جاء فى شرح فتح القدير: أن من قطع يد غيره عمدا من المفصل قطعت يده وان كانت يده أكبر من اليد المقطوعة لقول الله ﵎: «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ» (^٣) وهو ينبئ عن المماثلة فكل ما أمكن رعايتها فيه يجب فيه القصاص وما لا يمكن رعاية المماثلة فيه فلا قصاص فيه. وقد أمكن فى القطع من المفصل فاعتبر، ولا معتبر بكبر اليد وصغرها لأن منفعة اليد لا تختلف بذلك وكذلك الرجل ومارن الأنف والأذن لامكان رعاية المماثلة (^٤).
_________________
(١) الآية رقم ٤٥ من سورة المائدة.
(٢) شرح النيل وشفاء العليل للعلامة الشيخ محمد بن يوسف اطفيش ج ٨ ص ٢٠٨، ص ٢١٠ طبع المطبعة الأدبية بسوق الخضار بمصر.
(٣) الآية رقم ٤٥ من سورة المائدة.
(٤) الهداية شرح فتح القدير والكفاية ج ٩ ص ١٦٧ - ١٦٨ طبعة المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣١٩ هـ.
[ ١٤ / ١٧٥ ]
وجاء فى بدائع الصنائع: أنه لا قصاص فى العين اذا قورت أو فسخت لأنا اذا فعلنا ما فعل وهو التقوير والفسخ لا يمكن استيفاء المثل اذ ليس له حد ملعوم وان ضرب عليها فذهب ضؤوها مع بقاء الحدقة على حالها لم تنخسف ففيها القصاص لقوله ﵎:
«وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» ولأن القصاص على سبيل المماثلة ممكن بأن يجعل على وجهه القطن المبلول وتحمى المرآة وتقرب من عينه حتى يذهب ضؤوها.
وقيل أول من اهتدى الى ذلك سيدنا على ﵁. وان انخسفت فلا قصاص لأن الثانى قد لا يقع خاسفا بها فلا يكون مثل الأول وروى عن أبى يوسف أنه لا قصاص فى عين الأحول لان الحول نقص فى العين فيكون استيفاء الكامل بالناقص فلا تتحقق المماثلة ولهذا لا تقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء كذا هذا (^١).
ولا قصاص فى الاشفار والاجفان لأنه لا يمكن استيفاء المثل فيها وأما الاذن فان استوعبها ففيها القصاص لقول الله ﵎ «وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ» لأن استيفاء المثل فيها ممكن فان قطع بعضها فان كان له حد يعرف ففيه القصاص والا فلا. وأما الأنف فان قطع المارن ففيه القصاص بلا خلاف بين أصحاب أبى حنيفة لقول الله ﷾ «الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ» ولأن استيفاء المثل فيه ممكن لأن له حدا معلوما وهو مالان منه. فان قطع بعض المارن فلا قصاص فيه لتعذر استيفاء المثل، وان قطع قصبة الأنف فلا قصاص فيه لأنه عظم ولا قصاص فى العظم الا فى السن.
قال أبو يوسف: ان استوعب ففيه القصاص.
وقال محمد لا قصاص فيه وان استوعب.
ولا خلاف بينهما فى الحقيقة لأن أبا يوسف أراد استيعاب المارن وفيه القصاص بلا خلاف ومحمد أراد به استيعاب القصبة ولا قصاص فيها بلا خلاف.
وأما الشفة فقد روى عن أبى حنيفة أنه قال: اذا قطع شفة الرجل السفلى أو العليا وكان يستطاع أن يقتص منه ففيه القصاص.
وذكر الكرخى أنه ان استقصاها بالقطع ففيها القصاص لامكان استيفاء المثل عند الاستقصاء وان قطع بعضها فلا قصاص فيه لعدم الامكان (^٢).
وجاء فى شرح القدير أن من قطع يد رجل من نصف الساعد أو جرحه جائفة فبرأ منها فلا قصاص عليه لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه، اذ الأول كسر العظم ولا ضابط فيه، وكذا البرء
_________________
(١) بدائع الصنائع ج ٧ ص ٣٠٨.
(٢) المرجع السابق ج ٧ ص ٣٠٨.
