ولما انتشر الإسلام، واتسعت رقعته وتباعدت أطرافها، وكثرت الأمصار، وتفرق فقهاء الصحابة والتابعين فى الأقطار، واتسع نطاق الاجتهاد والاستنباط، وانتشرت الفتاوى وعظم اختلاف الآراء، كما كانت الفتن والأحداث، كان لا بد من تدوين السنة والفقه، فأقدم عليه العلماء قياما بحق العلم والدين، وبدأ التدوين بمعناه الصحيح واسترسل وتتابع حتى كان غيثا منهمرا.
ولم تتفق كلمتهم فى أول من بدأ التدوين. وتحديد ذلك تحديدا دقيقا ليس ميسورا، على أن الفائدة من الاشتعال بتحقيق ذلك ليس فيها جزاء يكافئ ما فيه من العناء.
ومن نظر فى الأقوال المختلفة عرف أن سعد بن إبراهيم قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز (وقد توفى سنة ١٠١) بجمع السنن فجمعت دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا.
وأن عبد العزيز بن محمد الداروردى المتوفى سنة ١٨٦ قال: أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب الزهرى المتوفى سنة ١٢٤.
وقال أبو الزناد: ما كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب الزهرى يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمنا أنه أعلم الناس.
ودون حماد بن سلمة بالبصرة، ومعمر باليمن، ولما حج المنصور سنة ١٤٣ رغب إلى مالك فى تأليف الموطأ، كما رغب هو وولاته العلماء فى التدوين.
وقد دون ابن جريج، وابن عروبة، وابن عيينة، والثورى، وغيرهم، ودون سائر فقهاء الأمصار وأصحابهم.
[ المقدمة / ٤٧ ]