جاء فى المدونة: أنه اذا جنى على اللسان عمدا ففيه القود اذا كان يستطاع القود منه ولم يكن متعلقا مثل الفخذ والمنقلة وما أشبه ذلك أقيد منه، وان كان متعلقا مثل الفخذ والمنقلة لم يقد منه وفى كل كسر خطأ اذا برأ وعاد الى هيئته لا شئ فيه الا أن يكون عمدا يستطاع القصاص فيه فانه يقتص منه، وان كان عظما الا فى المأمومة والمنقلة والجائفة وما لا يستطاع أن يقتص منه فلا شئ فيه من القود الا الدية فى عمد ذلك مع الأدب فى العمد. وعظام الجسد فيها القود من الهاشمة الا ما كان مخوفا مثل الفخذ وما أشبهه فلا قود فيه
_________________
(١) المرجع السابق ج ٧ ص ٣٠٩ نفس الطبعة.
(٢) نفس المرجع ج ٧ ص ٣١٠، ٣١١ نفس الطبعة.
[ ١٤ / ١٧٩ ]
وأما الرأس - فعند أبى القاسم - لا هاشمة فيها الا أن كانت منقلة، وأما الباضعة - والملطأة والدامية. وما أشبهها وما يستطاع منه القود ففيه القود فى العمد عند مالك والهاشمة فى الرأس مما لا يستطاع منه القود.
روى عن مالك أن فى السن القود وان ثبتت وهو رأى ابن القاسم والاذن عنده مثله يقتص منه.
وفى العين القصاص ان كان يستطاع منه القصاص أقيد والا فالعقل واذا شلت اليد أو الرجل فقد تم عقلهما.
فان كانت الضربة عمدا فشلت اليد أو الرجل ففيهما القود - ويضرب الضارب كما ضرب - يقتص لهذا المضروب من الضارب فان شلت يد الضارب والا كان عقل اليد فى مال الضارب وليس على العاقلة منه شئ.
ولا يمكن الذى له القود من أن يقتص لنفسه، انما يدعى له من يعرف القصاص فيقتص له ولا يمكن المجروح من ذلك. وان أخرج الانثيين عمدا أو رضهما عمدا ففى اخراجهما القصاص، ويرى ابن القاسم أنه ان كان يخاف على الانثيين الرض وكانتا متلفتين فلا قود فيهما (^١).
ولو فقأ رجل أعور العين اليمنى عين رجل اليمنى خطأ فعلى عاقلته نصف الدية، وان فقأها عمدا فهى بمنزلة اليد والرجل مثل لو أن رجلا أقطع اليمين قطع يمين رجل أو أقطع الرجل اليمنى قطع رجل رجل اليمنى أنه لا قصاص فيه ولكن فيه الدية.
والعين مثل ذلك. واليد والرجل مما لا اختلاف فيه أنه لا يقتص لليسرى باليمنى ولا باليمنى لليسرى ففى ذلك دليل على أن العين كذلك أيضا لا يقتص عين يمنى بيسرى ولا يسرى بيمنى والأسنان أيضا كذلك ثنية بالثنية والرباعية بالرباعية والعليا بالعليا والسفلى بالسفلى ولا تقاد سن الا بمثلها سواء فى صفتها ومواضعها لا غير ذلك. ويرجع ذلك الى العقل اذا لم يكن له مثل الذى طرح له فيقتص له منه. وعقل العين خمسمائة دينار فى مال هذا الأعور الجانى (^٢).
قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن الأعور يفقأ عين الصحيح فقال: ان أحب الصحيح أن يقتص اقتص، وان أحب فله دية عينه. ثم رجع بعد ذلك فقال: ان أحب أن يقتص اقتص وان أحب فله دية عين الأعور ألف دينار. وقوله الآخر أعجب الى وهذا انما هو فى الأعور اذا فقأ عين رجل وعين الأعور الباقية هى مثل تلك العين، تكون عين الأعور اليمنى باقية
_________________
(١) المدونة للامام مالك رواية الامام سحنون ابن سعيد التنوخى عن الامام عبد الرحمن بن القاسم ج ٤ ص ٤٣٤ وما بعدها طبعة المطبعة الخيرية سنة ١٣٢٤ هـ على هامشه كتاب المقدمات الممهدات لأبى الوليد محمد بن أحمد ابن رشد.
