الحديث الأول: قوله - ﷺ -: «أشمي ولا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل».
رواه أبو داود «عون» (١٤/ ١٨٣) ومن طريق البيهقي (٨/ ٣٢٤)، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وعبد الوهاب بن إبراهيم الأشجعي عن مروان عن محمد بن حسان عن عبد الوهاب الكوفي عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية أن امرأة كانت تختتن بالمدينة فقال لها النبي - ﷺ - فذكره ..
وقد وقع في إسناده اضطراب واختلاف كثير، فرواه البيهقي في «السنن والمعرفة» (١٣/ ٦٢) من وجه آخر عن عبيد الله بن عمرو الرقي حدثني رجل من أهل الكوفة عن عبد الملك بن عمير عن الضحاك بن قيس قال: كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية تخفض الجواري فقال لها رسول الله - ﷺ -: «يا أم عطية ..». .
ومن طريق محمد بن حسان رواه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٢٢٣) عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية دون ذكر عبد الوهاب ورواه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٥٢٥) من طريق عبيد الله به وسمى الرجل المبهم زيد بن أبي أنيسة، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب «العيال». (٢/ ٧٨٠) من طريق عبيد الله بن عمرو عن عطية القرظي قال: كان بالمدينة خافضة يقال لها أم عطية وهذا اختلاف شديد واضطراب.
قال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ٨٣): واختلف فيه على عبد الملك بن عمير فقيل
[ ٢ / ٧٥ ]
عنه عن الضحَّاك بن قيس: كان بالمدينة امرأة وقيل عنه عن عطية القرظي رواه أبو نعيم في «المعرفة»، وقيل عنه عن أم عطية رواه أبو داود في «السنن» وأعله بمحمد بن حسان فقال: مجهول ضعيف .. اهـ.
وطريق الحاكم المذكورة لا تصلح للمتابعة فإنها من طريق هلال بن العلاء عن أبيه عن عمرو به، والعلاء ضعفه أبو حاتم بقوله: منكر الحديث ضعيف، وكذلك حصل في إسناده اختلاف آخر هل سمعه عبد الملك بن عمير من أم عطية أم بينهما واسطة، فقد قال الحافظ في «الإصابة» في ترجمة الضحَّاك وذكر بعض طرق هذا الحديث قال: وظهر من هذا أن عبد الملك دلسه على أم عطية والواسطة بينهما الضحَّاك بن قيس، والضحَّاك هذا قال يحيى لما سأله المفضل الغلابي عنه قال: الضحاك بن قيس هذا ليس بالفهري وعبد الملك بن عمير قال عنه أحمد كما في «بحر الدم» (٢٧٩): مضطرب الحديث جدًا، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها وهو مع ذلك مدلس قال الحافظ: (مشهور بالتدليس وصفه بذلك الدارقطني وابن حبان، وذكر ذلك عنه الذهبي والعلائي والمقدسي والحلبي).
قلت: وتغيَّر حفظه فإنه كبر وشاخ فالحديث ضعيف ومضطرب؟
حديث آخر:
روى الخطيب في «تاريخه» (١٢/ ٢٩١) من طريق عوف بن محمد أبو غسان حدثنا أبو تغلب عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي قال: (كانت خفاضة بالمدينة فأرسل إليها رسول الله - ﷺ -: «إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي، فإنه أحسن للوجه وأرضى للزوج». رواه في «ترجمة عوف» هذا وقال عنه: حدث عن يوسف بن عبده، وعنه عمرو بن علي وبندار قاله ابن منده. اهـ.
وأبو البختري لم يسمع من علي شيئًا قال ابن سعد في «الطبقات» (٦/ ٢٩٣):
[ ٢ / ٧٦ ]
كان أبو البختري كثير الحديث يرسل حديثه ويروي عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولم يسمع من كبير أحد فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن وما كان عن فهو ضعيف. اهـ. وأبو تغلب لا يُدرى ما حاله فالحديث لا يصح.
