مقدار الجعل عندهم هو ما سماه الجاعل وسمعه العامل مباشرة أو بالواسطة وليس عندهم قدر معين شرعا فى الجعل كما هو عند الحنفية على نحو ما ذكرنا عنهم فقد قال الدردير فى الشرح الكبير: من سمع قائلا يقول: من يأتينى بعبدى الآبق مثلا فله كذا فأتاه به من غير تواطؤ فإنه يستحق ما التزمه الجاعل (^٤).
وقد ينتقل الجعل من المسمى إلى جعل المثل فقد قال الدسوقى: لا يشترط العلم بالمجعول عليه بل تارة يكون مجهولا كالآبق فإنه لا بد فى صحة الجعل على الإتيان به ألا يعلم مكانه فإن علمه ربه فقط لزمه الأكثر مما سمى وجعل المثل وإن علمه العامل فقط كان له بقدر تعبه عند ابن القاسم، وقيل لا شئ له وإن علماه معا فينبغى أن له جعل مثله نظرا لسبق الجاعل بالعداء (^٥) وكذلك يستحق جعل المثل إذا لم يسمع العامل - ولو بالواسطة - الجاعل حينما سمى جعلا فى رد آبقه إذا كان هذا العامل من عادته رد الإباق فقد قال الدسوقى: «ولمن لم يسمع الجاعل أى لا مباشرة ولا بالواسطة وإلا استحق المسمى بتمام العمل وحاصله أنه إذا قال المالك من أتى بعبدى الآبق فله كذا فجاء شخص لم يسمع كلام ربه لا مباشرة ولا بالواسطة أو أن ربه لم يقل شيئا فجاء به
_________________
(١) الدر المختار وشرحه رد المختار (ابن عابدين) ج ٣ ص ٣٥٩ طبعة دار الكتب العربية والزيلعى على الكنز ج ٣ ص ٣١٠ الطبعة الأميرية.
(٢) الزيلعى على الكنز ج ٣ ص ٣١٠.
(٣) الفتاوى الانقروبة ج ١ ص ١٩٩ الطبعة الأميرية.
(٤) الدردير على الشرح الكبير ج ٤ ص ٦٠، ٦١ طبعة دار إحياء الكتب العربية.
(٥) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج ٤ ص ٦١ طبعة دار احياء الكتب العربية.
[ ١ / ١٥ ]
شخص فانه يستحق جعل المثل سواء كان جعل المثل أكثر من المسمى أو أقل منه أو مساويا له بشرط كون ذلك الشخص الآتى به من عادته طلب الإباق قان لم يكن عادته ذلك فلا جعل له وله النفقة فقط (^١)» والمراد من النفقة التى ذكرها هو ما أنفقه فى سبيل تحصيله فقد قال الدسوقى نفسه: أى فله ما أنفقه حال تحصيله على نفسه وعلى العبد من أجرة دابة أو مركب اضطر إليها بحيث لم يكن الحامل على صرف تلك الدراهم إلا تحصيله لأن تلك الدراهم بمثابة ما فدى به من ظالم، أما ما شأنه أنه ينفقه العامل على نفسه فى الحضر كالأكل والشرب فلا يرجع به على ربه، ثم قال تعليقا على كلام الدردير: وما أنفقه عليه من أكل وشرب، الأولى اسقاط ذلك لأن نفقة الطعام والشراب والكسوة على ربه ولو وجب للعامل جعل المثل أو المسمى فإذا قام بها العامل رجع بها عليه (^٢) أما إذا سمعه من شأنه رد الإباق ولو بالواسطة فلا شئ له إلا المسمى وفى حالة ما إذا لم يسمعه يكون لرب الآبق أن يترك عبده للعامل فقد قال الدردير: ولربه - أى الآبق - تركه للعامل حيث لم يسمع من عادته طلب الضول وأتى به لربه كانت قيمته قدر جعل المثل أو أقل أو أكثر ولا مقال له، بخلاف ما ادا سمعه سمى شيئا ولو بالواسطة فله ما سماه ولو زاد على قيمة العبد لأن ربه ورطه (^٣) وكذلك يكون له جعل المثل إن اختلفا فى الجعل وتحالفا ولم يشهد الظاهر لقول أحدهما، فقد جاء فى الشرح الكبير للدردير بعد أن ذكر أن جعل المثل يكون لمن لم يسمع ولكنه معتاد لطلب الإباق: كحلفهما أى المتجاعلين بعد تخالفهما أى بعد اختلافهما فى قدر الجعل بعد تمام العمل ولم يشبها أى لم يشبه أحدهما فى قوله ظاهر الأمر فيقضى له بجعل المثل (^٤) وإن جاء به اثنان يكون الجعل بنسبة ما سمى لكل منهما فقد جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أن رب الآبق إذا جعل لرجل درهما على أن يأتيه بعبده الآبق وجعل لأخر نصف درهم على أن يأتيه بعبده فأتيا به معا فإنهما يشتركان فى ذلك الدرهم، إذ هو غاية ما يلزم رب العبد بنسبة ما سماه لكل منهما بجموعة التسميتين فيأخذ الأول ثلثه ويأخذ الثانى ثلثه لأن نسبة نصف الدرهم إلى درهم ونصف: ثلث، ونسبة الدرهم كذلك ثلثان. ثم ذكر أن هذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم، وآن ابن نافع وأبن عبد الحكم قالا أن لكل واحد منهما نصف ما جعل له، ورجحه التونسى واللخمى (^٥).
