الأصلُ في مِيراثِ الجَدةِ السُّنةُ والإِجماعُ، وإنَّه ليسَ لها في كِتابِ اللهِ ﷿ فَرضٌ مُسمًّى.
وأَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجَدةَ تَرثُ السُّدسَ ولا يُزادُ عليه بحالٍ، وكذا الجَداتُ السُّدسَ، وهنَّ أمُّ الأمِّ وأُمَّهاتُها المُدلِياتُ بإِناثٍ خُلَّصٍ كأمِّ
_________________
(١) المَصادِر السَّابقَة.
[ ٢٤ / ٥٩١ ]
أمِّ الأمِّ وإنْ عَلَت، وأمُّ الأبِ وأُمَّهاتُها كَذلك -أيْ: المُدلِياتُ بإِناثٍ خُلَّصٍ كأمِّ أمِّ الأبِ- وكذا أمُّ أبِ الأبِ وأمُّ الأَجدادِ فوقَه وأُمَّهاتُهنَّ.
وضابِطُه -أيْ: إِرثِ الجَداتِ الوارِثاتِ- هو: كلُّ جَدةٍ أَدلَت بمَحضِ إِناثٍ كأمِّ أمِّ الأمِّ، أو ذُكورٍ كأمِّ أبِ الأبِ، أو إِناثٍ إلى ذُكورٍ كأمِّ أمِّ الأبِ تَرثُ، ومَن أَدلَت بذَكرٍ بينَ أُنثَيينِ كأمِّ أبِي الأمِّ فلا تَرثُ كما لَا يَرثُ ذلك الذَّكرُ.
وهذا إذا لم يَكنْ للمَيتِ أمٌّ فإنْ كانَ له أمٌّ فإنَّها تَحجُبُ الجَداتِ مِنْ جِهتِها ومِن جِهةِ الأبِ بالإِجماعِ.
وَلا يَحجُبُ الأبُ أمَّ الأمِ بالإِجماعِ؛ لأنَّها تُدلِي بالأمِّ، والأبُ لا يَحجُبُ الأمَّ فلَم يَحجُبْ أمَّها كما لا يَحجُبُ الأبُ ابنَ الابنِ.
وكذا أمُّ الأمِّ تَرثُ معَ الجدِّ؛ لأنَّ الأبَ إذا لم يَحجُبْها فلأنْ لا يَحجُبُها الجدُّ أَولَى.
وكذلك الجدُّ لا يَحجُبُ أمَّ الأبِ؛ لأنَّها مُساوِيةٌ في الدَّرجةِ والإِدلاءِ إلى المَيتِ
وأَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ أمَّ أَبي الأمِّ لا تَرثُ، وكذلك كلُّ جَدةٍ أَدلَت بأبٍ بينَ أُمَّينِ؛ لأنَّها تُدلِي بغيرِ وارثٍ.
وهذه المَسائلُ كلُّها لا خِلافَ فيها بينَ أَحدٍ مِنْ أَهلِ العِلمِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ للجَدةِ السُّدسَ إذا لم يَكنْ للمَيتِ أمٌّ.
[ ٢٤ / ٥٩٢ ]
وأَجمَعوا على أنَّ الأمَّ تَحجُبُ أمَّها وأمَّ الأبِ.
وأَجمَعوا على أنَّ الأبَ لا يَحجُبُ أمَّ الأمِّ.
وأَجمَعوا على أنَّ الجَدتَتينِ إذا اجتَمعَتا وقَرابتُهما سَواءٌ وكِلتاهُما ممَّن يَرثُ: أنَّ السُّدسَ بينَهما.
وأَجمَعوا على أنَّهما إذا اجتَمعَتا وإِحداهُما أَقربُ مِنْ الأُخرَى وهما مِنْ وَجهٍ واحدٍ: أنَّ السُّدسَ لأَقربِهما.
وأَجمَعوا على أنَّ الأمَّ تَحجُبُ الجَداتِ.
وأَجمَعوا على أنَّ الجَدةَ لا تُزادُ على السُّدسِ (^١).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأَجمَعوا على تَورِيثِ الجَداتِ، وأنَّ فَرضَ الواحِدةِ والجَماعةِ منهن السُّدسُ لا يُنقَصْن منه ولا يُزدْنَ عليه (^٢).
واستَدلَّ العُلماءُ على تَوريثِ مِيراثِ الجَدةِ قبلَ الإِجماعِ بما رَواهُ قَبيصةُ بنُ ذُؤيبٍ قالَ: «جاءَت الجَدةُ إلى أَبي بَكرٍ تَطلُبُ مِيراثَها، فقالَ: ما لكِ في كِتابِ اللهِ شيءٌ، وما أَعلمُ لكِ في سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، ولكنِ ارجِعي حتى أَسألَ الناسَ. فقالَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: حضَرتُ
_________________
(١) «الإجماع» (٣٠٤، ٣١٠)، ويُنظَر: «الموطأ» (٢/ ٥١٤)، و«الاستذكار» (٥/ ٣٤٦، ٣٥٠)، و«المبسوط» (٢٩/ ١٦٨، ١٧١)، و«الحاوي الكبير» (٨/ ١١٠، ١١١)، و«الهذب» (٢/ ٢٦)، و«البيان» (٩/ ٥٧، ٥٨)، و«المغني» (٦/ ١٨٩)، و«الكافي» (٢/ ٥٣٣)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٢٤).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ١١٠).
[ ٢٤ / ٥٩٣ ]
رَسولَ اللهِ ﷺ أَعطاها السُّدسَ فقالَ: هل معكِ غيرُك؟ فشهِدَ له مُحمدُ بنُ مَسلمةَ، فأَمضاهُ لها أَبو بَكرٍ. فلمَّا كانَ عُمرَ جاءَت الجَدةُ الأُخرَى، فقالَ عُمرُ: ما لكِ في كِتابِ اللهِ شيءٌ، وما كانَ القَضاءُ الذي قُضيَ به إلا في غيرِك، وما أنا بزائدٍ في الفَرائضِ شيئًا، ولكنْ هو ذاكَ السُّدسُ، فإنِ اجتَمعتُما فهو لَكما، وأيُّكما خلَت به فهو لها» (^١).
وعن عُبادةَ بنِ الصامتِ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى للجَدتَينِ مِنْ المِيراثِ بالسُّدسِ بينَهما» (^٢).