وطور التشريع الإسلامى هو عصر البعثة المحمدية، عصر الوحى الذى بدأ بمبعث رسول الله ﷺ وانقضى بلحاقه بالرفيق الأعلى، وكانت مدته ثلاثا وعشرين سنة، وكانت أحوال المسلمين الأولين ليست أحوال تشريع أحكام عملية فى أول الأمر، ولم ينزل منها إلا النزر اليسير.
ولما كانت الهجرة إلى المدينة ووجد الإسلام أنصاره وداره، وقامت الدولة الإسلامية بدأ نزول الأحكام العملية، وبدأ التشريع الا سلامى بمعناه الكامل.
وقد سايرت نشأته نشأة الدولة ينمو بنموها، فهو تشريع ليس شأنه كشأن ما يوضع من التشريعات لدولة قد اكتمل تكوينها واستقر بناؤها. فكان نزوله منجما، وكان أكثر أحكامه على التدرج، وكان فيها الناسخ والمنسوخ. وقد روعى فى ذلك عاملان هامان:
أحدهما: أن حملة هذا التشريع الأولين كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وجل اعتمادها على ما تعى وتحفظ، فمن حقها وحين التشريع نفسه أن يكون منجما وفى مناسبات معينة وحوادث معروفة حتى يعين ذلك على حفظه وتثبيته فى النفوس.
وثانيهما: أن ما يصلح للدولة فى أول تكوينها وحداثة عهدها وبدء قوتها قد لا يصلح البعض منه لها بعد أن تبلغ أشدها، ولا لمن يأتى بعد أهلها الأولين ممن يدخلون تحت سلطان هذه الأحكام من الأمم الأخرى، فكان لا بد من التغيير والتبديل، حتى إذا استقر أمر الدولة وأرسيت قواعدها اكتمل تشريعها وأحكمت أحكامه، وكذلك كان.
فما لحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى حتى أتم الله دينه وأبرم تشريعه، وصارت الأحكام الشرعية كلها محكمة.
وكان الفقه فى هذا الطور فقه الوحى لا مصدر له سوى الكتاب والسنة النبوية.
وقد اختلف العلماء فيما بعد فى اجتهاده ﷺ وفى اجتهاد أصحابه فى حياته وهو اختلاف فيما نرى ليس ذا شأن يذكر، إذ الوحى موجود فلو وقع اجتهاد منه لوجب أن يقره الوحى أو ينكره، ويكون إذ ذاك هو مصدره وهو ما يؤكده تتبع الحوادث، وليس فى وسع أحد من القائلين بهذا الاجتهاد أن يرشدنا إلى حكم واحد كان من طريق هذا الاجتهاد ولم يقره
[ المقدمة / ٢٢ ]
الوحى. ولو أن مثل هذا الحكم كان موجودا ما خالف فى هذا الاجتهاد أئمة أعلام.
وما نزل به الوحى من الأحكام الفقهية نوعان عظيمان، أما أحدهما: فهو ما من شأنه ألا يتأثر كثيرا باختلاف البيئات والأقاليم والأعراف والعادات، وتجدد الأحداث وتقلب الظروف، وهذا قد قررت أصول مسائله وفصلت أحكامه تفصيلا وافيا، ومع هذا كان تفصيلا يفسح الطريق للاجتهاد إذا دعا داعيه.
وأما الآخر: فهو ما من شأنه أن يتأثر تأثرا ملحوظا بالعوامل التى أشرت إليها، وهذا كانت له القواعد الكلية المرنة التى تصلح لكل زمان ومكان وبيئة، وتتسع لحاجات الناس، وتفتح للاجتهاد فى أحداثها بابا واسعا.
وهذه الأحكام بنوعيها إنما شرعها الله سبحانه لمصالح العباد تفضلا منه، وتقوم على تحقيق سعادتهم فى الدارين، وتدور مقاصدها على الضروريات التى لا غنى عنها بحال، لإقامة مصالح الدين والدنيا، حتى إذا فقدت اضطربت هذه المصالح وانتشر الفساد وساد الاضطراب، وعلى الحاجيات التى تكفل التوسعة على الناس ورفع المشقة عنهم، ويؤدى فقدانها إلى الاضطراب، غير أنه لا يبلغ ما ينشأ عن فقدان الضروريات، وعلى التحسينيات التى تكفل الأخذ بمحاسن العادات وتجنب ما تنبو عنه الفطرة.
هذا هو واقع تلك الأحكام، وواقع ما تدور عليه مقاصدها، وهذا ما فهمه أهلها وسار ركبهم فى طريقه فأفلح وأنجح، اللهم إلا شرذمة قليلة أنكرت دلالة المعانى، وتنكرت لتعليل الأحكام وللقياس، فيسرت على يوسف شخت المستشرق اليهودى وعلى أمثاله من قبله أن يفتروا الكذب على التشريع الإسلامى، وأن يقولوا أن شرع الله لا يمكن إدراك أسراره بالعقل، فهو تعبدى أى أن الإنسان يجب أن يقبله مع تناقضه وأحكامه التى لا يدركها العقل من غير نقد وأن يعد ذلك حكمة لا يمكن إدراك كنهها إلى آخر ما جاء به من المفتريات التى لا يتردد قارئها فى أنه يصف بها دينا آخر وأسرارا أخرى. ولقد افترى هذا وهو عالم بحقيقة كل شئ وقد تقلب بيننا فى القاهرة طويلا وحاضر وناقش وفهم كل شئ على حقيقته.
ولا ريب أن التشريع الإسلامى استبقى المحمود من عادات العرب وأقره، ولا فى أنه قضى قضاء مبرما على أكثر ما هو ممقوت منها، وسلك بباقيها سنة التدرج حتى ذهب ريحه. وتلك هى الطريقة المثلى، وسنة كل تشريع حكيم يراعى الصالح فيما يقرره من الأحكام.
كما أنه لا ريب فى أن التشريع الإسلامى امتداد لما قبله من الشرائع السماوية الحقة، التى تكون دينا واحدا ساير الإنسانية فى نموها وتطورها حتى إذا بلغت أشدها كانت الخاتمة الملائمة هى ما استقر عليه التشريع الإسلامى وتم به دين الله، والكتاب الكريم ينطق بهذا فى مواطن كثيرة، فلا غضاضة على هذا التشريع إن هو أقر عادات محمودة صالحة للبقاء أو كانت فيه آثار الشرائع الإلهية السابقة، فذلك من كماله ومن أفضل محاسنه.
[ المقدمة / ٢٣ ]
ومن راض نفسه على البحث العميق سليم الطوية، وأخذ نفسه بقولة الحق وبالإنصاف، وراعى ما كان عليه القسم الأعظم الشمالى من جزيرة العرب حين ظهور الإسلام، وما كان عليه من العزلة الاجتماعية إلا فى النزر اليسير من الرحلات التجارية الموسمية، ومن الإعراض عن الشرائع الوضعية والتمسك بنظامه القبلى، وراعى أن التشريع الرومانى الذى جمع جوستنيان أمشاجة كان مقصورا على طائفة معينة ولم يؤلف فيه إلا كتاب واحد تعليمى، وأن هذا التشريع قد اختفى بانتهاء عصر جوستنيان قبل ظهور الإسلام بعشرات السنين، وراعى أن رسول الله ﷺ قبل مبعثه ما كان يدرى ما الكتاب ولا الإيمان، وراعى ما كان عليه خصوم الإسلام من المشركين واليهود من الدأب على أن يلصقوا كل نقيصة بهذا الدين وأهله، إذا راعى كل هذا وأن الموازنة بين التشريع الإسلامى والتشريع الرومانى، أظهرت ما بينهما من التباين فى المبادئ وفى القواعد وفى الأصول وفى الفروع، أيقن أن القول بأن التشريع الإسلامى قد تأثر بالتشريع الرومانى، ليس إلا فرية منكرة ونفثة مصدور، وأباطيل ينشرها أنصار الاستعمار التشريعى.