(٢) نفس المرجع ج ٤ ص ٤٨٦.
[ ١٤ / ١٨٠ ]
فيفقأ عين رجل اليمنى أو تكون اليسرى باقية فيفقأ عين رجل اليسرى فأما رجل أعور العين اليمنى فقأ عين رجل اليمنى فهذا لا قصاص فيه فيما سمعت من مالك، وفيما بلغنى عنه وليس له الا دية عينه ان كان المفقودة عينه صحيحة فخمسمائة دينار وان كان أعور فألف دينار لأنه لا قصاص له فى عين الجانى، ولأن دية عين الأعور عند مالك ألف دينار (^١).
ولو أن رجلا ذهب سمع احدى أذنيه فضربه رجل فأذهب سمع أذنه الأخرى فعليه نصف الدية، ولا تكون الدية عند مالك فى شئ واحد مما هو زوج فى الانسان الا فى عين الأعور وحدها فان فيها الدية كاملة عند مالك.
والفرق بين السمع والبصر.
وقد قال مالك ان فى عين الأعور الباقية الدية كاملة وفى الذى قد ذهب سمع احدى أذنيه أن فى سمع أذنه الباقية نصف الدية - الفرق بينهما السنة التى جاءت فى عين الأعور وحده ان فى عينه الدية كاملة ألف دينار. وما سوى ذلك مما هو زوج فى الانسان مثل اليدين والرجلين والسمع وما أشبه هذا فان فى كل واحدة نصف الدية ما ذهب منه أول أو آخر فهو سواء (^٢).
ولو أن رجلا قطع يدى رجل ثم رجليه ثم ضرب عنقه، فانه يقتص منه بأن يضرب عنقه ولا تقطع يداه ولا رجلاه لان كل قصاص يكون عليه فان القتل يأتى على ذلك كله فالقتل يأتى على قطع اليدين والرجلين، ولا يقاد منه فى اليدين ولا فى الرجلين. وان قطع رجل يد رجل من نصف الساعد عمدا فانه يقتص منه لأن مالكا يرى القصاص فى العظام الا فى الفخذ وما يخاف عليه فيه. وان اغتال رجل رجلا على مال فقطع يده فليس لمن قطعت يده أو فقئت عينه على غيلة قصاص انما ذلك الى السلطان الا أن يتوب قبل أن يقدر عليه فيكون فيه القصاص.
وان جنى رجل على رجل فقطع يمينه ثم ذهبت يمين القاطع بأمر من السماء فلا شئ عليه وان سرق فقطعت يده فلا شئ للمقطوعة يمينه. واذا سرق وقطع يمين رجل قطعت يمينه للسرقة وكانت السرقة أولى بيمينه من القصاص لأن القصاص ربما عفى عنه والسرقة لا عفو فيها (^٣).
ولو أن رجلا قتل رجلا عمدا فحبس ليقتل فوثب عليه رجل فى الحبس ففقأ عينه خطأ أو عمدا، فحكمه أنه رجل من المسلمين يستقاد منه وله.
وتعقل جراحاته ما لم يقتل. ويرى ابن القاسم أنه أولى بجراحات نفسه كان عمدا
_________________
(١) المدونة الكبرى ج ٤ ص ٤٨٦ - ٤٨٧
(٢) نفس المرجع ج ٤ ص ٤٨٦. الطبعة السابقة.
(٣) نفس المرجع السابق ج ٤ ص ٤٩٥ - ٤٩٨ نفس الطبعة.
[ ١٤ / ١٨١ ]
أو خطأ، ان كان عمدا كان له القصاص ان شاء اقتص وان شاء عفا وان كان خطأ كان له الأرش وليس لولاة المقتول فى ذلك شئ انما لهم نفسه (^١).