الاتباع والتقليد لم يخل منهما عصر من العصور. فأصحاب رسول الله ﷺ لم يكونوا جميعا من المجتهدين فكان منهم المجتهد، وكان من يليه، وكان العامى وهكذا كان حال من جاءوا بعدهم. وما نعنى بطور التقليد إلا الطور الذى اختفى فيه ظهور أئمة مجتهدين مستقلين معترف لهم بذلك من الرأى العام الفقهى. ويبدأ هذا الطور من نهاية طور الاجتهاد وهو لم ينته بعد.
على أن هذا الطور لم يخل ممن ادعى الاجتهاد المطلق، أو ادعى له، كالقفال الصغير، وعز الدين بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، والسبكى، الذى يقول الصفدى إن تسويته بالغزالى ظلم له وإنما هو كسفيان الثورى، وكابنه عبد الوهاب صاحب جمع الجوامع والطبقات الذى يكتب فى ورقة لنائب الشام: «أنا اليوم مجتهد الدنيا على الاطلاق ولا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة».
وكان فى هذا العصر مجتهدون منتسبون كأبى جعفر الطحاوى المتوفى سنة ٣٢١ هـ من المنتسبين إلى مذهب أبى حنيفة، وكابن المواز، وقاسم الأموى القرطبى، والقاضى عبد الوهاب من المنتسبين إلى مذهب مالك، وكالمزنى ومحمد بن نصر المروزى وأبى بكر الصيرفى المنتسبين إلى مذهب أحمد وابن حزم المنتسب الى الظاهرية … فهؤلاء وأمثالهم كانت لهم موافقات للمذاهب التى انتسبوا إليها كما كانت لهم مخالفات واختيارات خارجة عنها.
وكان فى هذا الطور كثيرون من مجتهدى المسائل، أو من يسمون مجتهدى المذهب ومن أهل التخريج وأصحاب الوجوه وأهل الترجيح. فمن هؤلاء من الحنفية أبو منصور الماتريدى المتوفى سنة ٣٣٣ وأبو الحسن الكرخى المتوفى سنة ٣٤٠ والحاكم الشهيد المتوفى سنة ٣٤٤ والجصاص المتوفى سنة ٣٧٠. وإمام الهدى أبو الليث السمرقندى المتوفى سنة ٣٧٣، وأبو جعفر النسفى المتوفى سنة ٤١٤، وأبو على النسفى المتوفى سنة ٤٥٤ وأبو الحسن القدورى المتوفى سنة ٤٢٨ وأبو زيد الدبوسى المتوفى سنة ٤٣٠. وأبو العباس الناطفى المتوفى سنة ٤٤٠. وشمس الأئمة الحلوانى المتوفى سنة ٤٤٨، وشمس الأئمة السرخسى المتوفى سنة ٤٨٣، والصدر الشهيد المتوفى سنة ٥٣٦، وعلاء الدين الكاسانى المتوفى سنة ٥٨٧، وقاضيخان المتوفى سنة ٥٩٢ والميرغينانى المتوفى سنة ٥٩٣ هـ.
وكان من هؤلاء من المالكيين ابن أبى زيد القيروانى المتوفى سنة ٣٨٦، وأبو سعيد البرادعى صاحب التهذيب المتوفى سنة ٣٩٢، واللخمى المتوفى سنة ٤٧٨، والباجى المتوفى سنة ٤٩٤، وابن رشد المتوفى سنة
[ المقدمة / ٣٧ ]
٥٢٠، والمازنى المتوفى سنة ٥٣٦، وابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦، والقرافى المتوفى سنة ٦٨٤ هـ وخليل بن إسحاق.
وكان من هؤلاء من الشافعية أبو سعيد الاصطخرى المتوفى سنة ٣٢٨، والقفال الكبير الشاشى المتوفى سنة ٥٠٧، وأبو حامد الاسفرايينى المتوفى سنة ٤٠٦، وابن فورك المتوفى سنة ٤٠٦، وأبو اسحاق الشيرازى المتوفى سنة ٤٧٦، وأبو اسحاق الاسفرايينى المتوفى سنة ٤١٨، وأبو منصور عبد القادر بن طاهر المتوفى سنة ٤٢٩، والماوردى المتوفى سنة ٤٥٠، وابن اللبان المتوفى سنة ٤٤٦، وامام الحرمين المتوفى سنة ٤٧٨، وحجة الاسلام الغزالى المتوفى سنة ٥٠٥ والرافعى المتوفى سنة ٦٢٣ والنووى المتوفى سنة ٦٧٦، وابن الرفعة المتوفى سنة ٧١٠.
