الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -.
أما بعد:
فقد ورد إليَّ سؤال لبعض الإخوة عن معنى قول شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب - ﵀ - في آداب المشي إلى الصلاة في سنن الصلاة الفعلية وتفضيل الشمال على اليمين في الانصراف من الصلاة قلت: أراد الشيخ - ﵀ - ما رواه الدارقطني في سننه (١/ ٣٥٦) حدثنا بدر بن الهيثم القاضي ويحيى بن محمد بن صاعد قالا: حدثنا أبو الفضل فضالة بن الفضل التميمي بالكوفة حدثنا أبو بكر ابن عياش عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر بن عمار بن ياسر - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا سلم عن يمينه يُرى بياض خده الأيمن، وإذا سلم عن شماله يُرى بياض خده الأيمن والأيسر وكان تسليمه السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. إسناده قوي.
وقد سبق شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في ذكر هذا الكلام غير واحد كالموفق في «المغني» حيث قال (٢/ ٢٤٧): ويكون التفاته في الثانية أوفى، ولكن هذه اللفظة منكرة وغير محفوظة وإليك الأدلة.
فقد أخرج حديث عمار المذكور ابن ماجه رقم (٩١٦) من طريق يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش به ولفظه عن عمار قال: كان رسول الله - ﷺ - يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
ورواه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٦٨) من طريق يوسف بن عدي عن أبي بكر به ولفظه عن عمار أن النبي - ﷺ - كان يسلم في صلاته عن يمينه وعن
[ ٣ / ٤٤ ]
شماله.
فقد اجتمع يحيى بن آدم ويوسف بن عدي على مخالفة فضالة بن الفضل وإليك ما قيل في الثلاثة:
- يحيى بن آدم الأموي الكوفي روى له الجماعة قال ابن معين في رواية الدارمي: ثقة، وكذا قال النسائي وقال أبو حاتم: كان يتفقه وكان ثقة، وقال يعقوب: به شُبَه ثقة كثير الحديث فقيه البدن ووثقه ابن سعد وقال العجلي: كان ثقة جامعًا للعلم عاقلًا ثبتًا، وقال ابن حبان كان متقنًا يتفقه، وقال ابن شاهين في الثقات: قال يحيى بن أبي شيبة ثقة صدوق ثبت حجة ما لم يخالف من هو فوقه مثل وكيع. اهـ. من «التهذيب» وفي «التقريب»: ثقة حافظ فاضل روى له الجماعة.
- ويوسف بن عدي التيمي الكوفي، قال أبو زرعة: ثقة وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الذهبي في «سيره» الإمام الثقة الحافظ، وروى له البخاري.
- وأما أبو الفضل فضالة بن الفضل التميمي قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ربما أخطأ روى له الترمذي وفي «التقريب»: صدوق ربما أخطأ.
فتبين أن فضالة - ﵀ - دون أي واحد منهما فكيف إذا اجتمعا وخالفاه، وهما ثقتان حافظان أخرج البخاري لهما، وهو لم يخرج له صاحبا الصحيح.
ثم يقال ثانيًا إن اللفظ المروي من طريق يحيى ويوسف هو الموافق للروايات الثابتة عن النبي - ﷺ - في صفة السلام من الصلاة كما في حديث سعد عند مسلم [٥٨٢]. وحديث ابن مسعود في «السنن» وأصله في مسلم مختصرًا وغيرهما من الأحاديث.
[ ٣ / ٤٥ ]
ثم يقال ثالثًا: قد أخرج حديث عمار المذكور الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٧١).
قال: حدثنا ابن مرزوق حدثنا ابن وهب حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة ابن مضرب، قال: كان عمار أميرًا علينا سنة لا يصلي صلاة إلا سلم عن يمينه وعن شماله (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) هكذا موقوف.
وهذا اختلاف آخر على أبي إسحاق في رفع الحديث ووقفه (١) وفي تسمية شيخه.
ولا شك أن شعبة أحفظ وأثبت من أبي بكر بن عياش فالقول ما قال شعبة.
وعلى كلا التقديرين في رفع الحديث ووقفه ليس فيه هذا الحرف تفضيل الشمال على اليمين في التسليم؛ فلا يشرع هذا وليس بسنة .. ثم رأيت الحديث أخرجه البزار (٤/ ٢٣٢) عن فضالة بالإسناد نفسه ولفظه: كان يسلم عن يمينه وعن يساره في الصلاة، قال البزار: وهذا الحديث رواه شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمار موقوفًا ولا نعلم أحدًا قال عن صلة عن عمار إلا أبو بكر بن عياش. اهـ.
تنبيه: أبدى بعض الفضلاء اعتذارًا عن رواية الدارقطني بقوله: لعل ذلك لأن المتورك في آخر صلاته يسهل عليه المبالغة في الالتفات على الشمال، ويشق عليه المبالغة في الالتفات على اليمين كذا قال وهو مع وجاهته، فهو مردود فالمقام توقيف ولا سبيل إلى الاستحسان كما قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والله أعلم.
_________________
(١) «إتحاف المهرة» لابن حجر (١١/ ٧٣١).
[ ٣ / ٤٦ ]