اختَلفَ الفُقهاءُ في الجدِّ إذا كانَ معَ إِخوةٍ أَشقاءَ أو أَخواتٍ أو إخوةٍ لأبِ ولَم يَكنْ معَهم صاحبُ فَرضٍ هل يَحجُبُهم كالأبِ أمْ يُقاسِمُهم؟
فذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ -وهو مَرويٌ عن أَبي بكرٍ الصِّديقِ وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبيرِ وعائشةَ ومُعاذِ ابنِ جبلٍ وأُبيِّ بنِ كَعبٍ وأَبي الدَّرداءِ وأَبي هُريرةَ، وهو اخِتيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وابنِ القَيمِ- إلى أنَّ الجدَّ أَولى بالمِيراثِ من الإِخوةِ ويَحجُبهم كالأبِ، فيَرثُ ما يَرثُ الأبُ،
_________________
(١) «الإجماع» (٣١٢، ٣١٥، ٣١٦، ٣١٧).
[ ٢٤ / ٥٧٠ ]
ويَحجُبُ ما يَحجُبُ الأبُ؛ لقولِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] واسمُ الأبِ يَتناولُ الجدَّ بدَليلِ قولِه تَعالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقالَ: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾.
فيَستحِقُّ الجدُّ المِيراثَ دونَ الإِخوةِ كما يَستحِقُّ الأبُ دونَهم إذا كانَ باقيًا، ودلَّ ذلك على أنَّ إِطلاقَ اسمِ الأبِ يَتناولُ الجدَّ فاقتَضى ذلك أنْ لا يَختلِفَ حُكمُه وحُكمُ الأبِ في المِيراثِ إذا لَم يَكنْ أبٌ.
ولأنَّ العُلماءَ أَجمَعوا على أنَّ حُكمَ الجدِّ حُكمُ الأبِ في غيرِ مَوضعٍ، مِنْ ذلك إِجماعُهم أنَّ الجدَّ يَحجُبُ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ كما حجَبَهم الأبُ؛ فالقِياسُ أنْ يَحجُبَ الإِخوةَ للأبِ والأمِّ إذا كانَ أبًا كما حجَبَ الإِخوةَ للأمِّ، وأَجمَعوا أنَّ الجدَّ يَضرِبُ معَ أَصحابِ الفَرائضِ بالسُّدسِ كما يَضرِبُ الأبُ، وإن عالَت الفَريضةُ، وللأبِ معَ ابنِ الابنِ السُّدسُ، وكذلك للجدِّ معَه مثلُ ما للأبِ، وقالَ تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، ومِن المُحالِ أنْ يَكونَ له وَلدٌ ولا يَكونَ له والِدًا.
ولقولِ النَّبيِ ﷺ: «وما بقِيَ فهو لأَولَى رَجلٍ ذَكرٍ»؛ لأنَّ رَجلًا لو تُوفِّيَ وترَكَ بنتًا أو ابنَتينِ وجدًّا وإِخوةً فألحَقْنا البِنتَ أو البِنتَينِ بفَرائضِهنَّ وكانَ ما بقِيَ للجدِّ وهو أَولى رَجلٍ ذَكرٍ بقِيَ.
[ ٢٤ / ٥٧١ ]
قالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: فإنَّ الصَّحابةَ في الجدِّ معَ الإِخوةِ على قَولينِ: أنَّه يُسقِطُ الإِخوةَ، وهذا قولُ أَبي بكرٍ وأَكثرِ الصَّحابةِ كأُبيِّ بنِ كعبٍ وأَبي موسَى وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبيرِ، ويُذكرُ عن أربَعةَ عشرَ منهم، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ وطائِفةٍ مِنْ أَصحابِ الشافِعيِّ وأَحمدَ كابنِ سُريجٍ مِنْ أَصحابِ الشافِعيِّ وأَبي حَفصٍ البَرمكِيِّ من أَصحابِ أَحمدَ، ويُذكرُ هذا رِوايةً عن أَحمدَ.
