كان لكل مجتهد من فقهاء الصحابة والتابعين من أخذوا عنه واتبعوه. غير أن الوسيلة الوحيدة إذ ذاك للنقل كانت الحفظ، ينقل عن كل مجتهد ما ذهب إليه غير مختلط بما ذهب إليه أصحابه ومن أخذ عنه. ولما بدأ التدوين دون أصحاب المجتهدين أقوالهم وأقوال أساتذتهم مجتمعة، أو أملى المجتهد مذهبه، ثم لم يلبث أصحابه أن دونوا كما دون السابقون، وأطلق فيما بعد اسم الأستاذ على المجموعة كلها، ونسب هذا المذهب المختلط إليه تكريما له واعترافا برياسته، كما هو الحال فى مذاهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وداود والطبرى.
أما الذين دونوا مذاهبهم بأنفسهم ولم يتدخل أصحابهم فى تدوينها كالثورى والأوزاعى وأبى ثور والليث، وأما الذين بقى حظ مذهبهم هو النقل من طريق الحفظ، فبقيت مذاهبهم مذاهب فردية لم تختلط فيها أقوالهم بأقوال غيرهم، وينقلها الآخرون فيما يدونون كما ينقلون مذاهب الصحابة والتابعين. ومنذ أواخر عصر التابعين ظهرت المذاهب الفقهية التى نشأت عن المذاهب السياسية ظهورا بينا، وهى:
[ المقدمة / ٣١ ]
مذاهب الخوارج، الذين كانوا يسمون أيضا بالحرورية، وكانوا هم يسمون أنفسهم الشراة وهم طوائف متعددة.
ولا يعرف لهم مذاهب فقهية إلا مذهب الإباضية الذى بقى حتى اليوم.
ومذاهب شيعة على ﵁، وهم طوائف كثيرة جدا، أشهرها الزيدية أتباع زيد بن على زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن على. والإمامية وهم فرق أشهرها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية (الجعفرية)، والإسماعيلية أو الباطنية ومنهم العبيديون أو الفاطميون الذين ظهروا بالمغرب ثم استولوا على مصر وما جاورها. والمذاهب الثلاثة لا تزال قائمة. وإن كان الغموض حليف فقه الإسماعيلية منذ ظهورها حتى اليوم.
ومذاهب من عدا الخوارج والشيعة أطلق عليها اسم مذاهب أهل السنة، كما أن الشيعة لا يطلقون اسم المؤمن فى كتبهم الفقهية إلا على من كان شيعيا ويسمون أهل السنة المسلمين العوام، والعامة. ورغم أن الكلام فى العقائد كثر جدا وكانت هناك فرق وآراء، وكان أظهر الآراء بين الفقهاء آراء أهل السنة (أشعرية وما تريدية)، والمعتزلة والقدرية والمشبهة وكان من هذه الآراء ما يطعن به بعض الفقهاء على البعض الآخر لينفر من اتباعه، غير أن المذاهب الكلامية لم تكن سببا فى تمييز مذاهب فقهية كما أدى الى ذلك الاختلاف السياسى.
والمذاهب الفقهية كغيرها من الكائنات لا تقوم ولا تحيا إلا بحيويتها هى وقوة مناعتها، وما يكتب لها من القبول، وما يهبها الله ﷾ من كثرة الأتباع وقوة عارضتهم وما منحوا من حصافة الرأى
وقد يكون للسلطان دخل فى ذلك ولكنه ليس كل شئ كما يرى ابن حزم، بل هو آخر العوامل فى مثل هذه الأمور الدينية التي يسندها الايمان والاعتقاد أكثر من أى شئ آخر، وإلا فلم كان منصب القضاء والقرب من أولى الأمر سببا فى انتشار مذهب أبى حنيفة فى العراق، ولم يكن سببا لانتشاره فى مصر ولا فى سائر الأقطار الأخرى، مع أن الخلافة واحدة والدولة فى ذروة قوتها؟
وإذا كان سلطان الحكم بن هشام والقربى منه قد أعانا على دخول مذهب مالك وانتشاره بالأندلس فلم لم يقض عليه ما كان بين الحكم نفسه وبين يحيى بن يحيى وزمرة الفقهاء من الفتن والثورات، ولم أعرض المصريون أتم الإعراض عن مذهب الفاطميين وقد بقى سلطانهم بمصر الأمد الطويل وكان لهم من أساليب الدعاية ما هو معروف، ولم لم يحول سلطان الأتراك ونفوذهم أهل مصر عن المذاهب التى يتبعونها؟
إن المسألة مسألة القوة والحيوية للمذهب نفسه ولأتباعه قبل كل شئ.
