مقدار الجعل عند الحنفية كان بتقدير الشارع وهو قول الرسول ﵇ «جعل الآبق أربعون درهما» وهو أربعون درهما إذا رده من مسافة قصر للصلاة وهى ثلاثة أيام بلياليها فأكثر فإن رده لأقل من ذلك فقولان، قول بأن الجعل يكون بحسب المسافة التى رد منها منسوبة للأربعين درهما أى أنه إذا رده لربع مسافة القصر يكون له عشرة دراهم وإذا رده لنصفها يكون له عشرون درهما وهكذا، وقول بأنه يرضخ له أى يعطى قليلا غير كثير فإن اتفقا على الرضخ فبها، وإن اختلفا قدره الإمام وكذلك إذا رده فى المصر يكون بحسابه أو يرضخ له بناء على الرأيين السابقين وروى عند أبى حنيفة أنه لا شئ له إذا رده فى المصر، ولكن الرضخ هو المفتى به على ما ذكر صاحب الدر المختار وجعله صاحب رد المختار ابن عابدين نقلا عن صاحب البحر أنه الصحيح (^١)
ولا فرق فى إيجاب الأربعين بين ما إذا كانت قيمة الآبق أقل من أربعين أو أربعين فأكثر على الرأى المشهور عند الحنفية وهو رأى أبى يوسف، لأن تقديره ثبت بالنص بلا تعرض لقيمته فيمنع النقصان كما تمنع الزيادة ولذا يكون الصلح بأكثر منه غير جائز بخلاف الصلح على الأقل لأنه حط للبعض ولو حط الكل كان جائزا فكذا البعض، أما محمد فقد قال: تجب قيمته إلا درهما لأن وجوبه ثبت إحياء لحقوق الناس نظرا لهم ولا نظر فى إيجاب أكثر من قيمته، وقد روى أيضا عن كل من محمد وأبى يوسف مثل رأى صاحبه وروى عن أبى يوسف أيضا أنه ينقص منه قدر ما تقطع اليد (^٢)، أما أبو حنيفة فرأيه كرأى محمد كما ذكر الشهاب الشلبى فى حاشيته على كتاب تبيين الحقائق للزيلعى على الكنز نقلا عن شرح الطحاوى (^٣) وكذا ذكره الكمال ابن الهمام فى فتح القدير (^٤)، وقد ثبت الجعل للراد استحسانا وإن لم يشترط لأن القياس يقضى بأنه لا شئ له إلا بالشرط كأن يقول مالكه: من رد عبدى على فله كذا لأنه فى حالة عدم الشرط يكون متبرعا بمنفعته، ووجه هذا الاستحسان هو ما روى عن عمرو بن دينار أنه قال: لم نزل نسمع أنه ﵊ قال: «جعل الآبق
_________________
(١) الدر المختار ورد المختار ج ٣ ص ٣٥٨، ٣٥٩ طبعة دار الكتب العربية.
(٢) الزيلعى «تبيين الحقائق» على الكنز ج ٣ ص ٢٠٨ الطبعة الأميرية.
(٣) الزيلعى ج ٣ ص ٣٠٨.
(٤) فتح القدير ج ٤ ص ٤٣٦ الطبعة الاميرية.
[ ١ / ١٢ ]
أربعون درهما» فقد جعل الرسول ﷺ لرد الآبق جعلا، أما الضال فلا جعل فى رده لأنه لم يسمع عنه ﷺ جعلا فى رده فيلزم الاقتصار فى ذلك على مورد النص ولأن إيجاب الجعل فى رد الآبق حامل لواجده على رده إذ الحسبة نادرة فتحصل صيانة أموال الناس والحاجة إلى صيانة الضال أقل من الحاجة إلى صيانة الآبق، لأن الآبق يختفى عن أعين الناس هربا من الرجوع إلى سيده، أما الضال فإنه يظهر ليرده الناس (^١).
ويستوى فى وجوب الجعل كل رقيق أبق ولو كان فيه شائبة الحرية كالمدبر وأم الولد إلا المكاتب، فإنه لا جعل له، لأن المدبر وأم الولد وإن كان فيهما شائبة الحرية لتحرر المدبر بموت سيده متى خرج من الثلث وأم الولد تعتق بموت سيدها - إلا أنهما مملوكان للسيد ويستكسبهما كالقن، فيحصل بالرد إحياء المالية من هذا الوجه.
