لغة تدوين الفقه هى اللغة العربية الفصحى، وكان المؤلفون الأولون ممن عرفوا بالفصاحة والبلاغة، أمثال محمد بن الحسن، والشافعى، وإذا كان ما بين أيدينا اليوم من مؤلفاتهم يشوبه شئ، فليس منشؤه إلا ما أصابها من التحريف وما وقع من السقط.
ولما كثر الاختلاط وتطاول الأمد، ونشأ اللحن، كان لهذا أثره فى اللغة التى دون بها الفقه فيما بعد، التى ظهرت عليها مسحة من مسحات العجمة، وقد أدى هذا - وما لعلم الفقه من طبيعته الخاصة - إلى أن كان له أسلوب معين، وإن كانت به عبارات لا تتفق مع قواعد اللغة.
ومن الناس من حاول التكلف لتصحيحها ولكنه ركب شططا، أما من أنصفوا فأراحوا أنفسهم وقرروا أنها من العبارات الخاصة بالفقهاء.
وفى الأزمنة الأخيرة عرف بجانب التأليف بالعربية التأليف باللغات الأخرى، كما يعرف من الرجوع إلى الفتاوى القاعدية ومعروضات المفتى أبى السعود وأمثالهما.
والمؤلفات الفقهية الأولى كانت سهلة سلسلة العبارة، سواء فى ذلك كتب الأصول أو شروحها والمختصرات. وكان الشرح مبسوطا موسعا، وكان شرحا بالقول، يبدأ بالعبارة المشروحة يتلوها الشرح متصلا بها، فتبدو عباراته متسقة كأنها عبارات كتاب واحد مستقل، وكان يطلق على هذه الشروح أسماء الكتب المشروحة. فيقولون مثلا «الجامع الصغير، للصدر الشهيد» و«الجامع الكبير، لقاضيخان»، ولا يعنون بهذا إلا شروحهم لهذه الكتب.
وكان من جمال هذه الشروح فوق هذا أن تشرح الكتب التى تحتاج إلى عناية «كالجامع الكبير» لمحمد بن الحسن، بأن تبدأ بذكر الأصول التى تنبني عليها، بأن تبدأ بالذى تشرحه وتتبعها بذكر كل مسألة مع بيان ابتنائها على هذه الأصول كما صنع كل من قاضيخان والحصيرى فى شرح «الجامع الكبير» لمحمد بن الحسن.
أما المتأخرون فمنهم من ألح عليهم حب الإيجاز وبالغوا فيه حتى خفيت معانى مختصراتهم وكاد بعضها يشبه الشفرة كمختصر خليل بن إسحاق المالكى. وقد عمد بعضهم إلى التعقيد فيما يأتى به من التعريفات حتى لا تكاد تفهم، كتعريفات ابن عرفة المشهورة.
أما شروحهم فأعرضت عن طريقة الشرح بالقول التى كان يجرى عليها المتقدمون وجعلوا عبارات المختصرات، المتون، تتخلل كلام الشروح مكتوبة بالحمرة وكلام
[ المقدمة / ٥٣ ]
الشارح مكتوبا بالسواد، ثم حلت الأقواس اليوم محل الحمرة، وأصبح المداد فى الكتب المطبوعة كله واحدا.
وهذه الطريقة فى الشرح تشوش الأفهام وتقطع أوصال الكلام، وقد زادها تشويشا عدم العناية بالحمرة والسواد فى الكتب المنسوخة، وبوضع الأقواس فى الكتب المطبوعة.
أما الحواشى فى الكتب المطبوعة فقد وضعت فى صلب الكتاب لطولها ووضعت الشروح بالحواشى.
ومن عنوا فى مؤلفاتهم من المتأخرين بذكر الخلاف المذهبى والأقوال والوجوه فى المذهب الواحد كانت لهم اصطلاحات أملاها حب الاختصار، كتخصيص جمل معينة بآراء كل فقيه، كما فعل ابن الساعاتى فى مجمع البحرين، أو بتخصيص كلمة (كلديه. وعنده. ورأيه) لكل فقيه، كما فعل الإسفرايينى فى الينابيع، أو بالرقم بالحروف فوق الكلمات إشارة للفقهاء كما صنع الغزالى فى الوجوه والمذاهب، وهذا النوع الأخير من الرموز ليس مأمون العاقبة ولا يمكن الاعتماد عليه.
وكذلك عمد كثير من المتأخرين إلى الرمز للكتب التى ينقلون عنها بحروف مركبة كما فى «قنية الزاهدى» و«جامع الفصول» وكثيرا ما يقع فيها التحريف والخلط ويضيع المقصود منها.
وإذا كان الأصل فى تدوين الكتب الفقهية هو النثر، فإنها نالت حظها من النظم فى كل المذاهب وفى أكثر العصور. ومن النظم الفقهى ما هو سلس مقبول ظاهر المعنى، ومنه ما هو غث ثقيل مملوء بالضرورات.
ولا يكاد يبين.
وقد عرفنا تقسيم الفقه إلى أنواع كالعبادات، والمعاملات إلخ … والكتب الفقهية ليست متفقة فى ترتيب هذه الأنواع إلا فى البدء بالعبادات وتختلف فيما وراء ذلك، وليس هذا خاصا بكتب المذاهب المختلفة، بل هو واقع فى كتب المذهب الواحد، لكل فريق ملحظه ومناسباته التى ارتضاها وكثيرا ما يكررونها فى أوائل كل كتاب أو باب.