حديث آخر:
روى البيهقي (٨/ ٣٢٤) وابن أبي الدنيا (٢/ ٧٧٩) والطبراني في «الصغير» (١/ ٩٢)، و«الأوسط» (٧/ ١٩٥)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٠٨٣) والخطيب في «تاريخه» (٥/ ٣٢٧)، كلهم من طريق زائدة بن أبي الرقاد عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج». وزائدة منكر الحديث كما قال البخاري والنسائي، قال ابن عدي: له أحاديث أفرادات وفي بعض حديثه ما ينكر.
حديث آخر:
روى أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ٢٤٥)، حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس حدثنا إسماعيل بن أبي أمية حدثنا أبو هلال الراسبي سمعت الحسن حدثنا أنس قال: كانت ختانة بالمدينة يقال لها أم أيمن فقال لها النبي - ﷺ -: «إذا خفضت فأضجعي يدك، ولا تنهكيه، فإنه أسنى للوجه وأحظى للزوج».
وإسماعيل بن أبي أمية غالب ظني أنه الذي ذكره الدارقطني في «سننه» (٣/ ٣٢، ٣٤) و(٤/ ٢٠) فإنه من هذه الطبقة قال الدارقطني: ضعيف متروك الحديث، وقال مرة: يضع الحديث فإن يكنه فالحديث باطل، وأبو هلال ليِّن الحديث.
حديث آخر:
روى أحمد في «مسنده» (٥/ ٧٥) وابن أبي الدنيا (٢/ ٧٧٦) في كتاب «العيال»،
[ ٢ / ٧٧ ]
وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٣١٧)، والبيهقي (٨/ ٣٢٥)، والطبراني في «الكبير» (٧/ ٣٢٩)، من طريق الحجاج بن أرطأة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه عن شداد بن أوس عن النبي - ﷺ - قال: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء».
عند أحمد والبيهقي دون ذكر شداد.
حديث آخر:
روى البيهقي (٨/ ٣٢٥) وابن عساكر في «تبيين الامتنان بالأمر بالختان» (ح٢٦) من طريق حجاج بن عن مكحول عن أبي أيوب عن النبي - ﷺ - قال: (فذكره بمثل الذي قبله).
قال أبو حاتم في «علله» (٢/ ٢٤٧): سألت أبي عن حديث رواه حفص ابن غياث عن حجاج بن أرطأة عن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس عن النبي - ﷺ - قال: «الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء»، ورواه عبد الواحد بن زياد عن حجاج عن مكحول عن أبي أيوب عن النبي - ﷺ -، قال أبي: (الذي عن حجاج عن مكحول خطأ وإنما أراد حديث حجاج ما قد رواه مكحول عن أبي الشمال عن أبي أيوب عن النبي - ﷺ -: «خمس من سنن المرسلين ..». الحديث فترك أبا الشمال فلا أدري هذا من الحجاج أم من عبد الواحد وقد رواه النعمان بن المنذر عن مكحول عن النبي - ﷺ -، فذكره. اهـ. يعني مرسلًا.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ٥٩) بعد ذكر حديث شداد: واحتج من جعل الختان سنة بحديث أبي المليح هذا وهو يدور على حجاج بن أرطأة وليس ممن يحتج بما انفرد به، والذي أجمع عليه المسلمون الختان في الرجال على ما وصفنا. اهـ.
ومقال البيهقي عقب حديث شداد: الحجاج بن أرطأة، لا يحتج به وقيل عنه عن مكحول عن أبي أيوب، وهذا منقطع ثم أسنده عن حجاج به، قلت: لأن
[ ٢ / ٧٨ ]
مكحولًا لم يسمع من أبي أيوب.
وقال الحافظ في «التلخيص» (٤/ ٨٢): والحجاج مدلس وقد اضطرب فيه فتارة يرويه كذا (يعني عن أبي المليح عن أبيه) وتارة بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح ثم ذكر ما تقدم من كلام الأئمة، فالحديث ضعيف مضطرب.
حديث آخر:
روى البيهقي (٨/ ٣٢٥)، والطبراني (١١/ ٢٣٣) من طريق الوليد حدثنا ابن ثوبان عن محمد بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء» وضعفه البيهقي بقوله هذا إسناد ضعيف والمحفوظ موقوف وقال في «المعرفة»: لا يصح رفعه، ورواته موثقون إلا أن فيه تدليسًا، كذا في «التلخيص».
