الجعل عندهم ما شرطه المتجاعلان فى الجعالة، أو ما سماه الجاعل، كأن يقول:
من رد عبدى أو ضالتى فله كذا. ويكون هذا المسمى هو الجعل. ويستحقه من سمع النداء وفعل، لا من لم يسمع (^٤).
ومقتضى قولهم: لا من لم يسمع صادق بصورتين: ألا ينادى صاحب الآبق بجعل، أو ينادى ولكن لم يسمعه الراد. وعلى هذا لا بد أن يكون هناك جعل مسمى، وأن يسمع الراد تسميته.
وقد ينتقل الجعل من المسمى إلى أجرة المثل، وذلك فيما إذا اختلفا فى مقدار الجعل، فقد قال صاحب البحر الزخار:
«وأما فى قدر الجعل (أى اذا اختلفا عليه) فكالأجرة (^٥)».
وحكم الأجرة إذا اختلفا جاء فى قول صاحب البحر الزخار: «وإذا اختلفا فى قدر الأجرة أو جنسها ولا بينة تحالفا وبطل العقد، وتجب أجرة المثل بعد العمل (^٦)».
ومقتضى هذا أنه إذا لم توجد بينة يتحالفان، ويبطل العقد، ويكون للراد أجرة مثل عمله. أما إذا بينا فقد قال فيه صاحب البحر الزخار: «فإن بينا فبينة مستحقها أولى، إذ هو الخارج» ثم قال قلت:
القياس أن القول للمستأجر كالمشترى (^٧)».
ومقتضى هذا ان بينة الراد تقدم، ولكن صاحب البحر الزخار اختار أن تقدم بينة رب العبد.
وكذلك يكون له أجر المثل إذا كان المسمى مجهولا، فقد جاء فى البحر الزخار (^٨):
«فإن عقدا على أن الحاصل بينهما أى شركا فسد العقد لجهالة الأجرة كجهالة الثمن
ثم قال ومتى فسد العقد لجهالة الأجرة من أصله لزمت أجرة المثل بعد استيفاء المنافع أو بعضها، كتفويت العين المملوكة». وقد
_________________
(١) ج ٦ ص ٩٨ الطبعة السابقة.
(٢) ج ٤ ص ٤٩٥ - ٤٩٦ الطبعة السابقة.
(٣) ج ٥ ص ٤٢٣ طبعة المنار سنة ١٩٤٧.
(٤) انظر البحر الزخار ج ٤ ص ٦٢ - ٦٣ الطبعة الأولى سنة ١٩٤٩.
(٥) ج ٤ ص ٦٣ الطبعة السابقة.
(٦) ج ٤ ص ٦١ الطبعة السابقة.
(٧) ج ٤ ص ٦١ الطبعة السابقة.
(٨) البحر الزخار ج ٤ ص ٣٣ الطبعة السابقة.
[ ١ / ٢١ ]
نسب هذا إلى العترة من الزيدية، وارتضاه.
ويعتبر الجعل الأخير هو الجعل المسمى إذا سمى اجعالا مختلفة فى أزمان مختلفة فقد جاء فى البحر الزخار: وتدخلها، «أى الأجرة المجعولة» الزيادة والنقص، كمن رد ضالتى فله مائة، ثم قال من ردها فله خمسون، ونحو ذلك - ويستقر الأخير منهما (^١).
والجعل الذى يستقر يستحقه الراد، أو يستحق منه بقدر عمله إذا كان رب العبد قد عين مكان الأخذ فقد جاء فى البحر الزخار: ولو قال: من رد عبدى من مكة فرده من نصف الطريق استحق النصف وكذا ما أشبهه، ولو رد من غير جهتها لم يستحق شيئا وإن كان أبعد (^٢).
وأما وقت استحقاق الجعل فإنهم قالوا إنما يستحق الجعل بعد تمام العمل فلو هرب الآبق بعد إيصاله إلى باب المالك سقط الجعل.
وظاهر من عبارة (فلو هرب … الخ) أن تمام العمل يكون بقبض ربه له. ولكن هل يلزم قبضه وتسلمه بالفعل، أو يكفى التمكين من قبضه؟ الظاهر من فروعهم أن التمكين من قبضه يكفى، لأنهم قالوا يصح للراد أن يحبس الآبق ولا يسلمه لربه حتى يستوفى النفقة، والجعل حقه كالنفقة، وقد جاء بخصوص النفقة على الآبق فى البحر الزخار: «وينفق عليه (أى على الآبق) من كسبه إن كان، وإلا فكالقطة (^٣).
وجاء فيما يتعلق بنفقة اللقطة قوله:
ويرجع بما أنفق عليها أو لنقلها … ثم قال:
وله حبسها حتى يستوفى بما أنفق (^٤).
وأما من يكون عليه الجعل فإنه يكون على مالكه إذا أبق من يده، فإن أبق من يد غيره فإن كان مستأجرا فأبق من يد مستأجره فلا جعل عليه فقد جاء فى البحر الزخار من المبادئ ما يدل عليه وإن لم يكن نصا فيه إذ جاء فيه أن يد المستأجر يد أمانة، فقد قال: ويضمن بالتضمين، ويصير كالمستأجر على الحفظ ببعض المنافع فصح كتضمين العارية (^٥).
ومقتضاه أن العين المؤجرة أمانة فى يده، وهو لا يضمنها - إن لم يضمن - إلا بتقصير أو تعد فأولى ألا يلتزم بجعل ردها وأما إذا كان مرهونا فإن كان هو الذى جاعل على ردها يكون عليه أن يدفع الجعل للعامل، لأن المطالب بالجعل هو المجاعل.
والظاهر من مبادئهم أنه يرجع به على المالك فقد جاء فى البحر الزخار «ومؤن الرهن كنفقته وتجهيزه وتكفينه … ونحو ذلك - على الراهن (^٦)».
وأما إن كان مغصوبا فعلى غاصبه، فقد جاء فى البحر الزخار: «ويجب الرد الى موضع ألغصب وإن كان له مؤنة لوجوب رده كما أخذه، وهذا من صفاته».
وقد نسب هذا إلى أبى طالب الآملى أحد علماء العترة. والقاضى زيد الجيلى علامة الزيدية (^٧).
أما إذا أبق من الوصى فالجعل فى مال المالك القاصر، لأن يد الوصى يد أمانة.
_________________
(١) ج ٤ ص ٦٣ الطبعة السابقة.
(٢) ج ٤ ص ٦٣ الطبعة السابقة.
(٣) ج ٤ ص ٢٧٩ - ٢٨٠ الطبعة السابقة.
(٤) ج ٤ ص ٢٨٢ الطبعة السابقة.
(٥) ج ٤ ص ٣٣ الطبعة السابقة.
(٦) ج ٤ ص ١٢٠ طبعة سنة ١٩٤٩ م.
(٧) ج ٤ ص ١٧٩ الطبعة السابقة.
[ ١ / ٢٢ ]