ولسنا ننكر أن فى كل عصر من يغريهم السلطان والقربى من أهله ومن يرجون النفع باعتناق فكرة أو مذهب معين.
ولكنهم على الدوام تافهون، ولم يكونوا يوما من العوامل القوية التى يكون لها الأثر الواضح فى المحيط العام ولا يتجاوز
[ المقدمة / ٣٢ ]
أثرهم المناطق الخاصة، فالمسلم فى كل عصر لا ينزع إلى مذهب ديني إلا عن عقيدة منشؤها أما النظر والبحث إن كان من أهلها، وأما الثقة بمن يحبهم ويجلهم وتربى فى حجورهم، وأما الدعاية البارعة المحببة ممن لهم مكانة فى نفوس العامة، أما سيف المعز وذهبه فقل أن يفلحا فى مثل هذا الأمر.
فالدين الإسلامى نفسه لم ينتشر إلا بقوته ومنعته ومزاياه، وأى مذهب فقهى فسبيل انتشاره هو سبيل انتشار هذا الدين. وغفر الله لأصحاب نظريه السلطان. لقد ذهبوا إليها فى حسن نية، ولو تيقظوا إلى ما انفتح علينا من بعدهم لتدبروا أمرهم ولأعرضوا عنها بحق وعن بينة.
ويقيننا أنهم ما كانوا يعنون منها أكثر من أن السلطان مكن أتباع هذه المذاهب من الدعوة إليها، وإظهار ما فيها من القوة فحببوا فيها العامة بهذا وحده، كما كان يفعل زفر ابن الهذيل حينما كان قاضيا بالبصرة، فكان يدرس ويبدى الرأى الدقيق الذى ترضاه النفوس حتى إذا رأى الإعجاب من سامعيه قال لهم أن هذا هو مذهب أبى حنيفة.
وما زال يجرى على هذه الطريقة حتى حبب إليهم أبا حنيفة ومذهبه بعد أن كانت شقة الخلف واسعة بين الكوفة والبصرة بسبب الصراع فى مسائل العقائد. ولو أن أصحاب فكرة السلطان أرادوا غير هذا لكانوا على خطأ بين من شأنه أن يفتح علينا أبوابا من المطاعن المختلفة والمتربصون لهذا كثيرون. فالمذاهب الفقهية إنما عاشت بقوتها ِومنعتها، وبأتباعها وحسن أسلوبهم فى الدعاية والتحبب وإظهار المحاسن.
أما أسلوب الطعن والتشهير بالمذاهب فأسلوب ممقوت إن ارتضاه واحد لعنه مئات، وإن راج فى لحظة انحط قدره سنوات وسنوات، وهكذا كان حكم الرأى العام على أسلوب إمام الحرمين والرازى والخطيب البغدادى ومن نهج منهجهم فى الطعن على أبى حنيفة، وكذلك كان حكمه على من طعنوا على إمام دار الهجرة وعلى من طعنوا على غيره، وكان حكمه المبرم أنهم جميعا أئمة هدى ومن سلك طريق أى واحد منهم لقى الله سالما.
ومن المذاهب الفقهية ما قصر أجله، ومنها ما طال عمره وقوى نفوذه. ومذاهب الصحابة والتابعين ليست مما نعنيه بهذا القول، فهى الموارد الفعالة والعناصر القوية التى تكونت منها مذاهب فقهاء الأمصار واندمجت فيها اندماجا لم يميزها على حده فى الكتب الفقهية المذهبية.
