قال الإمام أحمد (في «مسنده» [٢١٨٠شاكر]: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا أبو علي الرحبي عن عكرمة، أخبرنا ابن عباس - ﵄ - قال: «اغتسل رسول الله - ﷺ - من جنابة، فلما خرج رأى لمعة على منكبه الأيسر لم يصبها الماء، فأخذ من شعره فبلها ثم مضى إلى الصلاة» (١).
وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١/ ٤٦)، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مُستلم (٢) ابن سعيد عن أبي علي الرحبي به.
ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن ماجه (١/ ٢١٧).
وهذا إسناد واهٍ، أبو علي الرحبي اسمه الحسين بن قيس، لقبه حنش، متروك الحديث، قاله أحمد والنسائي والدارقطني والساجي وغيرهم، وفي «التقريب»: متروك.
حديث آخر: قال ابن أبي شيبة (١/ ٤٥): حدثنا هشيم وابن علية ومعتمر عن إسحاق بن سويد العدوي، حدثنا العلاء بن زياد قال: «اغتسل رسول الله - ﷺ - من جنابة فخرج فأبصر لمعة بمنكبه لم يصبها الماء، فأخذ بجمته فبلَّها عليه».
ورواه أبو داود في «المراسيل» [٧٤] عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن إسحاق به.
وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح غير العلاء بن زياد،
_________________
(١) ووقع في «المصنف» وابن ماجه «مسلم» وهو خطأ.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٦٥).
[ ١ / ٢٩ ]
وهو ثقة لكنه مرسل، ورواه عبد الرزاق [١٠١٥] عن هشام بن حسان عن العلاء به.
رواه الدارقطني (١/ ١١٠) من طريق عبد السلام بن صالح عن إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - فوصله، قال الدارقطني: عبد السلام بن صالح هذا بصري ليس بالقوي وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلًا، ثم رواه مرسلًا.
حديث آخر: قال ابن ماجه (١/ ٢١٨): حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص عن محمد بن عبيد الله عن الحسن بن سعد عن أبيه عن علي سدد خطاكم قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: «إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الفجر، ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء»، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك».
ورواه مسدد عن أبي الأحوص بإسناده ومتنه (١).
وهذا إسناد واهٍ كسابقه: محمد بن عبيد الله العرزمي بتقديم الراء تركه ابن مهدي وابن المبارك والقطان ابن معين والفلاس وابن الجنيد والأزدي، وسويد متكلم فيه.
حديث آخر: قال الطبراني في «معجمه الكبير» (١٠/ ٢٨٤): حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، حدثنا عاصم بن عبد العزيز الأشجعي، حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ التيمي (٢) عن جابر بن سيلان عن عبد الله بن مسعود سدد خطاكم أن رجلًا سأل
_________________
(١) بواسطة زوائد البوصيري (١/ ٢٤٠).
(٢) وقع عند البيهقي السهمي وهو تصحيف.
[ ١ / ٣٠ ]
النبي - ﷺ - عن الرجل يغتسل من الجنابة فيخطئ بعض جسده الماء؟ فقال النبي - ﷺ -: «يغسل ذلك المكان ثم يصلي».
وأخرجه البيهقي في «سننه» (١/ ١٨٤) من طريق إسحاق به.
وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي قال معن بن عيسى: ثقة، وأثنى عليه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال البخاري: فيه نظر، وقال الذهبي في «تهذيب البيهقي» (١/ ١٩٥): واه، وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق يهم، وجابر بن سيلان بكسر السين مقبول، وقال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٧٣): رجاله موثقون.
قلت: إذا ضمَّ إلى مرسل العلاء بن زياد اعتضد به، ولهذا أخذ الإمام - ﵀ - بمرسل العلاء، قال الموفق (١/ ٢٩٢) «مغني»، وروي عن أحمد أنه سئل عن حديث العلاء بن زياد .. قال: نعم آخذ به.
حديث آخر: روى عبد الرزاق في «مصنفه» (١/ ٢٦٥) عن ابن جريج قال: «حُدثت أن النبي - ﷺ - اغتسل من جنابة ثم خرج ورأسه يقطر، وما بين كتفيه أو فوق ذلك مثل موضع الدرهم لم يمسه الماء، فقال أحدٌ للنبي - ﷺ -: اغتسلت يا رسول الله؟ قال: «نعم»، قال: فإن مثل موضع الدرهم لم يمسّه الماء، فأخذ النبي - ﷺ - بكفه من بعض رأسه من الذي فيه فمسحه به». قلت: إسناده معضل.
حديث آخر: روى الدارقطني في «سننه» (١/ ١١٢) من طريق عطاء بن عجلان عن عبد الله بن أبي ملكية عن عائشة - ﵂ - قالت: «اغتسل رسول الله - ﷺ - من جنابة فرأى لمعة بجلده لم يصبها الماء، فعصر خصلة من شعر رأسه فأمسها ذلك الماء». وعطاء بن عجلان الحنفي متروك بل أطلق عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب، كذا في «التقريب».
[ ١ / ٣١ ]
حديث آخر: «روى الدارقطني في سننه من طريق أبي المتوكل بن فضيل عن أبي ظلال عن أنس سدد خطاكم قال: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح وقد اغتسل من جنابة، فكان نكتة مثل الدرهم يابس لم يصبه الماء، فقيل: يا رسول الله، في هذا الموضع لم يصبه الماء، فسلت شعره من الماء فمسحه به، ولم يعد الصلاة».