وهذا القولُ هو الصَّحيحُ؛ فإنَّ نِسبةَ بَني الإِخوةِ مِنْ الأبِ إلى الجدِّ كنِسبةِ الأَعمامِ بَني الجدِّ إلى الجدِّ أَبي الأبِ، وقد اتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ الجدَّ أَبا الأبِ أَولى مِنْ الأَعمامِ فيَجبُ أنْ يَكونَ الجدُّ أَبو الأبِ أَولى مِنْ الإِخوةِ.
وأيضًا: فإنَّ الإِخوةَ لو كانُوا لكَونِهم يُدلونَ ببُنوةِ الأبِ بمَنزِلةِ الجدِّ لكانَ أَبناؤُهم وهم بَنو الإِخوةِ كذلك كانَ أَولادُهم ليسُوا بمَنزِلتِهم عُلمَ أنَّهم لا يَتقدَّمونَ ببُنوةِ الأبِ، ألا تَرى أنَّ الابنَ لمَّا كانَ أَولى مِنْ الجدِّ كانَ ابنُه -ابنُ الابنِ- بمَنزِلتِه.
وأيضًا: فإنَّ الجدةَ كالأمِّ فيَجبُ أنْ يَكونَ الجدُّ كالأبِ، ولأنَّ الجدَّ يُسمَّى أبًا، وهذا القولُ هو إِحدَى الرِّوايَتينِ عن عُمرَ.
والقولُ الثانِي: أنَّ الجدَّ يُقاسِمُ الإِخوةَ، وهذا قولُ عليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ ورُويَ عن عُثمانَ القَولانِ ولكنَّهم مُختلِفونَ في التَّفصيلِ اختِلافًا مُتباينًا.
[ ٢٤ / ٥٧٢ ]
وجُمهورُ أهلِ هذا القولِ على مَذهبِ زَيدٍ كمالكٍ والشافِعيِّ وأَحمدَ، وأما قولُ عليٍّ في الجدِّ فلَم يَذهبْ إليه أحدٌ مِنْ أَئمةِ الفُقهاءِ، وإنَّما يُذكرُ عن ابنِ أَبي لَيلى أنَّه كانَ يَقضِي به ويُذكرُ عن عليِّ فيه أَقوالٌ مُختَلفةٌ (^١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والقُرآنُ يَدلُّ لقولِ الصِّديقِ ومَن معَه مِنْ الصَّحابةِ كأَبي موسَى وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبيرِ وأربَعةَ عَشرَ منهم ﵃، ووَجهُ دِلالةِ القُرآنِ على هذا القَولِ قولُه تَعالَى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرِ الآيةِ، فلَم يَجعلْ للإِخوةِ مِيراثًا إلا في الكَلالةِ.
وقد اختَلفَ الناسُ في الكَلالةِ، والكِتابُ يَدلُّ على قولِ الصِّديقِّ أنَّها ما عَدا الوالدَ والولدَ؛ فإنَّه سبحانه قالَ في مِيراثِ وَلدِ الأمِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] فسوَّى بينَ مِيراثِ الإِخوةِ في الكَلالةِ وإن فرَّقَ بينَهم في جِهةِ الإِرثِ ومِقدارِه، فإذا كانَ وُجودُ الجدِّ معَ الإِخوةِ للأمِّ لا يُدخِلُهم في الكَلالةِ بل يَمنعُهم من صِدقِ اسمِ الكَلالةِ على المَيتِ أو عليهم أو على القَرابةِ فكيفَ أَدخلَ ولدَ الأبِ في الكَلالةِ ولَم يَمنعْهم وُجودُه صِدقَ اسمِها؟ وهل هذا إلا تَفريقٌ مَحضٌ بينَ ما جمَعَ اللهُ بينَه؟
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» (٦/ ٩٦، ٩٧).
