كانت نشأة المسلمين الأولين نشأة تلق ورواية وحفظ، لهذا كانت عنايتهم بالرواية عظيمة فى كل شئ: فى الكتاب الكريم وطريقة أدائه، وفى الحديث والفقه، وفى الشعر والأدب وسائر الفنون.
وإنك لتجد هذا واضحا فى المؤلفات الأولى، فليس من الغريب اذن أن تلقى رواية الكتب الفقهية حظها العظيم عند الأولين.
فكان لكل فقيه سنده فيما تلقى من الكتب الفقهية حتى يصل به إلى مؤلفيها أنفسهم، ورواية الكتب الفقهية لها فوق ما تثبته من صدور الكتاب عمن نسب إليه، مزية الوصول إلى ما أراده المؤلف من عباراته، ووصول الكتاب إلى من يتلقاه سليما من الزيادة والنقص، وتحريف النساخ وتصحيفهم، وقد تشدد الأولون فى أمر هذه الرواية حتى أن سائلا سأل القاضى بكارا أن يرد على ما جاء بمختصر المزنى مخالفا لمذهب العراقيين، فقال إننى لم أسمع هذا المختصر لا منه ولا ممن رواه عنه، فلا يحل لى أن أرد عليه، ولما عاد إليه وقد رواه عنه رواية موثوقا بها لديه، قال الآن حل لى أن أقول قال المزنى.
ورواية الكتب وما اشتملت عليه من المسائل مختلفة كرواية غيرها، ولذلك كانت الرواية المشهورة تكسب المروى قوه على ما كانت روايته نادرة أو رواية غير معول عليها
ولذا ترى الحنفية يقدمون ما فى كتب ظاهر الرواية، كتب محمد الستة، على ما
[ المقدمة / ٥٠ ]
يخالفه مما جاء فى كتب النوادر، لأن رواية الأولى رواية مشتهرة دون رواية الثانية.
ويقدم المالكية ما روى عن مالك فى مدونة سحنون على ما روى عنه فى غيرها.
ويقدم الشافعية ما روى عنه فى مبسوط الربيع المؤذن «الأم» على ما رواه الزعفرانى عنه .. لهذا السبب نفسه.
ولما تطاول الزمن قلت العناية بالرواية، ووجد لون منها غريب عجيب، وهو أجازه الراوى بما رواه لآخر من غير أن يكون قد تلقاه منه، ثم توسعوا فى هذه الإجازة التى ليس منها فائدة أصلا، وكانت الإجازة بالمراسلة بين من لم يلتقيا أصلا، وكان هذا فى الفقه كما كان فى السنة نفسها.
وقد بين ابن حزم فساد هذه الإجازات وبطلانها مستندا إلى أمتن الحجج.
وبعد أمد آخر تحللوا من الرواية ومزاياها وقالوا إن نقل الأحكام إما أن يكون بالرواية، أو بالأخذ من الكتب المعروفة التى تداولتها الأيدى وكانت من التصانيف المشهورة لأنها بمنزلة الخبر المتواتر والمشهور.
ثم جاء من لم يلتزم ذلك أيضا وقال لا تشترط الشهرة ولا التواتر، وتكفى غلب الظن بكون ذلك الكتاب هو المسمى بهذا الاسم، بأن وجد العلماء ينقلون عنه، ورأى ما نقلوه عنه موجودا فيه، أو وجد منه أكثر من نسخة، فإنه يغلب على الظن أنه هو، وإلا لزم أنه لا يجوز النقل عن الكتب المطولة المشهورة أسماؤها ولكن لم تتداولها الأيدى حتى صارت بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور لكونها لا توجد إلا فى بعض المدارس أو عند بعض الناس، وفى هذا ضياع لكثير من المؤلفات المعتبرة.
وكلا الرأيين عجيب فان الرواية ليست إلا لإثبات نسبة الكتاب لصاحبه أو لا ثم لإثبات أنه هو كما صدر عنه، لا نقص فيه ولا زيادة، ولا تصحيف ولا تحريف، ولا تغيير على أى وضع. وإذا كان للتداول فائدة فى المعنى الأول فإنه لا يغنى فيما عداه شيئا، أما غلبة الظن هذه فانها لا تنفع فى شئ.
ولقد فتح هذا التهاون بابا واسعا من الشر حتى حمل التلمسانى والمقرى من فقهاء المالكية على القول بأن كثرة التأليف قد أفسدت الفقه، لأن الرواية قد تركت وانقطعت سلسلة الاتصال، فكثر التصحيف، ونقلت الأحكام من كتب لا يدرى ما زيد فيها وما نقص، وقد كان أهل المائة السادسة وصدر من السابعة لا يجوزون الفتيا من كتاب التبصرة للخمى لأنها لم تصحح على مؤلفها ولم تؤخذ عنه وأكثر الناس اليوم لا يسيرون على هذا النمط، ولهذا كان التأليف سببا لفساد الفقه.