قال الدارقطني: المتوكل ضعيف (١).
قلت: وكذا أبو ظلال القسملي واسمه هلال بن أبي هلال.
وأيضًا متنه منكر حيث لم يعد الصلاة.
حديث آخر: روى الحافظ الإسماعيلي عن إسماعيل بن يحيى، ثنا مسعر عن حميد ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: قلت يا رسول الله إن أهلي تغار عليَّ إذا أنا وطئت جواري قال: وبم يعلمن ذلك؟ قلت: من قبل الغسل، قال: إذا كان ذلك منك فاغسل رأسك عند أهلك فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر بدنك .. إسماعيل متروك عندهم (٢).
_________________
(١) «الميزان» (٣/ ٤٣٤).
(٢) بواسطة «نصب الراية» (١/ ٣٦).
[ ١ / ٣٢ ]
فصل في الآثار الواردة عن الصحابة
قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن مهدي عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن شداد بن أوس قال: «إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف الجنابة».
قال الحافظ في «الفتح» (١/ ٣٩٤) على حديث عمر في وضوء الجنب عند النوم: الوضوء هنا الشرعي والحكمة فيه أنه يخفف الحدث لاسيما على القول بجواز تفريق الغسل فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي: فذكره.
فصل في كلام الأئمة
قال البخاري في صحيحه «فتح» (١/ ٣٧٥) باب تفريق الغسل والوضوء: ويذكر عن ابن عمر - ﵄ - أنه غسل قدميه بعدما جفَّ وضوءُه، قال العيني: أي هذا باب في بيان تفريق الغسل والوضوء هل هو جائز أم لا؟ وذهب البخاري إلى أنه جائز وأيده بفعل ابن عمر - ﵄ -.
فصل
وفي مسائل صالح بن أحمد (١/ ١٦٥): سألت أبي عن الرجل يتوضأ ويترك شيئًا من جسده؟ قال: إذا كان جفَّ الوضوء أعاد الوضوء كله، ويجزيه في الجنابة أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء.
وقال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين (١/ ٧٩) مسألة: واختلف في الموالاة في الطهارة الصغرى .. ثم قال: ونقل حنبل أنها
[ ١ / ٣٣ ]
غير واجبة؛ لأنها إحدى الطهارتين فأشبه غسل الجنابة فإنه لا تختلف الرواية أن الموالاة غير واجبة فيه.
وقال في «المغني» (١/ ١٩١ - ١٩٢) بعدما ذكر الخلاف: «وما عليه الجمهور أولى؛ لأنه غسل لا يجب فيه الترتيب فلا تجب فيه الموالاة كغسل النجاسة».
وقال أبو العباس بن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٤١٨): «والموالاة في غسل الجنابة لا تجب للحديث الذي فيه أنه رأى في بدنه موضعًا لم يصبه الماء فعصر عليه شعره، والأصحاب فرقوا بينه وبين الوضوء فإنه يجب ترتيبه فكذلك الموالاة».
وقال في «الإنصاف» (١/ ١٤١): ولا تشترط في الغسل موالاة على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وحكي عن بعض الأصحاب الاشتراط كالوضوء.
وقال في «الفروع» (١/ ٢٠٤): ولا يجب موالاة على الأصح.
وقال في «كشاف القناع» (١/ ١٥٣): ولا تجب الموالاة في الغسل كالترتيب؛ لأن البدن شيء واحد بخلاف أعضاء الوضوء.
فصل
وقال الماوردي في «الحاوي» (١/ ١٣٦): قال الشافعي - ﵀ -: وإن فرَّق وضوءه وغسله أجزأه، واحتج في ذلك بابن عمر.
فصل
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٤٢١) بعد ذكر قول من أجاز التفريق: وكذلك نقول؛ لأن الله - ﷿ - أوجب في كتابه غسل أعضائه فمن أتى بغسلها فقد أتى بالذي عليه، فرَّقها أو أتى بها نسقًا متتابعًا، وليس مع من جعل حدّ ذلك الجفوف حجة.
وقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ٦٨): مسألة: ومن فرَّق وضوءه
[ ١ / ٣٤ ]
أو غسله أجزأه ذلك وإن طالت المدة أو قصرت.
وقال الحافظ ابن رجب في «شرح البخاري» (١/ ٥٩): ولو نوى بوضوئه رفع الحدثين (يعني الحدث الأصغر والجنابة) ارتفع عن أعضاء وضوئه حدثاه جميعًا بناءً على أن الغسل لا تشترط له الموالاة، وهو قول الجمهور خلافًا لمالك.
وانظر: «فتاوى شيخ الإسلام» (٢٦/ ١٧٩) مهم.
فصل
وقال شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز في تعليقه على «سنن ابن ماجه» على حديث ابن عباس المتقدم وذلك سنة ١٤٠٩هـ قال: «الغسل الراجح أنه لا تجب فيه الموالاة». هذا ما تيسر إعداده، والله الموفق (١).
_________________
(١) قرئ على شيخنا عبد العزيز بن باز - ﵀ - يوم الأحد بتاريخ ٣٠/ ٧/١٤١٥هـ فقال: «الصواب أن الغسل لا تجب فيه الموالاة .. لأنه شيء واحد، فلو نسي شيئًا أو جهله ثم نبه فغسله كفى، بخلاف الوضوء» اهـ. بحروفه.
[ ١ / ٣٥ ]