وكان من هؤلاء من الحنابلة أبو بكر الخلال المتوفى سنة ٣١١ وأبو بكر غلام الخلال المتوفى سنة ٣٦٣، وأبو القاسم الخرقى المتوفى سنة ٣٣٤، والقاضى أبو يعلى الكبير المتوفى سنة ٤٥٨، وأبو الخطاب المتوفى سنة ٥١٠، وأبو يعلى الصغير المتوفى سنة ٥٦٠، وموفق الدين بن قدامة المتوفى سنة ٦٢٠، وابن القيم المتوفى سنة ٧٥١، وابن مفلح المتوفى سنة ٧٦٣، وابن رجب المتوفى سنة ٧٩٥.
وكان فى الطبقة التى تلى جميع هؤلاء من لم يبلغوا مرتبتهم ولكنهم لجأوا إلى الاستظهار والأخذ والتفقه فلم يقفوا بالفقه جامدا وواجهوا الأحداث وقرروا الأحكام على وجه لا يتردد من يطلع عليه فى أنه اجتهاد ونظر فى الكتاب وفى السنة وفى وجوه المعانى كما يفعل المجتهدون تماما.
وإنك لتجد هذا واضحا فيما لا يكاد يحصى من المسائل، وأذكر منها على سبيل المثال ما كان بشأن فقدان وقت العشاء الذى جر إلى الكلام عن المنطقة القريبة من المنطقة القطبية الشمالية وعن المواقيت فيها. وما كان بشأن بيع الوفاء. والنزول عن الوظائف والمرتبات فى الأوقاف نظير عوض. وبشأن تصرفات الأصحاء فى بلد نشأ فيه الوباء، وبشأن التلفيق فى العبادة الواحدة والمعاملة الواحدة، وبشأن الحكر وما يتعلق به، وبشأن تناول القهوة المتخذة من شجرة البن، وبشأن استعمال الطباق (الدخان) سعوطا وتدخينا وامتضاغا، وبشأن السوكرة أو السوكرتاه وضمان ما يهلك من التجارة.
وإذا استثنينا المجتهدين من الأنواع الثلاثة لم تكن المصادر الفقهية مصادر لمن عداهم وما مصدرهم إلا ما نقل إليهم من كلام أئمة المذهب الذين يقلدون أهله، فهذا هو مصدرهم الوحيد. هكذا قالوا، وهكذا توارثوا هذا القول، ولكننا نجد من أهل هذه الطبقة الفقهاء المحصلين والمحدثين البارعين القادرين، ونجدهم يتغلغلون فى أدلة الأحكام على اختلاف أنواعها ويؤيدون ويزيفون فى قوة حجة ومتانة رأى، غير أن الرأى العام الفقهى لم يعترف لهم بأكثر من هذه المرتبة.
ولكن هذا المسلك لم يصب الفقه بأذى وسيان أن تكون مسايرة الحياة ومواجهة الأحداث باسم الاجتهاد أو باسم التخريج ونظائره أو باسم الأخذ والتفقه، ما دام الكل مؤديا للغاية ومحققا للمقصود.
[ المقدمة / ٣٨ ]
والفقه فى هذا الطور قد اتسع نطاقه وتمت مسائله وأخذ أوضاعا لها شأنها. فقد كثرت الفتاوى فى الواقعات والنوازل وفيها ما ينطوى على استنباط أحكام وفيها ما لا استنباط فيه ولكنه تطبيق للأحكام المعروفة يتفاوت القائمون به فى الدقة وملاحظة الاعتبارات الخفية. فكان هذا وما كان من اختلاف الروايات عن أئمة المذهب الواحد واختلاف آراء الفقهاء فيه كان كل أولئك سببا لتعدد الأقوال والحاجة إلى الترجيح ثم إلى قواعد للترجيح يعتمد عليها فى معرفة الراجح من ليس من أهل الترجيح واندمج كل هذا فى الفقه، فاتسع نطاقه.
وقد عنى الفقهاء فى هذا الطور بمسائل أصول الفقه التى ما كانت تعدو أن تكون مقدمة فقهية وما زالوا يبحثون ويتوسعون حتى جعلوا ذلك علما مستقلا.
وفى هذا الطور ظهر لون من الفقه لم يكن واضحا قبله حيث وضعت أصول للمسائل وقواعد كلية تدور فى أبواب مختلفة من الفقه، كما فعل الكرخى فى رسالته، وأبو زيد الدبوسى فى تأسيس النظر، وقاضيخان والحصيرى فى أوائل كل باب من شرحهما للجامع الكبير لمحمد، وصاحب جامع الفصول فى أكثر فصوله، وابن نجيم فى الأشباه والنظائر، والقرافى فى الفروق، وابن عبد السلام، والزركشى فى القواعد، وابن رجب فى القواعد الكبرى … كما توسعوا فى بيان الجمع والفروق بين المسائل، وفى وضع الألغاز الفقهية ومسائل المعاياة.
