عن أم سلمة - ﵂ - قالت: كانت ليلتي التي يصير فيها إليَّ رسول الله - ﷺ - مساء يوم النحر، فصار إليَّ، فدخل عليَّ وهب بن زمعة معه رجل من آل أبي أمية مقمصين، فقال رسول الله - ﷺ - لوهب: «هل أفضت أبا عبد الله؟» قال: لا والله يا رسول الله! قال - ﷺ -: «انزع عنك القميص»، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: «إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا، -يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء-، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به».
أخرجه أحمد (١٢/ ٢٠١ ساعاتي)، وأبو داود (بذل ٩/ ٣٢٧ عون) (٥/ ٤٨٠) «تهذيب السنن» (٢/ ٤٢٧)، «المنهل العذب» (٢/ ١٧٤)، وابن خزيمة (٤/ ٣١٢)، والحاكم (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠)، والبيهقي (٥/ ١٣٧)، والطبراني (٢٣/ ٤١٢) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة به.
وأبو عبيدة هذا ترجمه في «التهذيب» (١٢/ ١٥٩) روى عنه الزهري وابن إسحاق وغيرهم، قال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا سماه، له عند مسلم حديث عن أمه زينب عن أمها أم سلمة في الرضاعة. اهـ.
وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكره خليفة بن خياط في طبقاته في الطبقة الثالثة من «قبائل قريش» ص [٢٥٦]، قال ابن حزم في «المحلى» (٧/ ١٤٢) بعدما ذكر حديث الترجمة: (ولا يصح لأن أبا عبيدة وإن كان مشهور الشرف والجلالة في الرياسة فليس معروفًا بنقل
[ ١ / ٤٥ ]
الحديث، ولا معروفًا بالحفظ، ولو صح لقلنا به مسارعين إلى ذلك وقد قال به عروة بن الزبير) (١) اهـ.
وقال الذهبي في «الكاشف» (٣/ ٣١٥): أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة .. ثقة، وقال الحافظ في «التقريب»: مقبول.
طريق أخرى: وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن يزيد بن رومان عن خالد مولى الزبير عن زينب عن أم سلمة به، قلت: وهذا إسناد ضعيف، محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعنه، وخالد مولى الزبير، قال الحسيني في «الإكمال» [٢٢١]: خالد مولى الزبير بن نوفل عن زينب بنت أبي سلمة وعنه يزيد ابن رومان لا يُدرى من هو. وتبعه الحافظ من التعجيل [٢٦٧] وقال العراقي في «ذيل الكاشف» [٩٢]: لا أعرفه. اهـ.
طريق أخرى: أخرج الطحاوي في «شرح المعاني» (٢/ ٢٢٧ـ ٢٢٨) من طريق ابن لهيعة، ثنا الأسود عن عروة عن جُدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب صاحب النبي - ﷺ - وأخًا له آخر جاءاها حين غابت الشمس يوم النحر فألقيا قميصيهما فقالت: ما لكما؟ قالا: إن رسول الله - ﷺ - قال: «من لم يكن أفاض من هنا فليلق ثيابه». وكانوا تطيبوا ولبسوا الثياب.
وأخرجه من طريق ابن لهيعة به عن عروة عن أم قيس بنت محصن قال: دخل عليَّ عكاشة بن محصن وآخر في منى مساءً يوم الأضحى فنزعا ثيابهما وتركا الطيب، فقلت: ما لكما؟ فقالا: إن رسول الله - ﷺ - قال لنا: «من لم يفض إلى البيت من عشية هذه فليدع الطيب والثياب» اهـ. وذكر هذين الطريقين الحافظ ابن حجر في «الإصابة» في ترجمة عكاشة بن وهب .. وقال:
_________________
(١) علق الشيخ على هذا المحل: هذا يدل على ضعفه لحال أبي عبيدة.
[ ١ / ٤٦ ]
كأن الطريق الثانية أصح - يعني عن عروة عن أم قيس، فقد جاء الحديث من وجه آخر عنها رواه الحاكم (١/ ٤٩٠) اهـ.
قلت: الطريق التي أشار إليها الحافظ أخرجها الحاكم بعد حديث الترجمة قال: وقال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس، يعني به مثله وهذان الطريقان فيهما ابن لهيعة وهو عبد الله القاضي صدوق خلط بعد احتراق كتبه .. كذا في «التقريب»، والمختار أن حديثه حسن في الشواهد، وعند التفرد ضعيف.