[ ٢٤ / ٥٧٣ ]
يُوضحُه الوَجهُ الثانِي: وهو أنَّ وَلدَ الوَلدِ يَمنعُ الإِخوةَ مِنْ المِيراثِ، ويُخرِجُ المَسأَلةَ عن كَونِها كَلالةً لدُخولِه في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، ونِسبةُ أبِ الأبِ إلى المَيتِ كنِسبةِ وَلدِ وَلدِه إليه، فكما أنَّ الوَلدَ وإنْ نزَلَ يُخرِجُ المَسأَلةَ عن الكَلالةِ فكذلك أبُ الأبِ وإنْ عَلا، ولا فرقَ بينَهما البَتةَ.
يُوضِّحُه الوَجهُ الثالِثُ: وهو أنَّ نِسبةَ الإِخوةِ إلى الجدِّ كنِسبةِ الأَعمامِ إلى أَبي الجدِّ؛ فإنَّ الأخَ ابنُ الأبِ والعمَّ ابنُ الجدِّ، فإذا خلَّفَ عمَّه وأَبا جدِّه فهو كما لو خلَّفَ أَخاه وجدَّه سَواءٌ، وقد أَجمعَ المُسلِمونَ على تَقديمِ أبِ الجدِّ على العمِّ، فكذلك يَجبُ تَقديمُ الجدِّ على الأخِ، وهذا من أَبينِ القِياسِ وإنْ لَم يَكنْ هذا قِياسًا جَليًّا فليسَ في الدُّنيا قِياسٌ جَليٌّ (^١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الجدَّ لا يَحجُبُ الإِخوةَ والأَخواتِ الأَشقاءَ أو لأبٍ، بلْ يَتقاسَمونَ التَّركةَ فيما بينَهم، إلا أنَّ الجدَّ لا يَنقصُ عن الثُّلثِ معَ الإِخوةِ للأبِ والأمِّ أو للأبِ إلا معَ ذَوي الفُروضِ، فإنَّه لا يَنقصُه معَهم مِنْ السُّدسِ شيئًا.
_________________
(١) «إعلام الموقعين» (١/ ٤٧٤، ٤٧٥)، وذكَرَ حُججًا كَثيرةً على هذا، ويُنظَر: «التجريد» للقدوري (٨/ ٣٩٤٤، ٣٩٥٧)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٤٦١، ٤٦٢)، و«أحكام القرآن» (١٠٠/ ١٠١).
[ ٢٤ / ٥٧٤ ]
واحتَجَّ الجُمهورُ على ذلك بما يَلي:
بقولِه تَعالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وبقولِه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ٦] والجدُّ والإِخوةُ يَدخُلونَ في عُمومِ الآيَتين فلَم يَجزْ أنْ يَخصَّ الجدَّ بالمالِ دونَ الإِخوةِ.
وبقولِ النَّبيِ ﷺ: «وما بقِي فهو لأَولَى رَجلٍ ذَكرٍ» فقَالوا: الأخُ أَولى؛ لأنَّه أَقربُ إلى المَيتِ، بدَليلِ أنَّه يَنفردُ بالوَلاءِ لقُربِه، وأيضًا فإنَّ الأخَ يَقولُ: أنا أَقوَى مِنْ الجدِّ؛ لأنِّي أَقومُ مَقامَ الوَلدِ في حَجبِ الأمِّ مِنْ الثُّلثِ إلى السُّدسِ، وليسَ كذلك الجدُّ فوجَبَ ألَّا يَحجُبَني كما لا يَحجُبُ الوَلدَ، والجدُّ إنَّما يُدلِي بالمَيتِ وهو أَبو أبِيه، والأخُ يُدلِي بالمَيتِ وهو ابنُ أبِيه، والابنُ مِنْ جِهةِ المَواريثِ أَقوَى مِنْ الأبِ؛ لأنَّ الابنَ يَنفردُ بالمالِ ويَردُّه إلى السُّدسِ، والأبُ لا يَفعلُ ذلك بالابنِ، فكانَ مَنْ أَدلَى بالأَقوَى أَولى ممَّن أَدلَى بالأَضعفِ.