[ ١٤ / ١٧٦ ]
نادر فيفدى الثانى الى الهلاك ظاهرا واذا كانت يد المقطوع صحيحة ويد القاطع شلاء أو ناقصة الاصابع فالمقطوع بالخيار ان شاء قطع اليد المعيبة ولا شئ له غيرها، وان شاء أخذ الأرش كاملا لأن استيفاء الحق كاملا متعذر فله أن يتجوز بدون حقه، وله أن يعدل الى العوض كالمثلى اذا انعدم عن أيدى الناس بعد الاتلاف ثم اذا استوفاها ناقصا فقد رضى به فيسقط حقه كما اذا رضى بالردئ مكان الجيد (^١).
وجاء فى شرح فتح القدير أن الشفة اذا استقصاها بالقطع يجب القصاص لامكان اعتبار المساواة بخلاف ما اذا قطع بعضها لأنه يتعذر اعتبارها (^٢). وفى السن القصاص يقول الله ﵎ ﴿(وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ)﴾ وان كان سن من يقتص منه أكبر من سن الآخر لأن منفعة السن لا تتفاوت بالصغر والكبر ولا قصاص الا فى عظم السن. وهذا اللفظ مروى عن عمر وابن مسعود ﵄. وقال ﵊: «لا قصاص فى العظم» والمراد غير السن ولأن اعتبار المماثلة فى غير السن متعذر لاحتمال الزيادة والنقصان بخلاف السن لأنه يبرد بالمبرد ولو قلع من أصله يقلع الثانى فيتماثلان (^٣).
وجاء فى بدائع الصنائع أنه لو قطع من رجل يمينه من المفصل اقتص منه ثم ان أحدهما قطع من الآخر الذراع من المرفق فلا قصاص فيه وفيه حكومة العدل عند أصحاب أبى حنيفة الثلاثة ﵃.
وقال زفر يجب القصاص كذا ذكر القاضى الخلاف فى شرحه مختصر الطحاوى.
وذكر الكرخى الخلاف بين أبى حنيفة وأبى يوسف.
وجه قول أبى يوسف وزفر أن استيفاء القصاص على سبيل المماثلة ممكن لأن المحلين استويا والمرفق مفصل فكان المثل مقدور الاستيفاء فلا معنى للمصير الى الحكومة كما لو قطع انسان من مفصل الزند.
ولأبى حنيفة ومحمد أن القصاص فيما دون النفس يعتمد المساواة فى الأرش لأن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال والمساواة فى اتلاف الأموال معتبرة ولهذا لا يجرى القصاص بين طرفى الذكر والانثى والحر والعبد لاختلاف الأرش.
وههنا لا يعرف التساوى فى الأرش لأن أرش الذراع حكومة العدل وذلك يكون بالحزر والظن فلا يعرف التساوى بين أرشيهما، لأن قطع الكف يوجب وهن الساعد وضعفه وليس له أرش مقدر، وقيمة الوهن والضعف فيه لا تعرف الا
_________________
(١) شرح فتح القدير ج ٩ ص ١٧١ الطبعة السابقة.
(٢) الهداية شرح فتح القدير ج ٩ ص ١٧٢.
(٣) نفس المرجع ج ٩ ص ١٦٨.
[ ١٤ / ١٧٧ ]
بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة بين أرشى الساعدين فيمتنع وجوب القصاص
وعلى هذا الخلاف اذا قطع يد رجل وفيها اصبع زائدة وفى يد القاطع اصبع زائدة مثل ذلك أنه لا قصاص عند أبى حنيفة ومحمد وفيهما حكومة العدل.
وعند أبى يوسف يجب القصاص لوجود المساواة بين اليدين.
ولهما أن الاصبع الزائدة فى الكف نقص فيها وعيب، وهو نقص يعرف بالحزر والظن، ولأنهما ليس لهما أرش مقدر فلا تعرف المماثلة بين الكفين ولو قطع اصبعا زائدة وفى يده مثلها فلا قصاص عليه بالاجماع، لأن الأصبع الزائدة فى معنى التزلزل ولا قصاص فى المتزلزل، ولأنها نقص ولا تعرف قيمة النقصان الا بالحزر والظن ولأنه ليس لهما أرش مقدر فلا تعرف المماثلة (^١).