ومع هذا بقيت متميزة محفوظة فى كتب الآثار، وفى كتب اختلاف الفقهاء، وفى كتب التفسير الأولى وشروح الحديث الموسعة، ونقلت إلينا نقلا صحيحا، وهى الذخيرة الأولى الباقية، وهى الضياء الهادى فى كل عصر، فلا يصغ إلى ما قاله إمام الحرمين وابن الصلاح فى شأن اتباعها والأخذ بها، فليس ذلك إلا عصبية مذهبية عرفت عن نفر قليل من الشافعية.
ومن المذاهب الفقهية من لم يعرف أنه كان له من الأتباع من التزموا الأخذ بها فهى كما نشأت حتى اليوم ولا نعرف من أحكامها الا
[ المقدمة / ٣٣ ]
ما نقل إلينا فى ثنايا الكتب الفقهية أو كتب اختلاف الفقهاء.
أما سفيان الثورى الذى توفى سنة ١٦١ هـ فكان له أتباع أخذوا عنه ورووا كتبه ولكنه مات مستترا من ذوى السلطان ودفن عشاء. وكان قد أوصى فى كتبه فمحيت وأحرقت. وكان من الآخذين عنه أناس باليمن، وآخرون بأصفهان، وقوم بالموصل وقد انقرض أهل هذا المذهب فى وقت قصير جدا ثم اختفت كتبهم.
أما عبد الرحمن الأوزاعى المتوفى سنة ١٥٧ هـ فقد انتشر مذهبه بالشام حتى ولى قضاء دمشق أبو زرعة محمد بن عثمان من أتباع الشافعى الذى أدخل مذهبه بالشام وعمل على نشره، وكان يهب لمن يحفظ مختصر المزنى مائة دينار. وبالدعوة إلى هذا المذهب انقرض أتباع الأوزاعى بالشام فى القرن الرابع. وكان مذهب الأوزاعى الغالب على أهل الأندلس، ثم انقطع هناك بعد المائتين وتغلب مذهب مالك.
ويقول ابن فرحون المتوفى سنة ٧٩٩ هـ ان داود بن على المتوفى سنة ٢٧٠ كثر أتباعه وانتشر مذهبه ببلاد بغداد وبلاد فارس وأخذ به قليلون من أهل إفريقية وأهل الأندلس وهو ضعيف الآن أى فى عصر ابن فرحون.
ويقول ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨:
إن مذهب أهل الظاهر قد اندرس اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحليه ولم يبق إلا فى الكتب المجلدة وربما عكف عليها كثير من الطالبين الذين تكلفوا انتحال هذا المذهب ليأخذوا منه مذهبهم وفقههم فلا يظفرون بطائل، ولا ينالون إلا مخالفة الجمهور وإنكارهم عليهم وربما عدوا مبتدعين بنقلهم العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين.
وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو مرتبته فى حفظ الحديث، وصار إلى مذهب أهل الظاهر، ومهر فيه باجتهاد زعمه، وخالف إمامهم داود، وتعرض للكثير من أئمة المسلمين فنقم ذلك الناس عليه، وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا وتلقوا كتبه بالإغفال والترك، حتى أنه ليحظر بيعها بالأسواق وربما مزقت فى بعض الأحيان.
وهذا التعصب البغيض لم يقو على هدم الإمام ابن حزم ولا على إبادة الكثير من مؤلفاته وبقيت آراؤه واجتهاداته ومؤلفاته نبعا فقهيا صافيا فياضا، لم يذهب ببهجتها وجلالها وروعتها ما فيها من سلاطة القول، وشناعة التشهير بمخالفيه.
أما الطبرى، أبو جعفر محمد بن جرير المتوفى سنة ٣١٠ فقد أخذ الفقه عن داود، ودرس فقه أهل العراق ومالك والشافعى على رجاله، ولم ير أحمد فقيها وما رآه إلا محدثا، ولذا شنعوا عليه بعد موته. وبعد أن نضج كان له مذهب فى الفقه اختاره لنفسه وكان له أتباع من أجلهم المعافى النهروانى القاضى، وكانت له ولأتباعه مؤلفات فقهية لكنها لم تصل إلينا ولولا تفسيره الجليل ما وصل إلينا هذا القدر القيم من مذهبه. ولم نقف حتى الآن على أنه كان له أتباع موجودون بعد القرن الرابع.
