ولا يجوز عقد الهدنة إلا على مدة مقدرة معلومة لما ذكرناه، قال القاضي: وظاهر كلام أحمد أنها تجوز أكثر من عشر سنين، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، عام خُصَّ منه مدة العشر لمصالحة النبي - ﷺ - قريشًا يوم الحديبية عشرًا ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم، فعلى هذا إن زاد المدة على عشر بطل في الزيادة وهل تبطل في العشر على وجهين بناءً على تفريق الصفقة، قال: وقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أنه يجوز على أكثر من عشر على ما يراه الإمام من المصلحة، وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأنه عقد يجوز في العشر فجاز على الزيادة عليها كعقد الإجارة والعام مخصوص في العشر لمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصُّلح أكثر منها في الحرب» اهـ.
وقال في «الإنصاف»: (وإن هادنهم مطلقًا لم يصح).
هذا المذهب وعليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين: تصح وتكون جائزة ويعمل بالمصلحة لأن الله تعالى أمر بنبذ العهود المطلقة، وإتمام المؤقتة.
فائدة: لو قال: «هادنتك ما شئنا وشاء فلان» لم يصح على الصحيح من المذهب، وقيل: يصح اختاره القاضي، ولو قال: «نُقركم على ما أقرَّكم الله» لم يصح على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وقال الشيخ تقي الدين: يصح أيضًا وأن معناه في قوله: «ما شئنا» اهـ.
[ ١ / ٥٠ ]
وقال في «حاشية الروض» (٤/ ٢٩٩): (وقال الشيخ: وأما المطلق فهو عقد جائز يعمل فيه الإمام بالمصلحة، ومتى مات الإمام أو عزل، لزم من بعده الوفاء بعقده).
وقال أبو العباس في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٤٠): (ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: أن الهدنة لا تصح إلا مؤقتة: فقوله- مع أنه مخالف لأصول أحمد يرده القرآن وترده سنة رسول الله - ﷺ - في أكثر المعاهدين، فإنه لم يؤقت معهم وقتًا).
وقال أبو هبيرة في «الإفصاح» (٢/ ٢٩٦): (واختلفوا في مدة العهد فقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز ذلك على الإطلاق إلا أن أبا حنيفة قال: متى وجد للإمام قوة نبذ إليهم عهدهم وفسخ، وقال مالك والشافعي: لا يجوز أكثر من عشر سنين) اهـ.