وخلاصة ما تبين لي في هذا الحديث أنه بهذه الطرق يصل إلى درجة الاحتجاج ولا أشك في ذلك، لكن الشأن في متنه، قال البيهقي (٥/ ١٣٦): لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول به. وقال أبو العباس الطبري في «القرى لقاصد أم القرى» [٤٧٢]: وهذا حكم لا أعلم أحدًا قال به، وذكره النووي في «المجموع» (٨/ ٢٠٥)، وصدَّره بقوله: (فرع) في بيان حديث مُشكل، وقال عقبه: وهذا الإسناد صحيح ثم ذكر كلام البيهقي المتقدم، ثم قال: فيكون الحديث منسوخًا دلَّ الإجماع على نسخه، فإن الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ، لكن يدل على ناسخ. اهـ.
وحديث الترجمة قال عنه ابن القيم في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٢٧) إنه محفوظ، وذكره الحافظ في «التلخيص» (٢/ ٢٦٠) وسكت عنه، وجوَّده الساعاتي وصححه الألباني كما في «صحيح ابن خزيمة» حديث رقم [٢٩٥٨] (٤/ ٣١٢) وكذلك جوَّده أمين خطاب في تكملة شرح والده على أبي داود في المسمى «المنهل العذب المورود» وقد أفتى به عروة كما ذكر ذلك ابن حزم وتقدم، وأفتى به الشيخ علي ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - كما في مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، وأما عبد الله ابن الشيخ محمد فقد قال:
[ ١ / ٤٧ ]
(ونحن ما تجاسرنا على الفتيا به لأجل أنه خلاف أقوال العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم) اهـ.
وسألت شيخنا العلامة المحدِّث سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - فقال: (هو حديث شاذ .. والنبي - ﷺ - قد بيَّن أمر الحج أتم البيان ..) اهـ.
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين - ﵀ -: إنه حديث شاذ.
تنبيه: ذكر بعضهم إجابة عن هذا الحديث خلاصتها أن هذا كان من النبي - ﷺ - لهذين الرجلين على سبيل الاحتياط وخشية مواقعة المحرم من إتيان النساء قبل طواف الإفاضة، وذلك لما دخلا عليه متطيِّبَيْن فسلم هذا الطريق معهم سدًّا للذريعة ولم يكن تعبدًا بل سياسة .. إلخ.
قال صاحب «بذل المجهود» آثرًا له عن بعض شيوخه، وهو في «شرح إعلاء السنن» (١٠/ ١٦٥).
قلت: وهذا ليس بشيء فإن النبي - ﷺ - سنَّ لأمته التطيب قبل الطواف بفعله وقوله ولم يستثن حالة ولا أشخاصًا ولم يبين هذا لأمته بيانًا عامًّا يحصل به البلاغ حتى يذكره لرجلين دخلا عليه، وإنما هو مُبلغ.
وإطلاقات الأحاديث الصحيحة المخرَّجة في الصحيحين وغيرهما صريحة في عدم تقييد الإحلال بزمن معيَّن فرجوع الحلال حرامًا بعدما حل بالرمي والذبح والحلق لأجل كونه لم يطف بالبيت حتى المساء مستنكر غريب في النصوص المتظاهرة في صفة الحج، ثم الأحكام التي تُبلغ في مثل هذا الجمع تتوافر الهمم والدواعي على نقلها، وقد كان النبي - ﷺ - ينسك المناسك ويقول: «خذوا عني مناسككم». وهذا حديث جابر الذي رواه مسلم في صحيحه الذي هو منسك متكامل دقيق لم يذكر مثل هذا.
[ ١ / ٤٨ ]
وقال شيخنا في «شرح البلوغ»: (حديث جابر حديث عظيم لم يرد في الأنساك مثله، وحديث جابر منسك مستقل) اهـ. بحروفه.
هذا جهد المقل حسب ما تيسر ونسأل الله حسن الختام، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١).
_________________
(١) قرأته على سماحة شيخنا بتاريخ الاثنين ١٩/ ١١/١٤١٣هـ وعلق الشيخ بقوله: (الأقرب أن الحديث لا يحتج به لضعفه ومتنه منكر).
[ ١ / ٤٩ ]