وفى هذا الطور لم تقف دراسة الفقهاء عند المذاهب التى ينتسبون إليها بل اتجهت عنايتهم إلى دراسة اختلاف الفقهاء وجمعة وتدوينه، فاشتغل به أبو جعفر الطحاوى ووضع فيه موسوعة بلغت نيفا وثلاثين ومائة جزء، اختصرها فيما بعد الجصاص، واشتغل به أيضا ابن جرير الطبرى يذكر فيه أحمد بن حنبل وقال إنه محدث وليس بفقيه، ولذلك رماه أتباع أحمد بعد موته بالرفض.
وكذلك اشتغل به المجتهد المنتسب أبو على الحسن بن خطير فجمع اختلاف الصحابة والتابعين والفقهاء، والنيسابورى الشافعى وله كتاب الانتصاف فى اختلاف العلماء قال فيه الشيرازى إنه مما يحتاج إليه الموافق والمخالف.
ولابن هبيرة الإفصاح. وللإسفرايينى فى الاختلاف كتاب الينابيع، وللشعرانى الميزان وهذه الثلاثة الأخيرة لم يذكر فيها إلا اختلاف المذاهب الأربعة ولم تكن كالتى ذكرت قبلها.
ومن الكتب التى كان أصل وضعها أن تكون مذهبية إلا أنها من أوسع كتب اختلاف الفقهاء: المغنى لابن قدامة الحنبلى، والمحلى لابن حزم، وهما البقية الباقية لنا من مبسوطات كتب الاختلاف.
وفى هذا الطور تحولت الدراسة إلى المختصرات المتعاصرة أو المتتالية فى كل مذهب، فانصرفت الهمم إلى شرحها والتعليق عليها كمختصرات الطحاوى والكرخى والقدورى والبداية للميرغينانى والوقاية والنقاية لصدر الشريعة وجده، وكنز النسفى وما كان بعدها من المختصرات عند الحنفية.
وكمختصر ابن أبى زيد وتهذيب البرادعى ومختصر ابن الحاجب فى الفروع ومختصر
[ المقدمة / ٣٩ ]
خليل بن إسحاق وأقرب المسالك للدردير ومجموع الأمير عند المالكية.
وكمختصر المزنى والمهذب والتنبيه للشيرازى والوجيز للغزالى والمنهاج للنووى والتحرير لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى والمنهج للسيوطى عند الشافعية.
والإقبال على هذه المختصرات التى عرفت أخيرا باسم المتون أدى إلى إهمال المبسوطات السابقة واعتبارها مراجع، فلم تلق من العناية بالتحرير والرواية ما لقيته المختصرات المتدارسة والمشروحة، فصارت عرضة للضياع، بل ضاع الكثير منها وما وصل إلينا وصل إلينا محرفا تحوم حوله شبهات، وبلغت العناية بالمختصرات أشدها ثم زادت أخيرا عن حدها، وكثر التعرض لتحليل ألفاظها وغير ذلك مما لا صلة له بالفقه وامتلأت بذلك الحواشى والتقريرات.
والمساجد كانت هى أماكن المدارسة الأصلية، وتقوم بجانبها بيوت العلماء، وفى بداية هذا الطور وجدت المدارس التى أنشئت ووقفت عليها الأوقاف التى تكفل معونة العلماء والطلاب وتكفل أرزاقهم كما وضعت بها الكتب الموقوفة التى يحتاجون إليها.
وربما كانت أول مدرسة هى المدرسة النظامية التى أنشأها نظام الملك بنيسابور للشيرازى، وتوالى بعدها انشاء المدارس النظامية فى بغداد ودمشق وغيرهما من البلاد.
وكثر إنشاء المدارس كثرة منقطعة النظير فى مصر والشام وما والاهما فى عهد الأيوبيين والمماليك، كما كثرت فى عهد الأتراك العثمانيين، وكان من أشهرها مدارس الآستانة الثمان.
وكانت مدارس للتفسير والحديث.
