جاء فى بدائع الصنائع: ان شرائط وجوب القصاص أنواع: بعضها يعم النفس وما دونها، وبعضها يخص ما دون النفس، أما الشرائط العامة فهى شرائط وجوب القصاص فى النفس من كون الجانى عاقلا بالغا متعمدا مختارا، وكون المجنى عليه معصوما مطلقا لا يكون جزء الجانى ولا ملكه وكون الجناية حاصلة على طريق المباشرة.
أما الشرائط التى تخص الجناية فيما دون النفس فمنها: المماثلة بين المحلين فى المنافع والفعلين وبين الأرشين، لأن المماثلة فيما دون النفس معتبرة بالقدر الممكن فانعدامها يمنع وجوب القصاص، والدليل على أن المماثلة فيما دون النفس معتبرة شرعا النص والمعقول.
أما النص فقول الله ﵎ «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾. (^٢)
فان قيل: ليس فى كتاب الله ﵎ بيان حكم ما دون النفس لا فى هذه الآية الشريفة وأنه أخبار عن حكم التوراة فيكون شريعة من قبلنا، وشريعة من قبلنا لا تلزمنا.
فالجواب: أن من القراء المعروفين من ابتدأ الكلام من قول الله عز شأنه: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ بالرفع الى قول الله تعالى: ﴿(فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ)﴾ على ابتداء الايجاب لا على الأخبار عما فى التوراة فكان هذا شريعتنا لا شريعة من قبلنا.
على أن هذا ان كان اخبارا عن شريعة التوراة، لكن لم يثبت نسخه بكتابنا ولا بسنة رسولنا ﷺ فيصير شريعة لنبينا ﵊ مبتدأة فيلزمنا العمل به على أنه شريعة رسولنا لا على أنه شريعة من قبله من الرسل على ما عرف فى اصول الفقه. الا أنه لم يذكر وجوب القصاص فى اليد والرجل نصا، لكن الايجاب فى العين والأنف والأذن والسن ايجاب فى اليد والرجل دلالة لانه لا ينتفع
_________________
(١) شرح النيل وشفاء العليل ج ٨ ص ٧٧ - ٧٨ الطبعة السابقة.
(٢) الآية رقم ٤٥ من سورة المائدة.
[ ١٤ / ١٦٢ ]
بالمذكور من السمع والبصر والشم والسن الا صاحبه ويجوز أن ينتفع باليد والرجل غير صاحبهما فكان الايجاب فى العضو المنتفع به فى حقه على الخصوص ايجابا فيما هو منتفع به فى حقه وفى حق غيره من طريق الاولى، فكان ذكر هذه الأعضاء ذكرا لليد والرجل بطريق الدلالة كما فى التأفف مع الضرب فى الشتم.
على أن فى كتابنا حكم ما دون النفس، قال الله ﷾: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.» (^١) وقال عز شأنه:
﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (^٢) وأحق ما يعمل فيه بهاتين الآيتين ما دون النفس وقال ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾. (^٣) ونحو ذلك من الآيات.
وأما المعقول فهو أن ما دون النفس له حكم الأموال لانه خلق وقاية للنفس كالأموال، ألا ترى أنه يستوفى فى الحل والحرم كما يستوفى المال، وكذا الوصى يلى استيفاء ما دون النفس للصغير كما يلى استيفاء ماله فتعتبر فيه المماثلة كما تعتبر فى اتلاف الأموال.
ومن شروط ايجاب القصاص فيما دون النفس أن يكون المثل ممكن الاستيفاء، لان استيفاء المثل بدون امكان استيفائه ممتنع فيمتنع وجوب الاستيفاء ضرورة.
ويبتنى على هذين الأصلين مسائل:
لا يؤخذ شئ من الأصل الا بمثله فلا تؤخذ اليد الا باليد، لان غير اليد ليس من جنسها فلم يكن مثلا لها اذ التجانس شرط للماثلة.
وكذا الرجل والاصبع والعين والأنف ونحوها لما قلنا.
وكذا الابهام لا تؤخذ الا بالابهام ولا السبابة الا بالسبابة، ولا الوسطى الا بالوسطى ولا البنصر الا بالبنصر ولا الخنصر الا بالخنصر، لان منافع الاصابع مختلفة فكانت كالأجناس المختلفة.
وكذلك لا تؤخذ يد اليمين الا باليمين ولا اليسرى الا باليسرى لان لليمين فضلا على اليسار ولذلك سميت يمينا.
وكذلك الرجل وكذلك أصابع اليدين والرجلين لا تؤخذ اليمين منها الا باليمين ولا اليسرى الا باليسرى.
وكذلك الأعين وكذلك الأسنان لا تؤخذ السنية الا بالسنية ولا الناب الا بالناب ولا الضرس الا بالضرس لاختلاف منافعها،
_________________
(١) الآية رقم ١٩٤ من سورة البقرة.
(٢) الآية رقم ١٢٦ من سورة النحل.
(٣) الآية رقم ٤٠ من سورة غافر.