قلت: الوليد بن الوليد قال أبو حاتم: صدوق وقال الدارقطني: متروك. اهـ من «الميزان» ووقع في تعيينه اختلاف كما في «اللسان» وقال ابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٨١): الوليد بن الوليد يروي عن ابن ثوبان وثابت بن يزيد العجائب، وشيخه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان متكلم فيه.
ثم رواه البيهقي في «سننه» من طريق إبراهيم بن مجشر ثنا وكيع عن سعيد بن بشير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس من قوله، ورواه ابن عدي في «الكامل» (١/ ٢٧٢) من طريق إبراهيم به، ثم قال: وإبراهيم له أحاديث منكرة من جهة الإسناد غير محفوظة، وترجمه في «اللسان»، وذكره حديث الترجمة من منكراته، وذكر جرحه عن جماعة، وسعيد ضعيف، ورواه الطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٨٢) من طريق سعيد به.
ورواه الطبراني في «الكبير» من وجه آخر (١١/ ٣٥٩).
[ ٢ / ٧٩ ]
حدثنا الحسن بن علي الفسوي ثنا خلف بن عبد الحميد ثنا عبد الغفور عن أبي هاشم عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: فذكره موقوفًا وعبد الغفور متروك ترجمة في «المجروحين» و«الميزان» و«ضعفاء العقيلي» وغيرها.
حديث آخر:
روى البزار في «مسنده» (١/ ٦٦٩) «مختصر الزوائد» لابن حجر من طريق مندل بن علي عن ابن جريح عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - قال: دخل على النبي - ﷺ - نسوة من الأنصار فقال: «يا نساء الأنصار، اختضبن غمسًا، واخفضن ولا تنهكن، فإنه أحظى عند أزواجكن، وإياكن وكفر المنعمين». قال مندل: يعني الزوج، ومندل ضعيف، ورواه ابن عدي (٣/ ٩٠١) من طريق خالد بن عمرو القرشي عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سالم عن أبيه عن النبي - ﷺ - نحوه وخالد بن عمرو متروك الحديث بل كذَّبه يحي بن معين ونسبه إلى الوضع جماعة كصالح جزرة وابن عدي وغيرهم.
الجزء الثالث
روى البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٤٥).
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثتنا عجوز من أهل الكوفة - جدة علي بن غراب - حدثني أم المهاجر قالت: سُبيت في جواري من الروم فعرض علينا عثمان الإسلام فلم يسلم منَّا غيري وغير أخرى، فقال عثمان: (اذهبوا فاخفضوهما وطهِّروهما).
والعجوز هذه اسمها طلحة (١) تكنى بأم غراب لا يعرف حالها وأم المهاجر الرومية مقبولة.
_________________
(١) انظر: «تهذيب الكمال» (٣٥/ ٢٤١).
[ ٢ / ٨٠ ]
أثر آخر:
روى البخاري في «الأدب المفرد».
حدثنا أصبغ أخبرني ابن وهب أخبرني عمرو أن بكيرًا حدثه أن أم علقمة أخبرته أن بنات أخي عائشة ﵅ خُتنّ فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من يلهيهن
أصبغ بن الفرج ورَّاق عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث وبكير بن الأشج لا يُسأل عنهم، وأما أم علقمة هذه خرَّج لها البخاري في «الآداب» كما هنا وعلق لها في الحيض من صحيحه (١)، قال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في «الثقات» وفي «التقريب»: مقبولة (٢) واسمها مرجانة.
أثر آخر:
قال إبراهيم بن إسحاق الحربي في «غريب الحديث» (٢/ ٥٥٣).
حدثنا موسى حدثنا حماد عبيد الله بن أبي المليح عن أبي المليح أن ختانة خفضت جارية فماتت فرفعت إلى عمر فقال: كيف خفضتيها؟ قالت: كما كنت أخفض قال: لو ما أبقيت، فضمنها.
