ لأَبوَينِ والإِخوةِ لأبٍ- فكَاجتِماعِ أَولادِ الصُّلبِ وأَولادِ ابنِه، إلَّا أنَّ بَناتِ الابنِ يُعصِّبُهنَّ مَنْ في دَرجَتهِنَّ أو أَسفَلَ مِنهُنَّ، والأُختُ لَا يُعصِّبُها إلَّا أَخوها.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ والأَخواتِ مِنْ الأبِ يَقومونَ مَقامَ الإِخوةِ والأَخواتِ مِنْ الأبِ والأمِّ ذُكورًا كذُكورِهم وإِناثًا كإِناثِهم إذا لم يَكنْ للمَيتِ إِخوةٌ ولا أَخواتٌ لأبٍ وأمٍّ (^٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأَجمعَ العُلماءُ مِنْ هذا البابِ على أنَّ الإِخوةَ للأبِ والأمِّ يَحجُبونَ الإِخوةَ للأبٍ عن المِيراثِ قِياسًا على بَني الأَبناءِ معَ بَني الصُّلبِ (^٣).
٣ - والأَخواتُ لأَبوَينِ أو لأبٍ معَ البَناتِ وبَناتِ الابنِ عَصبَةٌ كالإِخوةِ، فتُسقِطُ أُختٌ لأَبوَينِ اجتَمعَتْ معَ البِنتِ أو بِنتِ الابنِ أو معَهما الإِخوةَ والأَخواتِ لأبٍ كما يُسقِطُهم الأخُ الشَّقيقُ.
_________________
(١) «الإجماع» (٣٠١).
(٢) «الإجماع» (٣٠١).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥٨).
[ ٢٤ / ٥٩٨ ]
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأبِ والأمِّ ومِن الأبِ ذُكورًا أو إِناثًا لا يَرثونَ معَ الابنِ ولا ابنِ الابنِ وإنْ سفَلَ ولا معَ الأبِ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: والأَخواتُ معَ البَناتِ عَصبةٌ لهن ما فضَلَ وليسَت لهن معَهن فَريضةٌ مُسمَّاةٌ.
العَصبةُ: هو الوارثُ بغيرِ تَقديرٍ، وإذا كان معَه ذو فَرضٍ أخَذَ ما فضَلَ عنه قلَّ أو كثُرَ، وإنِ انفَردَ أخَذَ الكلَّ، وإنِ استَغرقَت الفُروضُ المالَ سقَطَ، والمُرادُ بالأَخواتِ هاهُنا الأَخواتُ مِنْ الأَبوَينِ أو مِنْ الأبِ؛ لأنَّه قد ذكَرَ أنَّ وَلدَ الأمِّ لا مِيراثَ لهم معَ الوَلدِ، وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ يُروى ذلك عن عُمرَ وعليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ ومُعاذٍ وعائشةَ ﵃، وإليه ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلَّا ابنُ عَباسٍ ومَن تابَعَه؛ فإنَّه يُروَى عنه أنَّه كانَ لا يَجعلُ الأَخواتِ معَ البَناتِ عَصبةً، فقالَ في بِنتٍ وأُختٍ: للبِنتِ النِّصفُ، ولا شيءَ للأُختِ، فقِيلَ له: إنَّ عُمرَ قَضى بخِلافِ ذلك؛ جعَلَ للأُختِ النِّصفَ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: أَنتم أَعلمُ أمِ اللهُ، يُريدُ قولَ اللهِ سُبحانَه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فإنَّما جعَلَ لها المِيراثَ بشَرطِ عَدمِ الوَلدِ.
والحقُّ فيما ذهَبَ إليه الجُمهورُ؛ فإنَّ ابنَ مَسعودٍ قالَ في بِنتٍ وبِنتِ ابنٍ وأُختٍ: لأَقضِينَّ فيها بقَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «للبِنتِ النِّصفُ ولبِنتِ الابنِ السُّدسُ وما بقِيَ فللأُختِ» رَواه البُخاريُّ، وغيرُه واحتِجاجُ
_________________
(١) «الإجماع» (٢٩٨).
[ ٢٤ / ٥٩٩ ]
ابنِ عَباسٍ لا يَدلُّ على ما ذهَبَ إليه بلْ يَدلُّ على أنَّ الأُختَ لا يُفرضُ لها النِّصفُ معَ الولدِ، ونَحنُ نَقولُ به؛ فإنَّ ما تَأخذُه معَ البِنتِ ليسَ بفَرضِ، وإنَّما هو بالتَعصيبِ كمِيراثِ الأخِ، وقد وافَقَ ابنُ عَباسٍ على ثُبوتِ مِيراثِ الأخِ معَ الوَلدِ معَ قولِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وعلى قِياسِ قولِه يَنبغِي أنْ يَسقُطَ الأخُ لاشتِراطِه في تَوريثِه منها عَدمَ وَلدِها وهو خِلافُ الإِجماعِ، ثم إنَّ النَّبيَّ ﷺ وهو المُبيِّنُ لكَلامِ اللهِ تَعالَى قدْ جعَلَ للأُختِ معَ البِنتِ وبِنتِ الابنِ الباقِي عن فَرضِهما وهو الثُّلثُ، ولو كانَت ابنَتانِ وبِنتُ ابنٍ لَسقَطَت بِنتُ الابنِ وكانَ للأُختِ الباقِي وهو الثُّلثُ، فإنْ كانَ معَهم أمٌّ فلها السُّدسُ ويَبقَى للأُختِ السُّدسُ، فإنْ كانَ بَدلَ الأمِّ زَوجٌ فالمَسأَلةُ مِنْ اثنَي عَشرَ، للزَّوجِ الرُّبعُ وللابنتَينِ الثُّلثانِ ويَبقَى للأُختِ نِصفُ السُّدسِ، فإنْ كانَ معَهم أمٌّ عالَت المَسأَلةُ وسقَطَت الأُختُ.
