جاء فى فتح القدير أنه لا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس ولا بين الحر والعبد، ولا بين العبدين.
فالأطراف يسلك بها مسلك الأموال فينعدم التماثل بالتفاوت فى القيمة.
يقول صاحب الكفاية: أن الأصل فى جريان القصاص فيما دون النفس اعتبار المماثلة فى الفعل والمحل المأخوذ
_________________
(١) كتاب الخلاف للطوسى ج ٢ ص ٣٤٩ - ٣٥٠ مسألة ٢٥ نفس الطبعة.
(٢) المرجع السابق المجلد الثانى ص ٣٥٠ مسألة ٢٦.
(٣) شرح النيل وشفاء العليل ج ٨ ص ١٩٣.
[ ١٤ / ١٥٣ ]
بالفعل، لأن المماثلة فى ضمان العدوان منصوص عليها فيجب اعتبارها.
فان قيل: التفاوت يمنع استيفاء الكامل بالناقص ولا يمنع استيفاء الناقص بالكامل فان اليد الشلاء تقطع بالصحيح اذا رضى صاحب الحق بالنقصان؟.
قلنا: شرع القصاص فى الأصل يعتمد المساواة، فان كان النقصان ثابتا باعتبار الأصل فنقصان طرف الأنثى والعبد عن طرف الحر والذكر منع شرع القصاص لانتفاء محله، وان كان التساوى فى الأصل ثابتا والتفاوت باعتبار أمر عارض كان القصاص مشروعا. فيمتنع استيفاء الكامل بالناقص دون عكسه اذا رضى به صاحب الحق
فان قيل: يشكل بما اذا قطع عبد يد عبد وقيمتهما سواء ومع ذلك لا يجرى القصاص عندكم.
قلنا: لأن طريق معرفة القيمة بالحزر والظن والمماثلة المشروطة شرعا لا تثبت بطريق الحزر والظن.
ويجب القصاص فى الأطراف بين المسلم والكافر للتساوى بينهما فى الأرش (^١).
واذا قطعت المرأة يد رجل فتزوجها على يده ثم مات فلها مهر مثلها وعلى عاقلتها الدية ان كان خطأ وان كان عمدا ففى مالها. وهذا عند أبى حنيفة، لأن العفو عن اليد اذا لم يكن عفوا عما يحدث منه عنده فالتزوج على اليد لا يكون تزوجا على ما يحدث منه ثم القطع اذا كان عمدا يكون هذا تزوجا على القصاص فى الطرف وهو ليس بمال فلا يصلح مهرا لا سيما على تقدير السقوط فيجب مهر المثل وعليها الدية فى مالها، لأن التزوج وان كان يتضمن العفو لكن عن القصاص فى الطرف فى هذه الصورة. واذا سرى تبين أنه قتل النفس ولم يتناوله العفو فتجب الدية. وتجب فى مالها لأنه عمد.
والقياس أن يجب القصاص على ما بيناه. واذا وجب لها مهر المثل وعليها الدية تقع المقاصة ان كانا على السواء. وان كان فى الدية فضل نرده على الورثة وان كان فى المهر فضل يرده الورثة عليها. واذا كان القطع خطأ يكون هذا تزوجا على أرش اليد واذا سرى الى النفس تبين أنه لا أرش لليد، وأن المسمى معدوم فيجب مهر المثل كما اذا تزوجها على ما فى اليد ولا شئ فيها ولا يتقاصان لأن الدية تجب على العاقلة فى الخطأ والمهر لها.
ولو تزوجها على اليد وما يحدث منها أو على الجناية ثم مات من
_________________
(١) فتح القدير شرح الهداية للامام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسى السكندرى المعروف بابن الهمام الحنفى ج ٩ ص ١٦٩ - ١٧٠ الطبعة الأولى طبعة المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر.
[ ١٤ / ١٥٤ ]
ذلك، والقطع عمد فلها مهر مثلها لأن هذا تزوج على القصاص وهو لا يصلح مهرا فيجب مهر المثل وصار كما اذا تزوجها على خمر أو خنزير ولا شئ له عليها، لأنه لما جعل القصاص مهرا فقد رضى بسقوطه بجهة المهر فيسقط أصلا كما اذا أسقط القصاص بشرط أن يصير مالا فانه يسقط أصلا.