والجعل إنما كان لإحياء المالية، أما المكاتب فإنه أحق بمكاسبه، فلا يوجد فيه إحياء لمال المولى وهذا فيما إذا رد المدبر وأم الولد فى حياة المولى. أما إذا ردا بعد وفاته فلا جعل للراد بخلاف ما إذا رد القن بعد وفاته، وذلك لأن المدبر إن خرج من الثلث يعتق، ولا جعل فى الحر، وإن لم يخرج فكذلك عند الصاحيين، لأنه حر عليه دين، إذ العتق لا يتجزأ عندهما، وهو عند الإمام مكاتب ولا جعل على المكاتب، وأما أم الولد فإنها تعتق بموت سيدها، فلا جعل فيها لحريتها بعد موت سيدها ولا جعل فى الحر أما القن الذى جاء به الراد بعد موت سيده ففيه الجعل، لأنه لا يزال رقيقا (^٢).
أما متى يستحق الجعل فإن الراد يستحقه برده لسيده، فلو مات أو أبق منه قبل الرد فلا جعل له، ويعتبر متسلما له إذا باعه من الراد عند حضوره وقبل أن يقبضه بيده لسلامة البدل وهو الثمن له أى للسيد وكذا لو اعتقه فى هذه الحال لأن الإعتاق منه قبض، وكذا إذا وهبه لابنه الصغير لأن هبة الآبق لصغيره جائزة لأنه باق فى يده حكما فيصير قابضا للصغير باليد الحكمى الذى بقى له أما إذا وهبه لغير صغيره ولو كان للراد نفسه لا يكون قابضا قبل الوصول إلى يده (^٣) وهذا مشروط بأن يصدقه السيد فى الإباق فإذا أنكر المولى إباقه كان القول له مع يمينه إلا إذا شهد شهود أنه أبق من مولاه أو يشهدوا على إقرار المولى بإباقه (^٤) ولكنه يلزم مع ما تقدم لاستحقاق الجعل أن يشهد عند أخذه أنه أخذه ليرده على سيده متى تمكن من الإشهاد وإلا فلا يشترط الإشهاد ويكون القول قوله فى أنه لم يتمكن وإن لم يشهد عند أخذه مع التمكن لا يكون له الجعل لأنه يكون آخذا لنفسه فيكون
_________________
(١) الزيلعى ج ٣ ص ٣٠٨ الطبعة الأميرية.
(٢) الزيلعى ج ٣ ص ٣٠٩.
(٣) المبسوط ج ١١ ص ٢٢ طبعة الساسى والعناية وفتح القدير والهداية ج ٤ ص ٤٣٨ الطبعة الاميرية.
(٤) فتح القدير والهداية ج ٤ ص ٤٣٨.
[ ١ / ١٣ ]
غاصبا، ولو كان الراد قد اشتراه من واجده وأشهد حين اشتراه أنه قد اشتراه ليرده على سيده يكون له الجعل لأنه لا يقدر على رده إلا بالشراء ولكنه يكون متبرعا بالثمن وكذلك يلزم لاستحقاق الراد الجعل ألا يكون ممن يجب عليه ذلك ولا ممن يعمل متبرعا فليس للسلطان أو نائبه ولا لحافظ المدينة ولا للخفير جعل، لأن ذلك مما يجب عليه ولا لوصى اليتيم المالك للعبد ولا لعائله جعل لأن من شأنه حفظ ماله، وكذا من استعان به السيد فى رده كان يقول له السيد: إن وجدته فخذه فقال: نعم لأن ذلك متبرع بالإعانة، ومثله كل من جرت العادة بأنه يرده عليه تبرعا كأحد الزوجين أو أحد الأبناء أو أحد الشركاء أو من يكون فى عياله بأن يكون ممن يعوله المالك ويمونه فلا جعل للأب أو الأم إذا رد عبد الابن إذا كان فى عيال الابن (^١) أما إذا لم يكن أحد الأبوين فى عيال الابن فله الجعل لأن خدمة الابن غير مستحقة عليه (^٢).