[ ١٤ / ١٦٣ ]
فان بعضها قواطع وبعضها طواحن وبعضها ضواحك. واختلاف المنفعة بين الشيئين يلحقهما بجنسين، ولا مماثلة عند اختلاف الجنس.
وكذا لا يؤخذ الأعلى منها بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى لتفاوت بين الأعلى والأسفل فى المنفعة ولا يؤخذ الصحيح من الأطراف الا بالصحيح منها فلا تقطع اليد الصحيحة ولا كاملة الأصابع بناقصة الاصابع أو مفصل من الاصابع وكذلك الرجل والاصبع وغيرها لعدم المماثلة بين الصحيح والمعيب.
وان كان العيب فى طرف الجانى فالمجنى عليه بالخيار ان شاء اقتص وان شاء أخذ أرش الصحيح لان حقه فى المثل وهو السليم ولا يمكنه استيفاء حقه من كل وجه مع فوات صفة السلامة، وأمكنه الاستيفاء من وجه ولا سبيل الى الزام الاستيفاء حتما لما فيه من الزام اسيفاء حقه ناقصا وهذا لا يجوز فيخير ان شاء رضى بقدر حقه واستوفاه ناقصا، وان شاء عدل الى بدل حقه وهو كمال الأرش كمن أتلف على انسان شيئا له مثل والمتلف جيد فانقطع عن أيدى الناس ولم يبق منه الا الردئ فان صاحب الحق يكون بالخيار ان شاء أخذ الموجود ناقصا وان شاء عدل الى قيمة الجيد لما قلنا كذا هذا.
ولو أراد المجنى عليه أن يأخذه ويضمنه النقصان فليس له ذلك.
ويرى صاحب بدائع الصنائع: أنه قادر على استيفاء أصل حقه، وانما الفائت هو الوصف وهو صفة السلامة، فاذا رضى باستيفاء أصل حقه ناقصا كان ذلك رضا منه بسقوط حقه عن الصفة، كما لو أتلف شيئا من ذوات الأمثال وهو جيد فانقطع عن أيدى الناس نوع الجيد ولا يوجد الا الردئ منه أنه ليس له الا أن يأخذه أو يأخذ قيمة الجيد.
ولو ذهبت الجارحة المعينة قبل أن يختار المجنى عليه أخذها، أو قطعها قاطع بطل حق المجنى عليه فى القصاص لفوات محله. فان كانت قد سقطت بآفة سماوية أو قطعت ظلما فلا شئ على الجانى ولو قطعت بحق من قصاص أو سرقة فعليه أرش اليد المقطوعة لانه قضى بالطرف حقا مستحقا عليه فصار كأنه قائم وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ وغيره. واذا ثبت هذا فى الصحيحة فنقول حق المجنى عليه كان متعلقا باليد المعينة بعينها، وانما ينتقل عنها الى الأرش عند اختياره فاذا لم يختر حتى هلكت بقى حقه متعلقا باليد.
فان قيل: أليس أنه كان مخيرا بين القصاص والأرش فاذا فات أحدهما تعين الآخر.
[ ١٤ / ١٦٤ ]
قيل: لا بل حقه كان فى اليد على التعيين الا أن له أن يعدل عنه الى بدله عند الاختيار، فاذا هلك قبل الاختيار بقى حقه فى اليد، فاذا هلكت فقد بطل محل الحق فبطل الحق أصلا ورأسا.
ولو كانت يد القاطع صحيحة وقت القطع ثم شلت بعده فلا حق للمقطوع فى الأرش لأن حقه ثبت فى اليد عينا بالقطع فلا ينتقل الى الأرش بالنقصان كما اذا ذهب الكل بآفة سماوية أنه يسقط حقه أصلا ولا ينتقل الى الأرش لما قلنا كذا هذا.
ولا قصاص الا فيما يقطع من المفاصل، مفصل الزند أو مفصل المرفق أو مفصل الكتف فى اليد، أو مفصل الكعب أو مفصل الركبة أو مفصل الورك فى الرجل.
وما كان من غير المفاصل فلا قصاص فيه، كما اذا كان القطع من الساعد أو العضد أو الساق أو الفخذ لانه يمكن استيفاء المثل من المفاصل ولا يمكن من غيرها. وليس فى لحم الساعد والعضد والساق والفخذ ولا فى الألية قصاص، ولا فى لحم الخدين ولحم الظهر والبطن ولا فى جلدة الرأس وجلدة اليدين اذا قطعت لتعذر استيفاء المثل - ولا فى اللطمة والوجزة والوجأة والدقة لما قلنا. ولا يؤخذ العدد بالعدد فيما دون النفس مما يجب على أحدهما فيه القصاص لو انفرد، كالاثنين اذا قطعا يد رجل أو رجله أو اصبعه أو أذهبا سمعه أو بصره أو قلعا سنا له أو نحو ذلك من الجوارح التى على الواحد منهما فيها القصاص لو انفرد به فلا قصاص عليهما، وعليهما الأرش نصفان وكذلك ما زاد على الثلاث من العدد فهو بمنزلة الاثنين ولا قصاص عليهم وعليهم الأرش على عددهم بالسواء (^١).