هذا ما يتعلق بمقدار الجعل أما متى يستحق الجعل فإنه يكون عند تسليم الراد الآبق لسيده وذلك يكون بتمكينه منه أو أن يكون الآبق قد استحق لشخص آخر أو حرره سيده بعد وصوله إلى بلد صاحب الآبق وقبل قبضه له. فقد جاء فى شرح الدردير وحاشية الدسوقى عليه «يستحقه أى الجعل السامع من الجاعل ولو بواسطة أن ثبت أنه قاله بالتمام للعمل بتمكين ربه منه وذلك بأن يمكن المجاعل رب الشئ المجاعل عليه منه فإن أبق قبل قبضه
_________________
(١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ج ٤ ص ٦٤ طبعة دار إحياء الكتب العربية.
(٢) المرجع السابق ص ٦٥ الطبعة السابقة.
(٣) المرجع السابق ص ٦٤، ٦٥ الطبعة السابقة.
(٤) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ج ٤ ص ٦٤ الطبعة السابقة.
(٥) المرجع السابق ص ٦٥ الطبعة السابقة.
[ ١ / ١٦ ]
بعد مجئ العامل به لبلد ربه لم يستحق العامل جعلا» (^١).
وقال الدردير أن من أتى بالعبد الآبق فاستحقه شخص أو استحق بحرية فإنه يستحق الجعل على الجاعل ولو لم يقبضه لأنه ورطه فى العمل ولولا الاستحقاق لقبضه واستولى علية ولا يرجع الجاعل بالجعل على المستحق عند ابن القاسم وهو المشهور وقد بين الدسوقى وقت الاستحقاق للآبق الذى لا يسقط به الجعل فقال: «وإن استحق أى بعد وصول المجاعل للبلد وقبل قبض ربه أما لو أستحق منه وهو فى الطريق قبل إتيانه للبلد فلا جعل له كما ارتضاه البنانى (^٢)».
واشترطوا لاستحقاق الجعل عند التسليم أو الاستحقاق بعد وصول البلد أن يكون هناك عقد جعالة بين سيد العبد وبين الراد وذلك يكون بإيجاب وقبول أو بأن يقول رب العبد من رد عبدى فله كذا وسمع الراد ذلك مباشرة أو بالواسطة إن ثبت أنه قاله كما قدمنا أما إذا كان راد الآبق ممن اعتادوا رد الإباق فإنه يستحق جعل المثل إن لم يتعاقد معه أو لم يسمع ولو بالواسطة أما إذا تعاقد معه فلا يستحق إلا ما سمى متى مكنه منه كما قدمنا وأما من يكون عليه الجعل فهو الملتزم له من المتجاعلين لأنه نشأ عن تعاقد.
قال الدردير فى الجعل المعلوم يستحقه السامع من الجاعل ولو بواسطة أن ثبت أنه قاله (^٣) وقال فى حالة ما إذا استحق الآبق قبل تسليمه لصاحبه فإنه أى العامل يستحق الجعل على الجاعل ولو لم يقبضه ثم قال ولا يرجع الجاعل بالجعل على المستحق عند ابن القاسم وهو المشهور.
وقد علق الدسوقى على هذا فبين الرأى الآخر غير المشهور فقال أى خلافا لمحمد بن المواز القائل للجاعل أن يرجع على المستحق بالأقل من المسمى ومن أجر المثل (^٤).