واشتراط إشهاد الراد - عند أخذ الآبق - أنه أخذه ليرده حتى يستحق الجعل هو المشهور عند الحنفية، وهو رأى أبى حنيفة ومحمد، أما أبو يوسف فإنه يذهب إلى أنه يستحق الجعل وإن لم يشهد ما دام قد أخذه ليرده لا لنفسه، لأن الإشهاد غير واجب عليه عنده، بل مستحب (^٣)
أما من يكون عليه الجعل فهو السيد فيما ذكرنا: من القن والمدبر وأم الولد، وكذا إذا كان مأذونا ولم يركبه دين، أما إذا كان مأذونا وركبه دين فإنه يكون على السيد إذا اختار قضاء دينه، وعلى الغرماء إذا اختار بيعه فى الدين. وحينئذ يأخذ الراد جعله من الثمن، وما بقى يعطى لأصحاب الديون لأنه مؤنة الملك فيجب على من يستقر له الملك ويكون على صاحب الخدمة إذا أوصى سيده برقبته لشخص وبخدمته لأخر يدفعه المخدوم فى الحال ولكنه يرجع به على صاحب الرقبة عند انتهاء الخدمة أو يباع العبد فيه إن لم يدفع صاحب الرقبة الجعل، لأن الموصى له بالرقبة فى حكم المالك ويكون على المرتهن إذا كانت قيمته مساوية للدين أو أقل أما إذا كانت أكثر فعليه بقدر دينه والباقى على الراهن لأن حقه: أى المرتهن، بالقدر المضمون منه أى من العبد وهو قيمة الدين فلو كانت قيمته أربعمائة والدين ثلثمائة يكون على المرتهن ثلاثون وعلى الراهن عشرة لأن الجعل المقدر شرعا أربعون درهما وإن اصطلح على أقل يكون بهذه النسبة (^٤) ويكون على من سيصير اليه اذا كان العبد قد جنى خطأ قبل الإباق أو بعده قبل أن يأخذه الراد فيكون على المولى ان اختار
_________________
(١) الدر المختار ورد المختار (ابن عابدين) ج ٣ ص ٣٥٧ طبعة دار الكتب العربية الكبرى.
(٢) العناية على هامش فتح القدير ج ٤ ص ٤٣٧ الطبعة الأميرية.
(٣) حاشية الشلبى على شرح الزيلعى للكنز ج ٣ ص ٣٠٢ الطبعة الأميرية.
(٤) الزيلعى على الكنز ج ٣ ص ٣٠٩، ٣١٠ الطبعة الأميرية وفتح القدير ج ٤ ص ٤٣٩ الطبعة الاميرية.
[ ١ / ١٤ ]
فداءه وعلى أولياء الجناية إن اختار دفعه إليهم، ولو اختار المولى الدفع ثم قضى عليه بدفع العبد إلى أولياء الجناية كان له الرجوع على المدفوع إليه الجعل، وإنما كان الجعل على المولى إن اختار فداءه لأنه طهره عن الجناية باختياره فصار كإنه لم يجن وأحيا الراد ماليته بالرد عليه، وأما كون الجعل على أولياء الجناية إن اختار المولى دفعه بها فلأن الراد برده قد أحيا حقهم (^١).
أما الموهوب له هذا الآبق فقد جاء عنه فى الزيلعى «فإن الجعل عليه وإن رجع الواهب فى هبته بعد الرد لأن الموهوب له هو المالك وزوال ملكه فى حالة رجوع الواهب بعد الرد إنما كان بتقصير منه وهو بتركه التصرف فيه فلا يسقط عنه ما وجب عليه بالرد، أما إذا كان الآبق مغصوبا فإن جعله على الغاصب لأن ضمان جناية العبد المغصوب تكون على الغاصب، وإذا كان الأبق ملكا لصبى فجعله فى ماله لأنه مؤنة ملكه (^٢)» وما دام الجعل يكون على المالك فى بعض الأحوال. «فإنه إذا كان الآبق مشتركا بين شخصين يكون على كل واحد من الجعل بقدر نصيبه فلو كان أحدهما غائبا فأعطى الحاضر الجعل كله للراد لا يكون متبرعا بنصيب الغائب لأنه لا يمكن أن يأخذه حتى يعطى تمام الجعل فيكون له الرجوع على الغائب بما أصابه من الجعل لأنه مضطر فيما أعطاه للراد إذ أنه لا يصل إلى نصيبه إلا بذلك (^٣)».