مَسأَلةٌ: قالَ: (وبَناتُ الابنِ بمَنزِلةِ البَناتِ إذا لَم يَكنْ بَناتٌ)
أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَناتِ الابنِ بمَنزِلةِ البَناتِ عندَ عَدمِهنَّ في إِرثِهنَّ وحَجبِهنَّ لمَن يَحجُبُه البَناتُ، وفي جَعلِ الأَخواتِ معَهن عَصباتٍ، وفي أنَّهن إذا استَكمَلنَ الثُّلثينِ سقَطَ مِنْ أَسفلَ منهن مِنْ بَناتِ الابنِ وغيرِ ذلك، والأصلُ في ذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] ووَلدُ البَنينَ أَولادٌ؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] يُخاطِبُ بذلك أمةَ
[ ٢٤ / ٦٠٠ ]
مُحمَّدٍ ﷺ، وقالَ: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يُخاطِبُ بذلك مَنْ في عَصرِ النَّبيِ ﷺ منهم، وقالَ الشاعرُ:
بَنونا بَنو أَبنائِنا وبَناتِنا بَنوهُنَّ أَبناءُ الرِّجالِ الأَباعِدِ (^١)
٤ - وبَنو الإِخوةِ لأَبوَينِ أو لأبٍ كلٌّ منهم حُكمُه في الإِرثِ كأَبِيه اجتِماعًا وانفِرادًا، فيَستَغرِقُ الواحِدُ أو الجَمعُ منهم المالَ عندَ الانفِرادِ، ويَأخذُ ما فضَلَ عنِ الفُروضِ، وعندَ اجتِماعِهم يُسقِطُ ابنُ الشَّقيقِ ابنَ الأخِ للأبِ، لكنْ يُخالِفونَهم -أيْ: آباءَهُم- في أنَّهم لَا يَردُّونَ الأُمَّ مِنْ الثُّلثِ إلى السُّدسِ بخِلافِ آبائِهم؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى أَعطاهَا الثُّلثَ حيثُ لَا إِخوةَ، وهذا الاسمُ لَا يَصدُقُ على بنِيهم، ولا يَرثونَ معَ الجدِّ، ولا يُعصِّبونَ أخَواتِهم؛ لأنَّهم مِنْ ذوِي الأَرحامِ، ويَسقُطونَ في المُشرَّكةِ.
والإِخوةُ لأَبوَينِ يَحجِبونَ الإِخوةَ لأبٍ، وأَولادُهم لَا يَحجُبونَهم، والأَخُ للأبِ يَحجُبُ ابنَ الأخِ الشَّقيقِ، وابنُه لَا يَحجُبُه، وبَنو الإِخوةِ لَا يَرثونَ معَ الأَخواتِ إذا كُنَّ عَصباتٍ معَ البَناتِ.
رَوى التِّرمذيُّ عن الحارِثِ عن علِيٍّ أنَّهُ قالَ: «إنَّكم تَقرؤونَ هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قضَى بالدَّينِ قبلَ الوصِيَّةِ، وإنَّ أَعيانَ بنِي الأمِّ يَتوارثُونَ دونَ بَني العلَّاتِ، الرَّجلُ يَرثُ أَخاهُ لأبِيه وأمِّه دونَ أخِيه لأبِيه» (^٢).
_________________
(١) «المغني» (٦/ ١٦٤، ١٦٥).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (٢٠٩٤، ٢٠٩٥)، وابن ماجه (٢٧١٥).
[ ٢٤ / ٦٠١ ]
قالَ التِّرمذيُّ: والعملُ على هذا الحَديثِ عندَ عامَّةِ أَهلِ العِلمِ (^١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ والأَخواتِ مِنْ الأبِ يَقومونَ مَقامَ الإِخوةِ والأَخواتِ مِنْ الأبِ والأمِّ ذُكورًا كذُكورِهم وإِناثًا كإِناثِهم إذا لم يَكنْ للمَيتِ إِخوةٌ ولا أَخواتٌ لأبٍ وأمٍّ.
وأَجمَعوا على أنَّ لا مِيراثَ للأَخواتِ مِنْ الأبِ إذا استَكملَ الأَخواتُ مِنْ الأبِ والأمِّ الثُّلثَينِ إلا أنْ يَكونَ معَهن أخٌ ذَكرٌ.
وأَجمَعوا على أنَّ الأَخواتِ مِنْ الأبِ لا يَرثنَ ما فضَلَ عن الأَخواتِ للأبِ والأمِّ، فإنْ ترَكَ أُختَينِ أو أَخواتٍ لأبٍ وأمٍّ فلهن الثُّلثانِ وما بقِيَ فللإِخوةِ مِنْ الأبِ (^٢).