ولأنَّ الأخَ ذَكرٌ يُعصِّبُ أختَه فلَم يُسقِطْه الجدُّ كالبِنتِ، ولأنَّ تَعصيبَ الأخِ أَقوَى مِنْ تَعصيبِ الجدِّ؛ لأنَّه تَعصيبُ بُنوةٍ، وتَعصيبُ الجدِّ تَعصيبُ أُبوةٍ، ولأنَّه يُعصِّبُ أختَه بخِلافِ الجدِّ، فامتَنعَ معَ قُوةِ تَعصيبِه عليه أنْ يَسقُطَ به، ولأنَّ الأُختَ أُنثَى فَرضُها النِّصفُ، إذا انفَردَت لَم يُسقِطْها الجدُّ كالابنةِ، ولأنَّ الأخَ والجدَّ يُدلِيانِ بشَخصٍ وهو الأبُ، فلَم يَحجُبْ أَحدُهما الآخَرَ كابنَيِ الابنِ والأَخوَينِ.
[ ٢٤ / ٥٧٥ ]
ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَحجُبُ الأمَّ إلى ثُلثِ الباقِي لا يَحجُبُ الإِخوةَ كالعمِّ طَردًا وكالأبِ عَكسًا، ولأنَّ كلَّ سَببَينِ يُدلِيانِ إلى المَيتِ لشَخصٍ واحدٍ لَم يَسقُطْ أَحدُهما بالآخَرِ كالأَخوَينِ وكابنَيِ الابنِ؛ لأنَّ الأخَ والجدَّ كِلاهُما يُدلِيانِ بالأبِ.
وأما كَيفيةُ مِيراثِ الجدِّ معَ الإِخوةِ فإنَّه لا يَخلو أنْ يَكونَ معَه سِوى الإِخوةِ ذو فَرضٍ مُسمًّى أو لا يَكونُ.
فإنْ لَم يَكنْ معَه ذو فَرضْ مُسمًّى أُعطيَ الأَفضلَ له من اثنَينِ:
- إمَّا ثُلثُ جَميعِ المالِ.
- وأما أنْ يَكونَ كواحدٍ مِنْ الإِخوةِ الذُّكورِ، وسَواءٌ كانَ الإِخوةُ ذُكرانًا أو إِناثًا، أو الأَمرينِ جَميعًا.
فهو معَ الأخِ الواحدِ يُقاسِمُه المالَ، وكذلك معَ الاثنَينِ ومعَ الثَّلاثةِ والأربَعةِ يَأخذُ الثُّلثَ، وهو معَ الأُختِ الواحدةِ إلى الأَربعِ يُقاسمُهنَّ للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ، ومعَ الخَمسِ أَخواتٍ له الثُّلثُ؛ لأنَّه أَفضلُ له مِنْ المُقاسَمةِ.
فعلى هذا إنْ كانَ الإِخوةُ اثنَينِ أو أَربعَ أَخواتٍ أو أخًا وأُختَينِ فالثُّلثُ والمُقاسَمةُ سَواءٌ فأَعطِه ما شِئتَ منهما، وإن نقَصوا عن ذلك فالمُقاسَمةُ أحظُّ له فقاسِمْ به لا غيرَ، وإن زَادوا فالثُّلثُ خيرٌ له فأَعطِه إِياهُ، وسَواءٌ كانُوا مِنْ أبٍ أو مِنْ أَبوينِ.
[ ٢٤ / ٥٧٦ ]
فهذه هي حالُه معَ الإِخوةِ فقَط دونَ غيرِهم.
وأما إنْ كانَ معَهم ذو فَرضٍ مُسمًّى فإنَّه يَبدأُ بأَهلِ الفُروضِ فيَأخُذونَ فُروضَهم فمَا بقِيَ أُعطيَ الأَفضلَ له مِنْ ثَلاثٍ:
- إمَّا ثُلثُ ما بقِيَ بعدَ حُظوظِ ذَوي الفَرائضِ.
- وأما أنْ يَكونَ بمَنزِلةِ ذَكرٍ مِنْ الإِخوةِ.