قلت: موسى هو ابن إسماعيل المنقري، وحماد هو ابن سلمة وعبيد الله بن أبي حمُيد هكذا صوابه لا ابن أبي المليح فهذا تحريف وليس لأبي المليح ابن اسمه عبيد الله، ثم لو كان كذا لقيل عن أبيه، كما هو الجادَّة، وعبيد الله هذا أبو الخطاب ضعيف منكر الحديث يروي عن أبي المليح عجائب كما قال الأئمة.
_________________
(١) كذا قال الحافظ في «اللسان» والذي رأيت في «الصحيح» في باب الصيام في الحجامة والقيء للصائم وانظر: «تحفة الأشراف» (١٢/ ٤٣٣). وأظن أنه لم يصرح بها في الحيض بل أبهمت.
(٢) والأقرب أنها فوق ذلك، وأنها لا بأس بها.
[ ٢ / ٨١ ]
وأبو المليح لا أظن أنه أدرك عمر.
هذا ما وقفت عليه من الأخبار في ختان المرأة وهي كما ترى معلولة، وظاهر ما نقله الخلَّال عن أحمد - ﵀ - حينما احتج بحديث «إذا التقى الختانان» الذي رواه مسلم وغيره، أقول ظاهره: أنه لم يعوِّل على هذه الأخبار ولم تصح عنده وإلا لذكر ذلك، وأما استدلال بعضهم بحديث (خمس من الفطرة) أخرجاه. أقول: الفرق ظاهر بين الجنسين شرعًا وحسًا.
فالختان في حق الرجل تعود مصلحته إلى شرط من شروط الصلاة وهو الطهارة لاجتماع بقايا البول في القلفة وهو أيضًا ميزة للمسلمين يتميزون بها عن الكفارة، حيث كان المسلمون يعرفون قتلاهم في المعارك بهذا وغايته في المرأة أن يعدِّل شهوتها ويقلل من غلمتها (١) ثم إن قوله - ﷺ -: «أشمي ولا تنهكي ». لو صح يفيد أن المرأة لها ثلاثة أحوال (٢).
الحالة الأولى: أن لا تختتن، وبهاء الوجه والحظوة عند الزوج حاصلة لها مع وفور الشهوة، فإن قوله - ﷺ -: «فإنه أحظى عند الزوج وأبهى للوجه» راجع إلى قوله: «ولا تنهكي» لا إلى قوله: «أشمي».
الحالة الثانية: أن تختتن من غير مبالغة، وهذا تعتدل شهوتها، والحظوة عند الزوج، وبهاء الوجه حاصل لبقاء شيء من موضع الختان، وهذه الحال الفضلي.
الحالة الثالثة: أن تختتن فتبالغ جدًا ولا تبقي شيئًا فهذه تذهب شهوتها أو تكاد، فتذهب حظوتها عند زوجها.
_________________
(١) فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٤/ ١١٧).
(٢) وانظر كلام شيخ الإسلام أول البحث.
[ ٢ / ٨٢ ]
وخلاصة الكلام أن ختان المرأة لم يصح بالأمر به شيء عن رسول الله - ﷺ -، وهو دائر بين الإباحة والاستحباب (١) - فإن مجموع ما ذكر يفيد هذا إن شاء الله - أما الوجوب فلا والله. فواعجبًا للشافعية كيف يقولون به (٢).
والله أسأل صلاح قلوبنا وأعمالنا، كما أسأله أن يجنبنا الفرقة والاختلاف وأن يرزقنا الاجتماع والائتلاف على الحق الذي يرضاه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد - ﷺ - وعلى آله وصحبه أجمعين.
غرة صفر /١٤١٦هـ
_________________
(١) وتقدم كلام ابن القيم وقوله: لا خلاف في استحبابه، فإن أراد الإجماع فتسقط مرتبة الإباحة إن صح وقوع الإجماع، وإلا فالمسألة بحالها وكلامه ليس صريحًا في الإجماع، وتقدم قولٌ بالكراهة.
(٢) وبعد كتابة هذا الجزء بأزيد من سنة تأملت ما رواه البخاري في كتاب «المغازي» باب قتل حمزة بن عبد المطلب سدد خطاكم، وأسند عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في وحشي .. فذكر قصة قتله لحمزة وفيه فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور قال الحافظ: قال ابن اسحاق: كانت أمه ختانة بمكة تختن النساء. اهـ. المقصود، وإنما يستقيم الاستدلال به على مشروعية الختان إذا جرى العمل به في الإسلام، وحمزة وإن عيَّر سباعًا به لكنه لا يكذب فالصحابة كلهم عدول ثقات، وقد جرى العمل بذلك وأثر عائشة يدل عليه، والله أعلم.
