[ ٤ / ٢٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد - ﷺ - وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
فهذا بحث متعلق بمسألة حضور الجمعة للمسافر النازل في البلد هل يجب عليه حضور الجمعة أم لا؟ وقد أسميته: (الاهتداء إلى حكم حضور الجمعة على المسافر القار في بلد أو مار إذا سمع النداء).
وقبل الشروع في هذه المسألة أقول إن المسافر له حالتان:
الأولى: حال استقلال بجماعة المسافرين وانفصاله عن البلد.
الثانية: حال استقرار في بلد لا يقطع حكم السفر.
ففي الصورة الأولى: هل تجب الجمعة على المسافرين وحدهم؟
والجواب: يقال إن الجمعة لا تجب على المسافرين؛ بل لو صلوها جمعة لا تصح منهم، والدليل على ذلك أن النبي - ﷺ - سافر أسفارًا كثيرة في حياته ﵊؛ ولم ينقل عنه حرف واحد أنه جمع بأصحابه، وقد صادفته الجمعة في أسفاره كثيرًا ولو صلى الجمعة في أسفاره لكانت الهمم متوافرة على نقل ذلك. ولا أدل على ذلك من سفره لحجه ﵊؛ فقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة، ومع ذلك فقد صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا وقد سماها جابر الظهر
[ ٤ / ٢٥ ]
كما في صحيح مسلم (١٢١٨)، ولم يجهر بالقراءة وأيضًا خطب قبل الأذان خطبة واحدة ثم أذن وصلى، وهذا العلم به ظاهر لأهل العلم لا يكادون يختلفون في ذلك (١). وقد قال النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» [رواه مسلم].
وإنما محل البحث في:
الصورة الثانية: وهي إذا كان المسافر مستقرًا في بلد استقرارًا لا يقطع أحكام السفر فهل يجب عليه حضور الجمعة أم لا؟
وسيأتي الكلام على هذه المسألة لاحقًا.
وقد وردت آثار في نفي وجوب الجمعة على المسافر لا بأس بذكرها مع الكلام على أسانيدها ثم نذكر - إن شاء الله - كلام أهل العلم.
أولًا: حديث تميم الداري:
أخرجه البيهقي (٣/ ١٨٤) من طريق محمد بن طلحة عن الحكم عن ضرار بن عمرو عن أبي عبد الله الشامي عن تميم الداري عن النبي - ﷺ - قال: «الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مريض أو عبد أو مسافر» وهذا
_________________
(١) انظر: «الموطأ» (١/ ١٠٧)، و«مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٨)، وكذلك (٢٤/ ١٧٧)، فما بعدها (مهم جدًا) و[ج١٦] من «فتاوى ابن عثيمين».
[ ٤ / ٢٦ ]
الحديث واه جدًا فضرار بن عمرو منكر الحديث، كما قال البخاري وأورد له العقيلي هذا الحديث في «ضعفائه» (٢/ ٢٢٢) وقال: لا يتابع عليه وأبو عبد الله الشامي لا يعرف كما قال الذهبي في «الميزان». والحديث قال عنه أبو زرعة الرازي عبيد الله ابن عبد الكريم قال: هذا حديث منكر «علل ابن أبي حاتم» (٢/ ٢١٢).
ثانيًا: حديث جابر:
أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ٣) والبيهقي (٣/ ١٧٤) وابن عدي في «كامله» (٢٤٢٥) وابن الجوزي في «التحقيق» (٧٨٨) من طريق ابن لهيعة عن معاذ بن محمد الأنصاري عن أبي الزبير عن جابر أن الرسول - ﷺ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد» وهذا الحديث كسابقه واه جدًا.
ابن لهيعة ضعيف ومعاذ بن محمد قال العقيلي: في حديثه وهم، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وذكر حديثه هذا وضعفه الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٦٥)، وقال ابن عبد الهادي لا يصح، وكذا قال الذهبي. انظر «التحقيق» لابن الجوزي (٤/ ١٢١).
[ ٤ / ٢٧ ]
ثالثًا: حديث أبي هريرة:
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٩٦) من طريق إبراهيم بن حماد بن أبي حازم المديني، ثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «خمسة لا جمعة عليهم المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية» قال الطبراني: لم يروه عن مالك إلا إبراهيم.
