«فنزع ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له»
روى الإمام أحمد في مسنده (١٤/ ١٣٥) وابن أبي شيبة في مصنفه كلاهما عن وكيع عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر - ﵄ -، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن إخصاء الخيل والبهائم) قال ابن عمر فيها نماء الخلق.
ورواه ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٤٨٢)، والطحاوي في «شرح لمعاني» (٤/ ٣١٧) من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن نافع.
ورواه ابن عدي في كامله من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر مرفوعًا لكنه من طريق جُبارة بن المُغلِّس عن عيسى بن يونس به وجبارة ضعيف، ومن وجه آخر عن جبارة فجعله من مسند ابن عمر وفيه عبد الله بن نافع، قال ابن عدي ذكر عمر ليس بمحفوظ وجبارة قد جمع بين الإسنادين حديث عبيد الله وعبد الله بن نافع وتابع جبارة في ذكر عبيد لله يحي (١) بن حاتم الجرجرائي ويحي بن اليمان وهما ضعيفان وذكر البيهقي نحو الروايات المتقدمة وقال عبد الله بن نافع يليق به رفع الموقونات. قلت: هو ضعيف.
ورواه مالك في «موطئه» عن نافع عن ابن عمر قوله: ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق والطحاوي، وتابعه على وقفه عبيد الله بن عمر العُمري، أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن نمير عنه عن نافع به، وقال عقبة هذا هو الصحيح موقوف ومثله قال الطحاوي.
_________________
(١) صوابه حبيِّ واسمه محمد وهو ثقة روى له أبو داود والنسائي.
[ ٢ / ٢٩ ]
حديث آخر أخرجه البزار (٢/ ٢٧٤): حدثنا محمد بن عثمان بن كَرَامة ورواه البيهقي من طريق العباس بن محمد الدوري كلاهما عن عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله. عن ابن عباس - ﵄ -، أن النبي - ﷺ -، نهى عن صبر الروح وخصاء البهائم، وأعله البيهقي بعلتين: بأن ابن أبي ذئب أرسله عن الزهري وأن قوله: وخصاء البهائم من كلام الزهري واستدل لذلك بأن أبا عامر العقدي رواه عن ابن أبي ذئب به ليس فيه ذكر ابن عباس وجعل قوله في الإخصاء من كلام الزهري، وهكذا رواه يونس ومعمر عن الزهري مرسلًا دون آخره قال البيهقي وهو المحفوظ: قلت وهو الصواب، فإن تطرق الغلط إلى الواحد أقرب من نسبة الغفلة والوهم إلى الجماعة وفيه علة ثالثة وهي أن رواية ابن أبي ذئب عن الزهري خاصة لا يقع فيها بعض الإضطراب كما يعلم من ترجمته، ولهذا روى أبو يعلى هذا الحديث (٤/ ٦٣٧) عن عبيد الله بن موسى عن ابن أبي ذئب عن الزهري به متصلًا ولفظه: نهى رسول الله - ﷺ -، عن صبر البهائم، قال الزهري: الإخصاء صبر شديد فوصله هنا وجعل قوله في الإخصاء من كلام الزهري، فتارة يصله وتارة يرسله، وتارة يدرج الشاهد، وتارة يجعله من كلام النبي - ﷺ -، والخلاصة أن هذه اللفظة ليست محفوظة، ولحديث ابن عباس هذا طريق أخرى عنه رواه البيهقي (١٠/ ٢٤) من طريق مقدام بن داود عن النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة عن عطاء عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -، قال: «لا إخصاء في الإسلام ولا بنيان كنيسة».
والمقدام قال عنه النسائي في «الكنى»: ليس بثقة وقال أبو حاتم وابن يونس تكلموا فيه، وابن لهيعة ضعيف.
وفي الباب عن عمر - ﵁ -، موقوفًا أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٥٧) عن الثوري عن إبراهيم بن مهاجر قال كتب عمر - ﵁ -، إلى سعد - رضي
[ ٢ / ٣٠ ]
الله عنه - أن لا يخُصي فرس. ورواه على ابن الجعد (٢٢٢٠) وابن أبي شيبة (٦/ ٤٢٣) وزادوا إبراهيم النخعي بين إبراهيم ابن مهاجر وعمر وإسناده منقطع، إبراهيم لم يدرك عمر وابن مهاجر ليِّن، ومن وجه آخر عن عمر أنه نهى عنه وقال النماء مع الذكر، رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة والبيهقي عن عاصم ابن عبيد الله عن سالم عن أبيه عن عمر وعاصم ضعيف.
وعن أنس - ﵁ -، في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] قال الخصاء، رواه عبد الرزاق وابن شيبة وابن جرير عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: سمعت أنسًا فذكره، وأبو جعفر متكلم فيه من وجهة حفظه.
وروى ابن جرير والبيهقي من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مثل ما قال أنس، ومن طريق حماد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس مثله.
ورواه أبي شيبة وابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس ولفظه قال: إخصاء البهائم مُثله ثم تلا الآية ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وفيه رجل لم يسم.