وان كان خطأ يرفع عن العاقلة مهر مثلها ولهم ثلث ما ترك وصية لأن هذا تزوج على الدية، وهى تصلح مهرا الا أنه يعتبر بقدر مهر المثل من جميع المال لأنه مريض مرض الموت، والتزوج من الحوائج الأصلية لا يصح فى حق الزيادة على مهر المثل، لأنه محاباة فيكون وصية فيرفع عن العاقلة، لأنهم يتحملون عنها فمن المحال أن ترجع عليهم بموجب جنايتها وهذه الزيادة وصية لهم لأنهم من أهل الوصية لما أنهم ليسوا بقتلة فان كانت تخرج من الثلث تسقط، وان لم تخرج يسقط ثلثه.
وقال أبو يوسف ومحمد كذلك الجواب فيما اذا تزوجها على اليد لأن العفو عن اليد عفو عما يحدث منه عندهما فأتفق جوابهما فى الفصلين (^١).
ومن قطع يد عبد فأعتقه المولى ثم مات من ذلك فان كان له ورثة غير المولى فلا قصاص فيه، والا اقتص منه وهذا عند أبى حنيفة وأبى يوسف.
وقال محمد: لا قصاص فى ذلك وعلى القاطع أرش اليد وما نقصه ذلك الا أن يعتقه ويبطل الفضل وانما لم يجب القصاص فى الوجه الأول لاشتباه من له الحق، لأن القصاص يجب عند الموت مستندا الى وقت الجرح فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى، وعلى اعتبار الحالة الثانية يكون للورثة فتحقق الاشتباه وتعذر الاستيفاء فلا يجب على وجه يستوفى وفيه الكلام.
واجتماعهما لا يزيل الاشتباه لأن الملكين فى الحالين بخلاف العبد الموصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر اذا قتل، لأن ما لكل منهما ثابت من وقت الجرح الى وقت الموت فاذا اجتمعا زال الاشتباه.
ولمحمد فى الخلافية وهو ما اذا لم يكن للعبد ورثة سوى المولى أن سبب الولاية قد اختلف لأنه الملك على اعتبار احدى الحالتين والوراثة بالولاء على اعتبار الأخرى فنزل منزلة اختلاف المستحق فيما يحتاط فيه كما اذا قال لآخر بعتنى هذه الجارية بكذا فقال المولى زوجتها منك لا يحل له وطؤها ولأن الاعتاق قاطع للسراية وبانقطاعها يبقى الجرح بلا سراية، والسراية بلا قطع فيمتنع القصاص ولهما أنا تيقنا بثبوت الولاية للمولى فيستوفيه، وهذا لأن المقضى له معلوم
_________________
(١) المرجع السابق ج ٩ ص ١٨٩ - ١٩٢ الطبعة السابقة.
[ ١٤ / ١٥٥ ]
والحكم متحد فوجب القول بالاستيفاء بخلاف الفصل الأول لأن المقضى له مجهول ولا معتبر باختلاف السبب ههنا، لأن الحكم لا يختلف بخلاف تلك المسألة لأن ملك اليمين يغاير ملك النكاح حكما والاعتاق لا يقطع السراية لذاته بل لاشتباه من له الحق وذلك فى الخطأ دون العمد، لأن العبد لا يصلح مالكا للمال فعلى اعتبار حالة الجرح يكون الحق للمولى. وعلى اعتبار حالة الموت يكون للميت لحريته فيقضى منه ديونه وينفذ وصاياه فجاء الاشتباه أما العمد فموجبه القصاص، والعبد مبقى على أصل الحرية فيه وعلى اعتبار أن يكون الحق له فالمولى هو الذى يتولاه اذ لا وارث له سواه فلا اشتباه فيمن له الحق.
واذا امتنع القصاص فى الفصلين عند محمد يجب أرش اليد وما نقصه من وقت الجرح الى وقت الاعتاق كما ذكرنا لأنه حصل على ملكه، ويبطل الفضل.
وعندهما الجواب فى الفصل الأول كالجواب عند محمد فى الثانى (^١).
ومن فقأ عينى عبد فان شاء المولى دفع عبده وأخذ قيمته وان شاء أمسكه ولا شئ له من النقصان عند أبى حنيفة.
وقالا: ان شاء أمسك العبد وأخذ ما نقصه وان شاء دفع العبد وأخذ قيمته (^٢).