وإذا كانت الحملة على نفس التأليف قاسية، فإن ما قيل فى شأن المؤلفات غير المروية هو الحق عين الحق. وقد أصبحنا اليوم فى وضع لا يمكن تداركه إلا بالعناية بالمؤلفات ومراجعتها وتحقيقها تحقيقا تاما بالقدر المستطاع، حتى يؤدى إحياؤها على هذا الوجه قسطا مما كانت تؤديه الرواية.
ولقد عمت المصيبة اليوم فى ديارنا بأن تصدى لنشر بعض المبسوطات من لا صلة
[ المقدمة / ٥١ ]
لهم بالفقه أصلا، ولا هم لهم إلا الربح التجارى، فجمعت من أغاليط الطبع وتحريفاته، فوق ما كان فيها من تحريف الناسخين، ما لا يحصى ولا يعد.
وفى الرجوع إلى مبسوط السرخسى ومدونة سحنون ومقدمات ابن رشد، ما يغنى عن الإفاضة.
إن أول واجب دينى على العامة والرياسات الدينية فى الأقطار الإسلامية أن يقوموا بإحياء هذه المؤلفات على الوجه الذى ذكرت، وإن هم لم يقوموا بهذا فلا أقل من أن يقوموا بواجب الرقابة نحو ما ينشر من هذه المؤلفات.
والثقة بالكتاب الفقهى لا تقف عند الحاجة إلى الرواية أو ما يؤدى وظيفتها أو قريبا منها، بل هى فى حاجة ملحة إلى قدرة المؤلف وكفايته.
ولقد كان العهد بالمؤلفين الأولين فى الفقه ألا يقدموا على التأليف إلا بعد النضج التام، وبعد أن تكون لهم فى الفقه مكانة مرموقة، وكانوا لا يتعجلون فى إخراج ما شرعوا فيه إلا بعد تنقيح وتمحيص وبذل أقصى المجهود والعناية، مهما كلفهم ذلك من العناء وأبطأ بهم.
وإذا كان ما قيل عن الأزمنة التى ألف فيها أمثال «الهداية» من كتب الحنفية، و«مختصر خليل» من كتب المالكية
تشتم منه رائحة المبالغة، فإن دلالته على العناية وبذل المجهود فى التنقيح لا يمكن إنكاره، وإذا كانت أمثال هذه المؤلفات لم تسلم من المآخذ فإنها جاءت من المؤلفات الفقهية الممتازة.
ولكن العهد قد تغير، ولم يحجم عن التأليف فى الفقه الطالب حين طلبه، والمتفقه قبل نضجه، ومن لا يحسن شيئا سوى الجمع والنقل على غير هدى، ولذلك اتفقت كلمة الفقهاء على تقسيم المؤلفات إلى مؤلفات معتبرة يصح الاعتماد عليها والأخذ عنها، وإلى كتب ضعيفة لا يصح التعويل عليها لأن مؤلفيها من الضعفاء الذين ينقلون الغث والثمين، ولا يميزون بين الصحيح وغير الصحيح، وهم فيما يؤلفون كحاطب ليل، وذكروا من هذا القبيل عددا كثيرا.
وإنا لنرى حقا واجبا للفقه على الرياسات الدينية أن تقوم نحو التأليف الفقهى بواجب الرقابة التامة التى تعلن للناس فيما ينشر عنها، ما يكون من الأخطاء فيما يظهر من مؤلفات.
ومما يذهب بالثقة بالمؤلف الفقهى المبالغة فى الاختصار الذى يؤدى إلى تغيير الأحكام وإيرادها على غير وجهها الصحيح، وإنك لتجد هذا فى كثير من الكتب المعروفة اليوم.
وقد اتفقت كلمة المتأخرين على أنه لا يصح الاعتماد على التقييدات وما يكتب بحواشى النسخ، التى لا يعرف من أين أخذت، ولا من أى مرجع نقلت، ومثل هذا ما ينقل على أنه فقه، ويقول ناقله إننى ظفرت بنقله، ولكن شذ عنى موضعه أو يقول وجدت بخط شيخنا فلان كذا، فكل هذا لا يصح الاعتماد عليه ولا يعتبر من الفقه.
[ المقدمة / ٥٢ ]
كما اتفقت كلمتهم على أنه لا يعول فى نسبة حكم إلى مذهب من المذاهب الفقهية على نقله فى كتب مذهب آخر.
وإنهم لعلى الحق المبين فى هذا فالهداية مع أحكامها، ومع أن مؤلفها جليل القدر، قد وقع فيها ما يكفى للاقتناع بهذا. ولكن إذا كانت الكتب من كتب اختلاف الفقهاء، لا يمكن أن تعتبر كتب مذهب خاص، ولا أن يقال فيها مثل هذا القول، وإن كان مؤلفها من أتباع مذهب بعينه.