استشهد بهذا الحديث من يقول إن اتفاق الأكثر حجة يجب المصير إليه وأوردوه في كتبهم ونوزع في دلالته وفي إسناده، وأنا أذكر أصل الحديث وما قيل فيه، وما جاء في معناه من الأحاديث والآثار.
أخرج أحمد في مسنده وابن ماجه وصححه السيوطي في الجامع الصغير عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالٍ فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم" (٢).
قال الإِمام المناوي -﵀-: أي فعليكم بالسواد الأعظم من أهل الإِسلام أي الزموا متابعة جماهير المسلمين، فهو الحق الواجب، والفرض الثابت الذي لا يجوز خلافه، فمن خالف مات ميتهً جاهليةً .. اهـ.
وأخرج أحمد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خطب الناس بالجابية فقال: إن رسول الله - ﷺ - قام فينا بمقامي فيكم فقال:
"أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد، ألا فمن سَرَّهُ بَحْبَحَةُ الجنة فليلزم الجماعة، فإنَّ الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأةٍ فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرَّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن".
استدل به الشافعي -﵀- على حجيَّة الإجماع (٣). قلت: ولو استدل به على حجية قول الجمهور لم يكن بعيدًا بل قد يكون قويًّا؛ لأن الجماعة المعنية بالحديث ليست الكل، وإنما الأكثر والأغلب والسواد الأعظم دلَّ عليه قوله - ﷺ -: "وهو من الاثنين أبعد" إلا أن هذا الحديث وشبهه محلُّهُ في أصول الدين والشرائع لا في الفروع، وقد بينَّت هذا أشد توضيح في كتابي "القانون في عقائد الفرق الإِسلامية" والله الموفق لا رب سواه.
_________________
(١) انظر في هذه المسألة إرشاد الفحول ص ٨٩ شرح مراقي السعود للشنقيطي في ج ٢ ص٧٩ روضة الناظر لابن قدامة ص ٧١.
(٢) انظر الجامع الصغير وشرحه فيض القدير في ج ٢ ص ١٣٠٢ رقم (٣٩٥٠).
(٣) انظر مسند أحمد ج ٢٢ ص ١٦٨ وانظر الرسالة للشافعي ص ٤٧٣، ٤٧٤ وانظر تخريج أحمد شاكر للرسالة ص ٤٧٥
[ ١ / ١٧ ]
وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي - ﷺ - أنه قال "اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة؛ فإن الله -﷿- لن يجمع أمتي إلا على الهدى" أخرجه أحمد والترمذي وذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وله شواهد عند الترمذي (١).
وأخرج أحمد في المسند عن سعيد بن جمهان قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفي (الصحابي - ﵁ -) وهو محجوب بالبصرة، فسلمت عليه. قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان. قال: فما فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة. قال (يعني عبد الله بن أبي أوفي): لعن الله الأزارقة لعن الله الأزارقة. حدثنا رسول الله - ﷺ - أنهم كلاب النار. قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بل الخوارج كلها.
قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم، قال: فتناول (يعني عبد الله بن أبي أوفي) يدي فغمزها غمزةً شديدةً ثم قال: ويحك يا ابن جمهان عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته، فأخبره بما تعلم، فإن قَبِلَ منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه. قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات .. اهـ.
قلت: وهذه الأخبار وشبهها كلها كما قلت في الأصول لا الفروع، وقصدنا بذكرها التنبيه على هذا، وإن كان جوهر معناها لا يبعد عما نحن فيه من باب الاستئناس لا الاعتماد والاستقلال. والله ولي التوفيق.