- وأما أنْ يُعطَى السُّدسَ مِنْ رَأسِ المالِ لا يُنْقَصُ منه، ثم ما بقِيَ يَكونُ للإِخوةِ للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ في الأَكدَريةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: فإنْ كانَ معَ الجدِّ والإِخوةِ والأَخواتِ أَصحابُ فَرائضَ أُعطيَ أَصحابُ الفَرائضِ فَرائضَهم، ثم يُنظرُ فيما بقِيَ؛ فإنْ كانَت المُقاسَمةُ خيرًا للجدِّ من ثُلثِ ما بقِيَ ومِن سُدسِ جَميعِ المالِ أُعطيَ المُقاسَمةَ، وإنْ كانَ ثُلثُ ما بقِيَ خيرًا له مِنْ المُقاسَمةِ ومِن سُدسِ جَميعِ المالِ أُعطيَ ثُلثَ ما بقِيَ، فإنْ كانَ سُدسُ جَميعِ المالِ أحظَّ له مِنْ المُقاسَمةِ ومِن ثُلثِ ما بقِيَ أُعطيَ سُدسَ جَميعِ المالِ.
أما كَونُه لا يَنقصُ عن سُدسِ جَميعِ المالِ فلأنَّه لا يَنقصُ عن ذلك معَ الوَلدِ الذي هو أَقوَى فمَع غيرِهم أَولَى.
وأما إِعطاؤُه ثُلثَ الباقِي إذا كانَ أحظَّ له فلأنَّ له الثُّلثَ معَ عَدمِ الفُروضِ فما أُخذَ بالفَرضِ فكأنَّه ذهَبَ مِنْ المالِ فصارَ ثُلثُ الباقِي بمَنزِلةِ ثُلثِ جَميعِ المالِ.
[ ٢٤ / ٥٧٧ ]
وأما المُقاسَمةُ فهي له معَ عَدمِ الفُروضِ، فكذلك معَ وُجودِها فعلى هذا متى زادَ الإِخوةُ عن اثنَينِ أو مَنْ يَعدِلُهم من الإِناثِ فلا حظَّ له في المُقاسَمةِ، ومتى نقَصوا عن ذلك فلا حظَّ له في ثُلثِ الباقِي، ومتى زادَت الفُروضُ على النِّصفِ فلا حظَّ له في ثُلثِ ما بقِيَ، وإن نقَصَت عن النِّصفِ فلا حظَّ له في السُّدسِ.
وإنْ كانَ الفَرضُ النِّصفَ فحَسبُ استَوى السُّدسُ وثُلثُ الباقِي.
وإنْ كانَ الإِخوةُ اثنَينِ استَوى ثُلثُ الباقِي والمُقاسَمةُ.
مَسأَلةٌ: قالَ: (ولا يَنقصُ الجدُّ أبدًا مِنْ سُدسِ جَميعِ المالِ أو تَسميتُه إذا زادَت السِّهامُ).
هذا قولُ عامَّةِ أَهلِ العِلمِ (^١).
_________________
(١) «المغني» (٦/ ١٩٥، ١٩٨)، ويُنظَر: «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٣٥٢، ٣٥٧)، و«الكافي» ص (٥٦٦)، و«الاستذكار» (٥/ ٣٤٠، ٣٤٢)، و«الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٢١٠، ٢١٥)، رقم (١٩٦٠، ١٩٦٢)، و«بداية المجتهد» (٢/ ٢٥٩، ٢٦٢)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٠٢)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٥٩٥، ٥٩٦)، و«شرح الزرقاني» (٣/ ١٤٢)، و«الشرح الصغير» (١١/ ٩١، ٩٢)، و«الحاوي الكبير» (٨/ ١٢١، ١٢٤)، و«روضة الطالبين» (٤/ ٢٧٩، ٢٨١)، و«أسنى المطالب» (٣/ ١٣)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٦١، ١٦٧)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٣٦، ٣٩)، و«التجريد» للقدوري (٨/ ٣٩٤٤، ٣٩٥٧)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٤٦١، ٤٦٢)، و«أحكام القرآن» (١٠٠/ ١٠١)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٢٦٤)، و«منار السبيل» (٢/ ٤١٦، ٤١٩).
[ ٢٤ / ٥٧٨ ]
وبيانُ كلِّ ذلك على التَّفصيلِ التالِي: