مقدار الجعل عندهم هو ما سمى، فإن لم يسم فله ما قرره الشارع، فقد جاء فى المحرر: «ولا يستحق الجعل بغير شرط إلا فى رد الآبق خاصة فإن له الجعل بالشرع:
دينارا أو اثنى عشر درهما. وعنه (أى عن أحمد) إن رده من خارج المصر فله (^٤) أربعون درهما (^٦)».
_________________
(١) شرح المغنى ج ٢ ص ٤٣١ طبعة مصطفى الحلبى
(٢) ج ٢ ص ٤٣٤ الطبعة السابقة.
(٣) ج ٢ ص ٤٣٠ الطبعة السابقة.
(٤) ج ٢ ص ٤٣٠ الطبعة السابقة.
(٥) ج ٢ ص ٢٧٦، ٢٧٧ الطبعة السابقة.
(٦) ج ١ ص ٣٧٢ طبعة مطبعة أنصار السنة المحمدية.
[ ١ / ١٨ ]
ولكن هل إذا سميا جعلا يكون اللازم ما سميا؟ قد بين هذا صاحب كشاف القناع فقال: «إذا كان المسمى ليس أكثر من المقدر شرعا فإنه حينئذ يكون له ما قدره الشارع وتلغى التسمية، قطع بهذا الحارثى وصاحب المبدع، لأن من أوجب عليه الشارع شيئا مقدرا من المال عند وجود سببه استقر عليه كاملا بوجود سببه (^١)».
ومقتضى هذا النص أنه إذا سمى أقل من المقدر شرعا يكون لة المقدر أما إذا لم يسم جعل فإن الجعل يكون ما قدره الشارع كما يفهم من عبارة المحرر السابقة.
وكما روى عن أحمد روايتان فى المقدر شرعا كما يفهم من عبارة المحرر السابقة فيما إذا جاء به من خارج المصر، فقد روى عنه فيما إذا جاء به من المصر نفسه أنه عشرة دراهم أو دينار (^٢).
وقد روى عنه أيضا أنه لا جعل فى رد الآبق فقد جاء فى المغنى: «وقد روى عن أحمد أنه لم يكن يوجب ذلك: أى جعلا إذا لم يوجد شرط».
قال أبو منصور: «سئل أحمد عن جعل الآبق فقال: لا أدرى، تكلم الناس فيه، لم يكن فيه عنده حديث صحيح. فظاهر هذا أنه لا جعل فيه، وهو ظاهر قول الخرقى ثم علل ذلك بقوله: لأنه عمل لغيره عملا من غير أن يشرط له عوضا (^٣)».
والجعل المتفق عليه، أو المقدر شرعا إن لم يكن شرط جعل يستحقه العامل على الرواية الراجحة. وإن زاد على قيمة العبد. وسواء فى ذلك أن يكون الراد معروفا برد الإباق أولا فقد جاء فى المغنى:
«ولا فرق عند إمامنا بين أن يزيد الجعل على قيمة العبد أو ينقص .. ثم علل ذلك بقوله: ولنا عموم الدليل (أى الأدلة التى وردت عن السلف بتقدير الجعل الذى لم يشترط). ولأنه جعل يستحق فى رد الآبق، فاستحقه وإن زاد على قيمته كما لو جعله صاحبه … ثم قال إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونه من المعروفين برد الإباق أو لم يكن (^٤)».
وبهذا يخالفون المالكية فى أنه لا يكون جعل فى حالة عدم الشرط إلا لمن اعتاد رد الإباق.
وقد ينتقل الجعل عندهم من المسمى إلى أجره المثل، وذلك إذا فقد شرطا من شروط صحة الجعل.
فقد جاء فى المغنى: «متى شرط عوضا مجهولا كقوله: إن رددت عبدى فلك ثوب أو فلك سلبه، أو شرط عوضا محرما كالخمر والحر، أو غير مقدور عليه كقوله: «من رد عبدى فله ثلثه، أو من رد عبدى فله أحدهما فرده إنسان - استحق أجر المثل، لأنه عمل عملا بعوض لم يسلم له، فاستحق أجره كما فى الإجارة (^٥)».
أما من يكون له الجعل فإنه الراد إن كان هو الذى اتفق معه سيد الأبق أو كان السيد لم يعين أحدا، فقد جاء فى المغنى لابن قدامة: «ويجوز أن يجعل الجعل فى الجعالة لواحد بعينه فيقول له: إن رددت عبدى فلك دينار، فلا يستحق الجعل من
_________________
(١) ج ٢ ص ٤١٧ المطبعة الشرفية سنة ١٣١٩.
(٢) المغنى ج ٦ ص ٣٥٦ طبعة المنار سنة ١٣٤٧.
(٣) ج ٦ ص ٣٥٥ الطبعة السابقة.
(٤) ج ٦ ص ٣٥٦، ٣٥٧ طبعة المنار سنة ١٣٤٧.
(٥) ج ٦ ص ٣٥٤ الطبعة السابقة.
[ ١ / ١٩ ]
يرده سواه. ويجوز أن يجعله لغير معين فيقول من رد عبدى فله دينار، فمن رده استحق الجعل (^١)».
ولا فرق عندهم فى الراد من حيث استحقاق الجعل أن يكون من ولد المالك، أو زوجا، أو غير ذلك، فقد جاء فى كشاف القناع: «وسواء (أى فى استحقاق الجعل) كان الراد زوجا للرقيق الآبق، أو ذا رحم فى عيال المالك أولا، لعموم ما سبق» يريد مما سبق الأدلة الدالة على استحقاق الجعل (^٢).
وقد يكون للراد جزء من الجعل المسمى بقدر نصيبه فى العمل، وذلك بأن يشترك فى العمل أكثر من واحد من المبدأ إلى النهاية فقد جاء فى المغنى: «فإن قال: من رد لقطتى فله دينار، فردها ثلاثة فلهم الدينار بينهم أثلاثا، لأنهم اشتركوا فى العمل الذى يستحق به الجعل، فاشتركوا فى العوض، كالأجرة فى الإجارة (^٣)».
والآبق عندهم كاللقطة فى هذا لأن الكلام قبل هذه العبارة فى جواز جعل الجعل لواحد. فقد جاء فى المغنى فى نفس الموضوع «ويجوز أن يجعل الجعل لواحد بعينه فيقول له: إن رددت عبدى فلك دينار استحق الجعل» ثم ذكر حالة ما إذا لم يجعله لواحد بعينه كما فى العبارة السابقة وفى نفس الصفحة.
وكذلك إذا حدد السيد مكانا فرده الراد من منتصف طريق هذا المكان مثلا، فقد جاء فى المغنى (^٤) «وإن قال: من رد عبدى من بلد كذا فله دينار فرده إنسان من نصف طريق ذلك البلد استحق نصف الجعل».
هذا إذا جعل جعلا واحدا. أما إذا جعل أجعالا مختلفة فإن كل واحد يأخذ من جعله بنسبة عمله، فقد جاء فى المغنى: «فإن جعل لواحد فى ردها دينارا، ولآخر دينارين، ولثالث ثلاثة فرده الثلاثة - فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له، لأنه عمل ثلث العمل فاستحق ثلث المسمى (^٥)».
وأما متى يستحق الجعل؟ فإنهم لا يجعلونه إلا بالرد بشرط أن يكون العمل بعد النداء بالرد، وسواء فى ذلك ما اذا كان قد شرط الجعل أو لم يشرط، لأنه حينئذ يستحق المقدر شرعا، فقد قال الخرقى فى المختصر:
«وإن كان التقطها قبل ذلك (أى قبل نداء صاحبها بالجعل) فردها لعلة الجعل لم يجز له أخذه (^٦)».
وجاء فى المغنى: «أما العبد الآبق فإنه يستحق الجعل برده وإن لم يشترط له (^٧)».
والجعل حينئذ هو المقدر شرعا، وقد سبق أن ذكرناه.
وليس للعامل حبس الآبق حتى يسترد الجعل، فقد جاء فى كشاف القناع: «وإذا رد العامل اللقطة أو العبد أو نحوهما لم يكن له الحبس، أى حبس المردود على الجعل، وإن حبسه عليه وتلف ضمنه (^٨)».
أما من يكون عليه الجعل فإنه يكون على السيد ولو مات، فقد جاء فى المغنى:
«ويستحقه إن مات سيده فى تركته (^٩)».
_________________
(١) ج ٦ ص ٣٥٢ الطبعة السابقة.
(٢) ج ٢ ص ٤١٩ طبعة العامرية الشرفية عام ١٩١٩.
(٣) ج ٦ ص ٣٥٢ الطبعة السابقة.
(٤) ج ٦ ص ٣٥٣ الطبعة السابقة.
(٥) ج ٦ ص ٣٥٣ الطبعة السابقة.
(٦) المغنى ج ٦ ص ٣٥٨ الطبعة السابقة.
(٧) ج ٦ ص ٣٥٥.
(٨) ج ٣ ص ٤١٨ طبعة المطبعة العامرية الشرفية.
(٩) ج ٦ ص ٣٥٦ طبعة المنار سنة ١٣٤٧.
[ ١ / ٢٠ ]
ومقتضاه أنه على صاحب العبد.
وهذا إذا أبق من يد سيده، أما إذا أبق من يد مستأجره فإن ما ينفقه عليه فى سبيل الرد يكون على المالك، فقد جاء فى المغنى:
«وقياس المذهب أن له الرجوع (أى الرجوع بما أنفق على الجمال التى استأجرها وهرب مالكها) لقولنا يرجع بما أنفق على الأبق وعلى عيال الغائب وزوجاته والدابة ألمرهونة (^١)».
وكذلك إذا كان مرهونا، فقد جاء فى المغنى: «أن مؤنة الرهن من طعامه وكسوته ومسكنه وحافظه وحرزه ومخزنه وغير ذلك على الراهن (^٢)».
ثم قال: «وإن أبق العبد فأجرة من يرده على الراهن».
وأما إذا كان مغصوبا فإن أجرة رده تكون على غاصبه، فقد جاء فى المغنى لابن قدامة:
«فإن المغصوب متى كان باقيا وجب عليه (أى الغاصب) رده، لقول الرسول ﵊: «على اليد ما أخذت حتى ترد» … ثم قال: «فإن غصب شيئا فبعده لزم رده وأن غرم عليه أضعاف قيمته، لأنه جنى بتبعيده فكان ضرر ذلك عليه (^٣)».