ومدارس للفقه، ومدارس لفقه مذهب بعينه، ولا ريب فى أن المدارس أدت للفقه الإسلامى أجل الخدمات وأخرجت أعلاما وأئمة فى الفقه، وفيها صنفت المؤلفات الفقهية العظيمة، وهى ككل أعمال هذه الحياة لا يمكن أن تخلو من نقص ولا أن تكون خيرا مطلقا، وهذا لا يبرر الحملة القاسية التى حملها على المدارس التلمسانى والمقرى من فقهاء المالكية فى القرن الثامن الهجرى فقد قالا إن المدارس كانت سببا فى ضياع الفقه، وذلك لأن هذه المدارس جذبت إليها طلاب العلم لما فيها من المرتبات الجارية عليهم، غير أنه لا يختار للتدريس بها من هو أهل لذلك وما سبيل القبول بها إلا الشفاعات والزلفى إلى ذوى الرياسة، أما الأكفاء فإنهم لا يدعون إليها، وإن دعوا لم يجيبوا، وإن أجابوا لم يوف لهم بما شرطوا فانصرفوا، وبذلك ضاع العلم وضاع الطلاب حتى أنه كان يجلس على كرسى الأستاذ من لم يقرأ الرسالة ولم يفتح كتابا وربما جلس للتدريس من طريق التوارث، إلى آخر ما قالا.
ولا ريب فى أن هذا خلل واضح ذو أثر سيئ ولكنه ليس خللا عاما فى كل المدارس، ولقد شهدنا مثل هذا الخلل فى رواق الحنفية، وقد كان خللا طارئا لم يكن فى عهد الأستاذ الإمام محمد عبده ونائبه عبد الكريم سلمان، وبالتزام الجادة والحزم فترة وجيزة عاد الحق الى نصابه.
[ المقدمة / ٤٠ ]
وكان بناء المدارس وما كان لها من أوقاف سببا لتدخل الحكومات الإسلامية فى شأن هذا التعليم بها ثم الإشراف عليه ثم تولى أمره كما هو الحال فى مصر وفى أكثر البلاد، وبذلك انقضى عهد التعليم والتعلم الفقهى الحر، اللهم إلا فى يسير من الأماكن.
وتعليم الفقه وتعلمه الآن فى المعاهد الدينية تعلم دينى كما كان من قبل. أما فى كليات الحقوق فتعليم تشريعى يتلقاه المسلم وغير المسلم.
ويعلم الفقه فى المساجد وفى المدارس بقدر ما يحتاج إليه المسلم فى تصحيح عبادته.
وبعد أن اتسع الكلام فى العقائد وفى الحديث رواية ودراية، وفى التفسير - كان لكل ناحية منها أهلها المختصون بها كما كان للفقه أهله.
وفى منتصف هذا الطور بدأ التعليم يكون مختلطا، وجمعت كل هذه العلوم إلى بعضها فى دور التعليم، فكان التعليم الدينى يتناول ما يسمى بالعلوم الآلية وهى النحو والصرف وعلوم البلاغة الثلاثة وأصول الفقه والمنطق والتوحيد والفقه والتفسير والحديث، وقد سرى فى المحيط الإسلامى ما أعجب به علماء الأتراك العثمانيين وأغرقوا فيه من الانغماس فى العلوم العقلية والفلسفية وتقدير البارز فيها وعدم المبالاة بالنبوغ فى غيرها وإن كان الفقه.
ثم كانت فيما بعد العودة إلى الطريقة المثلى طريقة التخصص فكانت للفقه فى أكثر الأقطار الإسلامية كليات الشريعة.
وما تقدم أول هذا الفصل عن المصدر الوحيد للمقلدين مهما كان مقدار تحصيلهم وما لهم من الذوق الفقهى هو الذى يجرى عليه الكثيرون.
ويخالفه على استقامة فريق آخر يرى أن الاجتهاد واجب على كل إنسان حتى على العامى ولهم فى ذلك تفصيلات وحجج يضيق عنها المقام.
وهناك طريقة أخرى يبدو منها الاعتدال هى طريقة ابن عبد البر وهى خاصة بالمتفقهة وأهل الفقه فعاب على طلاب العلم فى بلده وفى زمنه أن حادوا عن طريق السلف وأطرحوا الكتاب والسنة والآثار والوقوف على الإجماع والاختلاف، واعتمدوا على ما دون لهم من الرأى والاستحسان ومن مولدات الفروع بحجة أن من قبلهم كفاهم الرجوع إلى الأصول.
ومع ذلك فهم لا ينفكون عن ورود النوازل عليهم فيما لم يتقدمهم إلى الجواب عنه غيرهم فهم يقيسون على ما يحفظون من المسائل ويستدلون منها ويتركون طريق الاستدلال الصحيح وطالبهم بما يريده فى استفاضة، ومحصل ما يرمى إليه أنه لا يريد أن يكون هناك إلا متفقهة وطلاب ومجتهدون ولا يرضى عن الطبقات الوسطى التى يقول بها سواه كما لا يرضى عما يقول به الآخرون من اجتهاد المتفقهة والعوام.
وفى أواخر هذا الطور أخذ نطاق الفقه يضيق بزوال الحاجة الى كثير من أبوابه.
[ المقدمة / ٤١ ]