ولو قطع رجل المفصل الأعلى من سبابة رجل ثم عاد فقطع المفصل الثانى منها فعليه القصاص من المفصل الأول ولا قصاص عليه فى المفصل الثانى وعليه قيمة الأرش، وكذلك لو قطع أصبع رجل من أصلها ثم قطع الكف التى منها الأصبع كان عليه القصاص فى الأصبع ولا قصاص عليه فى الكف وعليه الأرش فى الكف ناقصة بأصبع. وكذلك لو قطع يد رجل وهى صحيحة ثم قطع ساعده من المرفق من اليد التى قطع منها الكف فعليه فى اليد القصاص ولا قصاص عليه فى الساعد بل فيه أرش حكومة كذا روى عن أبى حنيفة ولم يفصل بين ما اذا كانت الجناية الثانية بعد برء الأولى أو قبلها. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: اذا كانت الجناية الثانية بعد برء الأولى فهما جنايتان متفرقتان وان كانت قبل البرء فهى جناية واحدة (^٢).
وجاء فى بدائع الصنائع: أنه لو قطع يد رجل ثم قتله فان كان بعد البرء لا تدخل اليد فى النفس بلا خلاف، والولى بالخيار ان شاء قطع يده ثم قتله وان شاء اكتفى بالقتل وان شاء عفا عن النفس وقطع يده، وان كان قبل البرء فكذلك فى قول أبى حنيفة.
وفى قولهما تدخل اليد فى النفس، وله أن يقتله وليس له أن يقطع يده.
وجه قولهما أن الجناية على ما دون النفس اذا لم يتصل بها البرء لا حكم لها مع الجناية على النفس فى الشريعة بل يدخل ما دون النفس فى النفس (^٣).
_________________
(١) بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع لابى بكر ابن مسعود الكاسانى ج ٧ ص ٣٠٢ - ٣٠٣ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٨ هـ، سنة ١٩١٠ م.
(٢) نفس المرجع ج ٧ ص ٣٠١، ٣٠٢.
(٣) بدائع الصنائع ج ٧ ص ٣٠٣.
[ ١٤ / ١٧٨ ]
ولا قصاص فى جز شعر الرأس وحلقه وحلق الحاجبين والشارب واللحية وان لم ينبت بعد الحلق والنتف أما الجز فلأنه لا يعلم موضعه فلا يمكن أخذ المثل وأما الحلق والنتف الموجود من الحالق والناتف فلأن المستحق حلق ونتف غير منبت وذلك ليس فى وسع المحلوق والمنتوف لجواز أن يقع حلقه ونتفه منبتا فلا يكون مثل الأول.
وذكر فى النوادر أنه يجب القصاص اذا لم ينبت. ولم يذكر حكم ثدى المرأة أنه هل يجب فيه القصاص أم لا، وكذا لم يذكر حكم الانثيين فى وجوب القصاص فيهما.
وينبغى أن لا يجب القصاص فيهما لأن كل ذلك ليس له مفصل معلوم فلا يمكن استيفاء المثل.
وأما حلمة ثدى المرأة فينبغى أن يجب القصاص فيها لأن لها حدا معلوما فيمكن استيفاء المثل فيها كالحشفة. ولو ضرب على رأس انسان حتى ذهب عقله أو سمعه أو كلامه أو شمه أو ذوقه أو جماعه أو ماء صلبه فلا قصاص فى شئ من ذلك، لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربا تذهب به هذه الأشياء فلم يكن استيفاء المثل ممكنا فلا يجب القصاص. وكذلك لو ضرب على يد رجل أو رجله فشلت لا قصاص عليه، لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربا مشلا فلم يكن المثل مقدور الاستيفاء فلا يجب القصاص (^١).
ولا قصاص فى الأظفار لانعدام المساواة فى أروشها، لأن أرش الظفر الحكومة وأنها معتبرة بالحزر والظن.
وأما بيان وقت الحكم بالقصاص فيما دون النفس فوقته بعد البرء فلا يحكم بالقصاص فيه ما لم يبرأ. لما روى أنه ﵊ قال: «لا يستقاد من الجراحة حتى يبرأ (^٢).