[ ٢ / ٨٣ ]
تَأليف
أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع العتيبي
قرئَ مِنْهُ على
سماحة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز - ﵀ -
مفتي عَام المملكة الْعَرَبيَّة السعودية سَابِقًا
«الْجُزْء الثَّالِث»
دَارُ الوَطَن للنَّشر
[ ٣ / ١٦٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أنقذنا الله به من حنادس الظلمات، وجعله سراجًا منيرًا، وأنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورًا وأشرقت الأرض بنورها أكمل الإشراق، وفاض ذلك النور حتى عمّ النواحي والآفاق واتسق قمر الهدى أتم الاتساق، وقام دين الله الحنيف على ساق.
أما بعد: فإن من شرط دين الحنفاء الموحدين التجافي عن ملة أهل الشرك والملحدين وبذا وصف الله خليله في كتابه المحكم المبين: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، فمجانبة طريقهم وبغضهم وحربهم سبيل أنبياء الله ورسله، هو أصل الدين ورأسه وأصل الإيمان وأساسه، ولذا كان أعظم ما نهينا عن اتباع طرائقهم والسير على مناهجهم أهل الكتاب، ولذا كان أهل الإسلام في كل صلاة يتبرأون من طريقتهم كما في كلام ربنا في فاتحة الكتاب، فهم يقولون: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٦، ٧].
فالأولى - الأمة الغضبيّة: هم «اليهود»، أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل، قتلة الأنبياء وأكلة السحت وهو الربا والرشا أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة عادتهم البغضاء، ودينهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرون لمن خالفهم
[ ٣ / ٣ ]
في كفرهم وتكذيبهم من الأنبياء حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفعة، ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة، بل أخبثهم وأعقلهم، وأحذقهم أغشهم، وسليم الناصية- وحاشاه أن يوجد بينهم - ليس بيهودي على الحقيقة أضيق الخلق صدورًا، وأظلمهم بيوتًا، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجية، تحيتهم لعنة ولقاؤهم طيرة، شعارهم الغضب ودثارهم المقت.
والصنف الثاني المثلثة: أمة الضلال وعُبَّاد الصليب، الذين سبوا الله الخالق مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يجعلوه أكبر من كل شيء، بل قال فيه ما: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]، فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها إن الله ثالث ثلاثة، وأن مريم صاحبته وأن المسيح ابنه، وإنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة، وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات ودفن، فدينها عبادة الصلبان، ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان، يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا.
فدينهم شرب الخمور وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة، والحلال ما حلله القس والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وهو الذي يغفر لهم الذنوب، وينجيهم من عذاب السعير (١).
_________________
(١) من مقدمة ابن القيم لـ «هداية الحيارى».
[ ٣ / ٤ ]
فهاتان الأمتان الملعونتان، قد طغوا وبغوا وعتوا وتجبروا فكم لهم على أمة الإسلام من أيام عصيبة، ودواهي ومصيبة، لم تكن دولة للإسلام قط؛ إلا كادوها، وما قامت للمسلمين قائمة إلا ناجزوها وآذوها فكان حقًا على كل مسلم الاستعداد لمناجزة العدو الكافر الفاجر بالحجة والبيان والسبف والسنان فقد أعلنوها حربًا صليبية لا هوادة فيها ولا مثنوية أفبعد هذا يحسن اللهو واللعب، وترك الإعداد والجهاد، ما لكم يا قوم أين تذهب عقولكم، نعوذ بالله من الغفلة والتغافل.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، والآيات في ذلك كثيرة.
اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم اكفناهم بما شئت، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويؤذون أهل دينك.
وصلى الله وسلم على خير من جاهد لله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
وكتبه
أبو محمد عبد الله بن مانع العتيبي
هاتف وفاكس: ٢٣٠٠٢٤٤
[ ٣ / ٥ ]