والحديث أخرجه الدارقطني في «غرائب مالك»، كما ذكره الحافظ في «لسان الميزان»، (١/ ٢٦٨) قال الدارقطني: تفرد به إبراهيم وكان ضعيفًا.
رابعًا: حديث ابن عمر:
أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ٤) والطبراني في «الأوسط» (٨٨٢) من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: «ليس على المسافر جمعة» وهذا إسناده ضعيف جدًا كذلك، فعبد الله بن نافع قال أبو حاتم: فيه منكر الحديث وهو أضعف ولد نافع؛ وقال البخاري: منكر الحديث، والمحفوظ في هذا الحديث الوقف على ابن عمر، أخرجه البيهقي (٣/ ١٨٤) من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ليس على المسافر جمعة، قال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف ورواه عبد الله بن نافع عن أبيه فرفعه. اهـ. وقد رواه ابن المنذر (٤/ ١٩) وعبد الرزاق (٥١٩٨) (٣/ ١٧٢) موقوفًا.
[ ٤ / ٢٨ ]
خامسًا: مرسل الحسن:
روى عبد الرزاق (٣/ ١٧٤) عن ابن عيينة عن عمرو (هو ابن دينار) عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ - «ليس على المسافر جمعة» وهو ضعيف لإرساله، والحسن هو ابن محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي مدني تابعي ثقة، وأبوه هو ابن الحنفية.
وأما الآثار عن الصحابة والتابعين:
فمنها أثر ابن عمر المتقدم وهو صحيح ثابت:
أثر علي: أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٩) من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: (ليس على المسافر جمعة)، والحارث واه، وروى عبد الرزاق (٣/ ١٦٨) وابن أبي شيبة (٢/ ١.١) وغيرهما من طريق سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي أنه قال: (لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع) إسناده صحيح.
أثر عبد الرحمن بن سمرة: وأخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٤٣٥٢) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٦) من طريق هشام بن حسان عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة في بعض بلاد فارس سنتين وكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين. وإسناده صحيح،
[ ٤ / ٢٩ ]
وأخرجه البيهقي (٣/ ١٨٥) من طريق يونس بن عبيدة عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة بخراسان نقصر الصلاة ولا نُجمِّع. قال البيهقي: هكذا وجدته في كتابي، ولا نُجمِّع بالتشديد ورفع النون.
أثر أنس: وأخرج ابن المنذر (٤/ ٢) من طريق يونس عن الحسن أن أنسًا أقام بنيسابور سنة أو سنتين وكان يصلي ركعتين ولا يجُمِّع، إسناده صحيح.
أثر عمر بن عبد العزيز: وأخرج ابن أبي شيبة من طريق رجاء بن أبي سلمة عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك قال: خرج عمر بن عبد العزيز من دبق وهو يومئذ أمير المؤمنين فمر بحلب يوم الجمعة فقال الأمير: جمع فإنا سفر، وإسناده لا بأس به.
أثر مسروق وعروة بن المغيرة وجماعة من أصحاب ابن مسعود: وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١.٤) عن أبي أسامة عن أبي العميس عن علي بن الأقمر قال: خرج مسروق وعروة بن المغيرة ونفر من أصحاب عبد الله فحضرت صلاة الجمعة فلم يجمعوا وحضروا الفطر ولم يفطروا. إسناده ثابت.
وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن إبراهيم (وهو النخعي) قال: كانوا لا يجمعون في سفر ولا يصلون إلا ركعتين. صحيح، ورواه ابن أبي
[ ٤ / ٣٠ ]
شيبة عن أبي الأحوص عن المغيرة به بلفظ: كان أصحابنا يغزون فيقيمون السنة أو نحو ذلك يقصرون الصلاة ولا يجمعون.
أثر طاووس: وأخرج عبد الرزاق (٣/ ١٧٢) عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: ليس على المسافر جمعة.
أثر الزهري: وأخرج عبد الرزاق (٣/ ١٧٤) برقم (٥٢.٥) عن معمر عن الزهري قال: سألته عن المسافر يمر بقرية فينزل فيها يوم الجمعة؟ قال: إذا سمع الأذان فليشهد الجمعة. صحيح.
وعلَّقه البخاري في صحيحه من رواية إبراهيم بن سعد عنه ويأتي الكلام عليه وله سياق آخر عند عبد الرزاق برقم (٥١٨٨) بالإسناد نفسه.
[ ٤ / ٣١ ]