والمذاهب الفقهية الباقية أتباعها حتى اليوم هى المذاهب الأربعة ومذهبا الزيدية
[ المقدمة / ٣٤ ]
والجعفرية (الإمامية الاثنا عشرية) ومذهب الإباضية. أما الفرقة الإسماعيلية فلها أتباعها ولكن فقهها ليس بظاهر.
والمذهب الحنفى قد انتشر من العراق ودخل مصر والروم وبلخ وبخارى وفرغانة وطشقند وخيوى وخوارزم وبلاد فارس وأكثر بلاد الهند والسند وبعض بلاد اليمن وغيرها، ولما قامت دولة الأتراك العثمانيين كان مذهب الدولة.
والحنفية اليوم يوجدون بقلة فى شمال أفريقيا وأكثرهم بتونس وأكثرهم من بقايا الأسر التركية، وتمتاز حاضرتها بمشاركة القضاء الحنفى للقضاء المالكى وفيها كبيرا المفتين وهما حنفى ومالكى، وكان الحنفى يلقب بشيخ الإسلام وله التقدم على المالكى وكان المتبع أن يكون نصف مدرسى جامع لزيتونة من الحنفيين والنصف الآخر من المالكيين.
ورغما من أن سلسلة العلماء من الحنفيين لم تنقطع بمصر كان إقبال أهلها على اتباع هذا المذهب ضعيفا ويكاد يكون قاصرا على الأسر التركية والشركسية وما إليها، وبتوالى الزمن كادت مدارسة هذا المذهب تكون قاصرة على المدرسين والطلاب برواق الأتراك، ورواق الشوام بالأزهر، غير أن الشيخ محمدا الرافعى حبب نخبة صالحة من المصريين فى دراسة هذا المذهب وانضم إلى ذلك إنشاء أبى بكر راتب باشا مدير ديوان عموم الأوقاف (وزارة الأوقاف) لرواق الحنفية بنصيحة من مفتى الحنفية وشيخ الأزهر الشيخ محمد المهدى العباسى.
أنشأه من ماله ووقف عليه الأوقاف الكافية ورتب للعلماء والطلاب ما يجرى عليهم من الخبز والمال، كما انضم إليه أيضا أن الإفتاء والقضاء يكونان بهذا المذهب بإلزام من الخليفة فازداد علماء هذا المذهب وطلابه باطراد حتى أصبح أهله أكثر من أهل أى مذهب آخر، ولكن هذا لم يغير من الوضع خارج معاهد التعليم، ويكاد يكون نصف أهل الشام اليوم من الحنفية، وكانوا قلة بفلسطين، وهم الأكثرون من الأتراك العثمانيين والألبان وسكان بلاد البلقان وهم قليلون فى بلاد فارس. وهم الأكثرون فى تركستان الغربية وتركستان الشرقية وبلاد القوقاز وما والاها، والكثرة الساحقة من مسلمى باكستان هم الحنفية، وهم الأقلون فى سيام نزحوا إليها من الهند وفى البرازيل نحو ٢٥ ألف حنفى.
ونشأ مذهب مالك بالمدينة وأدخله بمصر عبد الرحمن بن خالد وعثمان بن الحكم ونشراه بها هما وعبد الرحمن بن القاسم ثم زاحمه مذهب الشافعى بها. وانتشر فى أوائل القرن الخامس بأفريقيا وسائر بلاد المغرب.
كما دخل الأندلس فى عهد هشام وتغلب هناك. وكان بالقرن الرابع بالعراق وبالأهواز، وهو اليوم متغلب فى بلاد المغرب، أى شمال أفريقية، وفى السودان وفى صعيد مصر وينافسه المذهب الشافعى فى المدن وفى بلاد الوجه البحرى. ويغلب فى قطر وفى البحرين والكويت، كما يوجد فى بعض مدن الحجاز.