قال الطحاوي: فأمَّا ما ذُكر من قوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فقد قيل في تأويله ما ذهبوا إليه، وقيل: إنه دين الله، وقد رأينا رسول الله - ﷺ -، ضحى بكبشين موجوءين (١) وهما المرضوضان خصاهما والمفعول به ذلك قد انقطع أن يكون له نسل، فلو كان إخصاؤهما مكروهًا إذًا لما ضحى بهما رسول الله - ﷺ -، لينتهي الناس عن ذلك فلا يفعلونه، ولأنهم متى علموا أن ما أخصي تُجتنب أو
_________________
(١) جاء هذا من حديث جابر رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. ومن حديث عائشة وأبي هريرة عند أحمد وابن ماجه (٣١٢٢) وأسانيدها لا بأس بها ولها شواهد أخرى.
[ ٢ / ٣١ ]
تجافي أحجموا عن ذلك فلم يفعلوه وقال: إخصاء البهائم إنما يراد به ما ذكرنا من سمانتها وقطع عَضِّها فذلك مباح؛ ولو كان ما روينا في هذا الباب صحيحًا لاحتمل أن يكون أريد الإخصاء الذي لا يبقي معه شيءٌ من ذكور البهائم حتى يخصى فذلك مكروه لأن فيه انقطاع النسل، ألا تراه يقول: (منها نشأت الخلق) فإذا لم ينشأ شيء من ذلك الخلق فذلك مكروه، فأمَّا ما كان من الإخصاء الذي لا ينقطع منه نشء فهو بخلاف ذلك. اهـ.
وقال البيهقي بعد ما ذكر إباحته عن بعض التابعين قال: ومتابعة قول ابن عمر وابن عباس مع ما فيه من السنن المرويَّة أولى وبالله التوفيق، ويحتمل جواز ذلك إذا اتصل به غرض صحيح كما حكينا عن التابعين وروينا في كتاب الضحايا تضحية النبي - ﷺ -، بكبشين موجوءين لما فيه من تطييب اللحم. اهـ.
وقال الباجي في شرح «الموطأ» (٦/ ٢٦٨) على أثر ابن عمر: يريد والله أعلم ما لم يكن في إخصائه منفعة، وقد كره مالك إخصاء الخيل وقال لا بأس بإخصائها إذا أُكلت، ثم قال مسألة، وأما خصاء الغنم وما ينتفع بإخصائه لطيب لحمه فلا بأس بذلك والله أعلم. اهـ.
وقال القرطبي في «تفسيره» (٥/ ٣٩٠) وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمنٍ أو غيره والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن يضحي بالخصي واستحسته بعضهم إذا كان أسمن من غيره .. ثم ذكر من رخص فيه من السلف كعمر بن عبد العزيز وعروة، وقال: ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وقال إنما جاز ذلك لأنه إنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى، ثم قال ومنهم من كره ذلك واختاره ابن المنذر قال لأن ذلك ثابت عن عمر قال، وقال
[ ٢ / ٣٢ ]
الأوزاعي: (كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل، قال ابن المنذر، وفيه حديثان أحدهما عن ابن عمر والآخر عن ابن عباس وذكرهما (وتقدما).
وقال ابن مفلح في «الآداب» (٣/ ١٤٣)، ويباح خصي الغنم لما فيه من إصلاح لحمها وقيل يكره، وقال أحمد لا يعجبني للرجل أن يخصي شيئًا، وإنما كره ذلك للنهي الوارد عن إيلام الحيوان.
وفي رواية عن أحمد كرهه إلا أن يخاف عضاضه، وعند الشافعي يحرم خصاء الحيوان الذي لا يؤكل وكذا ما يؤكل في كبره لا في صغره.
وفي منظومة ابن عبد القوي:
وفيما سوى الأغنام قد كرهوا الخصاء لتعذيبه المنهي عنه بمسند
قال في «غذاء الألباب»: وفي «الإقناع» و«المنتهى» وغيرهما يكره خصاء غير غنم وديوك! قال وقال في «الآداب الكبرى» يباح خصاء الغنم لما فيه من إصلاح لحمها وهذا همو المذهب المعتمد، والمنصوص عنه كراهة الخصاء من غنم وغيرها إلا خوف عضاضه.
وقال في «فتح الباري»، وأخرج أبو داود من حديث جابر - ﵁ -، (ذبح رسول الله - ﷺ - كبشين أقرنين أملحين موجوءين) قال الخطابي: الموجوء يعني منزوع الخصيتين والوجاء، ويفيد اللحم طيبًا، وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة. اهـ.
وقال الشوكاني (٨/ ٨٨) الخصاء قوله (نهى عن إخصاء الخيل) الإخصاء سل الخصية قال في القاموس وخصاه خصيًا سلّ خصيته، وفيه دليل على تحريم خصي الحيوانات وقول ابن عمر منها نماء الخلق أي زيادته إشارة إلى أن الخصي مما تنمو
[ ٢ / ٣٣ ]
به الحيوانات ولكن ليس كل ما كان جالبًا لنفع يكون حلالًا بل لابد من عدم المانع، وإيلام الحيوان ها هنا مانع لأنه إيلام لم يأذن الشارع به بل نهى عنه. اهـ. هذا ما تيسر إعداده والله أعلم (١).
_________________
(١) قرئ على شيخنا - ﵀ - ولم يكمِّل وقال المقصود جائز إذا كان للمصلحة. فيه إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه، لأن سببه قصر مدته، فمعنى المغفرة له رفع الملامة عنه.
[ ٢ / ٣٤ ]