اختَلفَ الفُقهاءُ في الأبِ هل يَحجُبُ أمَّ نَفسِه أيْ يَحجُبُ أمَّه أمْ لا يَحجُبُها وتَرثُ معَه السُّدسَ ويَكونُ الباقِي له؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأَحمدُ في رِوايةٍ وعُثمانُ وعليٌّ وزَيدُ بنُ ثَابتٍ إلى أنَّ الأبَ يَحجُبُ أمَّه؛ لأنَّها تُدلِي بوَلدِها فلَم تُشارِكْه في المَيراثِ كأمِّ الأمِّ لا تَرثُ معَ الأمِّ، فكذلك إذا كانَت أمَّ أبٍ لا تَرثُ معَ الأبِ.
ولأنَّ الجدَّ لمَّا كانَ مَحجوبًا بالأبِ وجَبَ أنْ تَكونَ الجَدةُ أَولى أنْ تَكونَ به مَحجوبةً، ولأنَّها أَحدُ أَبويِ الأبِ فوجَبَ أنْ يَحجُبَها الأبُ.
_________________
(١) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه أبو داود (٢٨٩٤)، والترمذي (٢١٠٠)، وابن ماجه (٢٧٢٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رَواه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في «زوائده على المسند» (٢٢٨٣٠).
[ ٢٤ / ٥٩٤ ]
ولأنَّ ابنَ العمِّ وابنَ الأخِ لا يَرثُ واحدٌ منهما معَ أبِيه الذي يُدلِي به إلى المَيتِ فكذلك الجَدةُ أمُّ الأبِ لا تَرثُ معَ الأبِ؛ لأنَّها به تُدلِي.
لأنَّ كلَّ مَنْ أَدلَى إلى المَيتِ بأبٍ وارثٍ سقَطَ به كالجدِّ والإِخوةِ، ولأنَّ الإِدلاءَ إلى المَيتِ بمَن يَستَحقُّ جَميعَ المِيراثِ يَمنعُ مِنْ مُشارَكتِه في المَيراثِ كوَلدِ الابنِ معَ الابنِ ووَلدِ الإِخوةِ معَ الإِخوةِ.
ولأنَّها جَدةٌ تُدلِي بوَلدِها فلَم يَجزْ أنْ تُشارِكَ وَلدَها في المِيراثِ كالجَدةِ أمِّ الأمِّ معَ الأمِّ (^١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ وعُمرُ بنُ الخَطابِ وابنُ مَسعودٍ وأَبو موسَى وعِمرانُ بنُ الحَصينِ إلى أنَّ الأبَ لا يَحجُبُ أمَّه بلْ تَرثُ معَه مِنْ وَلدِه؛ لما رَوى الشَّعبِيِّ عن مَسروقٍ عن عبدِ اللهِ بن مَسعُودٍ ﵁ قالَ في الجَدةِ معَ ابنِها: إنَّها أوَّلُ جَدةٍ أَطعمَها رَسولُ اللهِ ﷺ سُدسًا معَ ابنِها وابنُها حيٌّ (^٢)
ولأنَّ الجَداتِ أُمهاتٌ يَرثْنَ مِيراثَ الأمِّ لا مِيراثَ الأبِ فلا يُحجَبنَ به كأُمَّهاتِ الأمِّ.
_________________
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٤٦٨)، و«المبسوط» (٢٩/ ١٦٩، ١٧٠)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٢٣٣)، و«التمهيد» (١١/ ١٠٦، ١٠٧)، و«الاستذكار» (٥/ ٣٥١، ٣٥٢)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٢٦٣)، و«الحاوي الكبير» (٨/ ٩٤)، و«البيان» (٩/ ٥٨، ٥٩).
(٢) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه الترمذي (٢١٠٢).
[ ٢٤ / ٥٩٥ ]
ولأنَّه لما كانَت الأمُّ وأمُّ الأمِّ لا يُحجَبنَ بالذُّكورِ كانَ كذلك حُكمُ جَميعِ الجَداتِ.
ولأنَّه لمَّا ضعُفَ الأبُ عن حَجبِ أمِّ الأمِّ وهي بإِزائِها ضعُفَ أيضًا عن حَجبِها.
ولأنَّ الجَدةَ وإنْ أَدلَت بالأبِ فهي غيرُ مُضرَّةٍ به؛ لأنَّها تُشارِكُ أمَّ الأمِّ في فَرضِها، فجَرى مَجرَى الإِخوةِ للأمِّ لمَّا لَم يَضُروا بالأمِّ لَم يَسقُطوا معَ الأمِّ.
ومحلُّ الخِلافِ إذا كانَ الابنُ أبًا للمَيتِ أو جدَّه، أمَّا لو كانَ عمًّا للمَيتِ فإنَّه لا يَحجُبُها بالإِجماعِ.
ومِثالُ المَسألةِ: أمُّ أبٍ وأبٌ، فعلى هذا مَذهبُ الحَنابِلةِ لها السُّدسُ والباقِي للأبِ، وعلى القولِ الأَولِ وهو مَذهبُ الجُمهورِ الكلُّ له (^١).