ليس لآحاد الناس في هذا الزمان أن ينسبوا إلى الجمهور من فقهاء الإِسلام وأئمته قولًا أو رأيًا هكذا بالتشهِّي، أو بالتخمين، وسواء كان هؤلاء الآحاد خاصةً أو عامة؛ لأن الأمر في هذا من باب الإخبار، والخبر لابد فيه من تحري الصدق وخاصةً إذا كان نقلًا عن أكابر الأمة وصالحيها، فإذا ثبت هذا فإن النقل عن الجمهور له طريقان، أحدهما قوي، والآخر ضعيف.
أما القوي: فهو إسناد العهدة إلى من عرف من العلماء بالأمانة في النقل والاطلاع
_________________
(١) انظر فيض القدير ج ١ (١٥٠ - ١٥١) وانظر الترمذي ج ٧٦ ص ٣٨٦، وذكر الحديث صاحب الجامع الكبير من قصة طويلة ج ٢/ ٥٦٠، وانظر مسند أحمد ج ٢٣ ص ٤٧ رقم ١٠٥
[ ١ / ١٨ ]
على أقاويل الفقهاء ومذاهبهم، حتى صار عمدة في هذا الباب عند الموافق والمخالف كالنووي وابن قدامة وغيرهما رحمهم الله تعالى جميعًا.
وكلما اقترب زمان هذا العالم الأمين المطلع الناقل من زمان أصحاب المذاهب والأقاويل الفقهية كلما كان النقل أثبت، وكلما كانت النسبة إلى جمهورهم أقوى وأجود.
وأما الطريق الآخر الضعيف: فهو الاجتهاد في هذا الزمان بإفراغ الوسع وبذل الطاقة في البحث والاطلاع على تلك الأقاويل والمذاهب التي بلغنا علمها وَوَصَلنا ذِكْرهَا في المطبوع من المصنفات والمؤلفات الفقهية التي اشتهرت بذكر المذاهب الفقهية، وأعني بتلك المصنَّفات والمؤلفات: القديم منها الذي يرجع إلى أقرب زمان لأصحاب المذاهب الفقهية والأئمة المجتهدين، وهذا الزمان ينتهي عندي بالاطلاع والاستقراء بالإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري، والمتوفى عام (٨٥٢ هـ) فكل من جاء بعده رحمه الله تعالى وذكر مذاهب الفقهاء وأقاويلهم إنما نقل عنه أو عمن قبله، وسواء صرّح هؤلاء الناقلون في كثير من الأحيان بذلك أو لم يصرحوا في بعض الأحيان، وهذا الطريق الضعيف لا يصح في طريقة نقله إلا أن يقال: أكثر من بلغنا قوله من أهل العلم أو الفقهاء احتياطًا وورعًا.
وإنما قلنا إنه طريق ضعيف؛ لأنه نقل وإثبات للمعلوم والموجود في زماننا فقد يكون ما غاب عنا علمه من أقاويل الفقهاء ومذاهبهم في نفس المسألة ما يقدح في نسبه هذا القول أو غيره إلى أكثر العلماء أو جمهورهم.