والإجماع الذي نعني هو الإجماع المتفق عليه الذي مهما بحثت له عن مخالفٍ من المجتهدين كثر أو قلَّ كان مشهورًا أو مغمورًا (٤) فإنك لن تجد له سبيلًا.
_________________
(١) قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ [التوبة: ٣٢]
(٢) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ..﴾ [التوبة: ٣٣].
(٣) قال - ﷺ -:"يبعث الله على رأس كل قرن (أو مائة عام) من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" [أخرجه أبو داود في السنن عن أبي هريرة - ﵁ - بإسنادٍ صحيح].
(٤) وسواء كان هذا الخالف صاحبيًّا أو تابعيًّا أو غيرهما من سائر المجتهدين المعتبرين، وسواء كان المخالف في زمان وقوع المسألة أو بعدها بشرط أن لا يثبت إجماع صريح في زمان المسألة أو الواقعة. إذ لا يجوز في مذهبنا إذا ثبت هذا أن يُحْدِثَ أحدٌ اجتهادًا جديدًا، وهو بالاستقراء قليل ونادر.
[ ١ / ٤ ]
وهذا الإجماع قسمان: قسم يعلمه الخاصة والعامة من المسلمين وهو المسمى عندهم بـ "المعلوم من الدين بالضرورة" كفرض الحج والصيام والصلوات الخمس والزكاة وبعض التفصيلات في تلك الأركان كوجوب الطواف والسعي والوقوف بعرفة ووجوب الإمساك في رمضان في نهاره وحل الإفطار في ليله وأن الصلاة فيها قيام وقراءة وركوع وسجود وغير ذلك، ومن هذا القبيل علم الخاصة والعامة بتحريم الزنا والربا والخمر والميسر وقذف الأعراض ونحو ذلك، ومن هذا القبيل كذلك تحريم التبرُّج وكشف العورات في الجملة ووجوب التستر والتحشُم والعفاف، فهذا النوع من الإجماع لا يحتاج لبحث أو اطلاع أو سؤال عالم أو استفتاء فقيه.
وقسم آخر من الإجماع هو في حقيقته تفصيل للقسم الأول، وهذا إنما يعرفه الخاصة من المسلمين وهم علماء الشريعة وفقهاؤها، وأما العامة ففرضهم سؤال أهل العلم واستفتاؤهم (١) ومن هذا القبيل: إجماعهم على أن القصر جائز في السفر المعتبر (٢)، وإجماعهم على بعض أنصبة الزكاة المفروضة، وإجماعهم على بعض مناسك الحج ووجوب الدماء في بعض محظوراته، ومن هذا القبيل إجماعهم على معنى التستر الذي أمرت به المرأة وهو "الحجاب" وهو ستر البدن كله ما عدا الوجه والكفين (٣)، وغير ذلك، وإنما يقل معرفه العامة في المسلمين بهذا القسم ويكثر بحسب إقبال الناس على العلم والاحتكاك بالعلماء والتلقي عنهم، وهذا في حقيقته يعكس حال أمة الإِسلام تقدمًا وتخلُّفًا، فهذه الأمة كانت أيام عزها وريادتها مقبلة على العلم والتعلم عارفة بكثير مما أجمع عليه العلماء واختلفوا فيه، ولما تخلفت وتأخرت دبَّ فيها العجز وفشا الجهل بأبسط معارف دينها ودنياها فلله الأمر من قبل ومن بعد.