وكذلك كان "قول الجمهور" أحد الاعتبارات التي اعتمد عليها كثير من الفقهاء المجتهدين ومرجحي المذاهب الفقهية في اعتماد قول أو ترجيح رواية، ومن هذا القبيل قول الشافعي في مسألة توريث الجد مع الإخوة: مع أن ما ذهبت إليه قول الأكثر من أهل الفقه بالبلدان قديمًا وحديثًا (٣) .. اهـ.
ومن هذا القبيل: ترجيح المزني قول الشافعي في القديم من مذهبه بجواز المسح على
_________________
(١) انظر المجموع في ج ١ ص ١٠٣ وانظر كلام الشافعي في الرسالة ص ٤٦٢، ٤٦٣.
(٢) انظر المغني في ج ٩ ص ٦١٣.
(٣) انظر الرسالة ص ٥٩٦.
[ ١ / ١٢ ]
الجرموق خلافًا لقوله الجديد بالمنع من ذلك تحرزًا من انفراد الشافعي عن سائر العلماء الذين وافقوه في مذهبه القديم. قال المزني -﵀-: قال الشافعي - ﵁ - (١): ولا يمسح على جرموقين. قال (يعني الشافعي) في القديم يمسح عليهما (قال المزنى) قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافًا وقوله (يعني قول الشافعي) معهم (يعني مع العلماء) أولى به من انفراده عنهم (٢) .. اهـ.
ومن هذا القبيل: ترجيح الموفق ابن قدامة إحدى الروايتين عن أحمد -﵀- باعتبارات عدة. منها أنه قول أكثر أهل العلم، ومن أمثلة ذلك: اختلاف الروايتين عن أحمد في من جنى على سنٍّ فسودها هل فيها حكومة، أم ثلث الدية (٣). ومن أمثلته: ما قاله الموفق في مسألة الموضحة في الوجه والرأس وأنها فيهما سواء وقد روى عن أحمد ما يخالف ويوافق هذا، قال الموفق: وحمل كلام أحمد على هذا (يعني التسوية فيهما) أولى من حمله على ما يخالف الخبر وقول أكثر أهل العلم (٤) اهـ.
ومن هذا القبيل: ترجيح الإِمام ابن بطال المالكي لإحدى الروايتين عن مالك رحمه الله تعالى في مسألة التكبير بعد الفراغ من التشهد الأول من حين بدء قيامه إلى الركعة الثالثة أو بعد انتصابه قائمًا قال ابن بطال: وهذا الذي يوافق الجمهور أولى (يعني الرواية الأولى)، قال: وهو الذي تشهد له الآثار .. اهـ نقله عنه النووي رحمه الله تعالى (٥).
قال الحافظ ابن الصلاح ذاكرًا بعض ما يترجح به أحد القولين للشافعي أو الوجهين للأصحاب (يعني أصحاب الشافعي في المذهب): ويترجح أيضًا ما وافق أكثر أئمة المذاهب، قال النووي: وهذا الذي قاله فيه ظهور واحتمال (٦). اهـ.