ومذهب الشافعى ظهر بمصر وبالعراق، وغلب على بغداد وكثير من بلاد خراسان والشام واليمن ودخل بلاد ما وراء النهر وبلاد فارس والحجاز وبعض بلاد الهند،
[ المقدمة / ٣٥ ]
ودخل شئ منه أفريقية والأندلس، والشافعية فى العراق وخراسان وما وراء النهر شاركوا الحنفية فى الفتوى والتدريس وعقدت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب الاختلاف بأنواع حججهم كما نجد العناية بذلك واضحة فى كتب كل من المذهبين التى ألفها فقهاء تلك البلاد من الفريقين.
وهو اليوم يزاحم مذهب مالك بمصر، ويتبعه نحو الربع من أهل السنة بالشام، كما يتبعه الأقلون من أهل فلسطين قبل نكبتها.
وله المرتبة الثانية بعد مذهب أبى حنيفة فى العراق، ويغلب فى بلاد الأكراد وبلاد أرمينية، وأكثر السنيين من أهل فارس شافعية، ومنهم أقلية فى القوقاز والهند.
ويغلب فى جاوة وسيلان والفلبين وسيام والهند الصينية واستراليا والحجاز واليمن وعدن وحضرموت.
ومذهب الحنابلة ظهر ببغداد ومقلدوه منذ ظهوره كانوا قليلين وكان أكثرهم بالعراق والشام، ولم يسمع بأنه كان له تغلب الا ببغداد حوالى سنة ٣٢٣ هـ حيث استفحل أمرهم، وكانت منهم بتلك السنة فتنة الأمر بالمعروف، وكانت لهم فتنة مع الشافعية أيضا.
ويغلب هذا المذهب اليوم على أهل نجد، وأتباعه نحو ربع أهل السنة بالشام، ويوجد بعضهم بالأفغان والحجاز وقطر والبحرين.
وكاد ينقرض علماؤه ومتعلموه وأتباعه بمصر لولا ما كان من أبى بكر راتب باشا فى وقفه الذى وقفه على رواق الحنفية فقد جعل لعلماء وطلاب مذهب أحمد نصيبا هينا، كان السبب فى بقاء نفر يعدون على الأصابع ولا يعرف أن تقليده من عامة المصريين مر بخاطر أحد منهم.
أما الشيعة الإمامية الإسماعيلية أو الباطنية فقد ظهر مذهبهم فى شمال إفريقية ودخلوا به مصر حينما استولوا عليها وعلى بلاد الشام، وكان مذهبهم المذهب الرسمى وشاركه بعض المذاهب الأربعة وبقى بمصر مدة دولتهم غير أن أحدا من أهل مصر لم يتبع هذا المذهب.
وقد انقرض هذا المذهب وأهله من مصر بزوال دولة الفاطميين ولم يبق اليوم من هذه الطائفة سوى أتباع أغا خان بالهند وجنوب أفريقية وبعض بلاد الشام. ولا يعرف لهم فقه اليوم.
أما الشيعة الإمامية الاثنا عشرية فكان مذهبهم منتشرا بالعراق وآسيا الشرقية (^١) وبعض بلاد الجزيرة وهو اليوم بالعراق وفارس، وأتباعه أقلية فى البلاد الأخرى.
أما الزيدية فكانوا بالعراق وشرق آسيا والجزيرة، وهم اليوم باليمن.
ولكل من المذهبين فقهه القائم المتتابع وأئمتهم ومؤلفاتهم المدروسة المحققة.
وأما الإباضية (بكسر الهمزة وينطقها أهل شمال أفريقية بالفتح) فهم أتباع عبد الله بن إباض المتوفى حوالى سنة ٨٠ هـ فى عهد عبد الملك بن مروان. وقد وجدت الحركة الإباضية تربتها الخصبة فى بلاد العرب وبخاصة فى عمان حيث أصبحت بتوالى الزمن المذهب السائد بها، ودخل
_________________
(١) البلاد الواقعة شرق العراق والاناضول.
[ المقدمة / ٣٦ ]
هذا المذهب المغرب وانتشر بين البربر، وحكمت منهم أسر لم يزل حكمها إلا بقيام دولة الفاطميين، والإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا ولهم مذهبهم فى الإمامة وفى بعض العقائد. أما الفقه فإنهم فيه كغيرهم إلا بمقدار ما يتأثر بالمذهب السياسى وهم الآن بعمان، وشمال أفريقية، وزنجبار.