ينبغي أن يدعو بما يناسب النازلة وبما يفي بالمقصود.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/ ١.٩): (فسنة رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
١ - أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس بسنة دائمة في الصلاة.
٢ - أن الدعاء فيه ليس دعاء راتبًا، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي - ﷺ - أولًا، وثانيًا كما دعا عمر وعلي - ﵄ - لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده، والذي يبين هذا أنه لو كان النبي - ﷺ - يقنت دائمًا، ويدعو بدعاء راتب، لكان المسلمون ينقلون هذا عن نبيهم، فإن هذا من الأمور التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها، وهم الذين نقلوا عنه في قنوته ما لم يداوم عليه، وليس بسنة راتبة، كدعائه على الذين قتلوا أصحابه، ودعائه للمستضعفين من أصحابه، ونقلوا قنوت عمر وعلي على من كانوا يحاربونهم.
[ ٤ / ٧٧ ]
وقال الحافظ ابن حجر في «بذل الماعون في فضل الطاعون» (ص٣٣٤) ما نصه: (لم أقف في شيء من كتب الفقهاء على ما يدعو به في القنوت في النوازل، والذي يظهر أنهم وكلوا ذلك إلى فهم السامع، وأنه يدعو في كل نازلة بما يناسبها.
انظر: «مجموع فتاوى ابن عثيمين» (١٤/ ١٨٢).
مسائل هامة:
١ - الصحيح استحباب الدعاء برفع الطاعون، وأنه من جملة النوازل، وقد أطال البحث فيه الحافظ ابن حجر في كتابه الماتع «بذل الماعون» (ص٣١٥) وهذا خلاف المشهور عند الحنابلة.
٢ - لا ينبغي للإمام إطالة الدعاء والإشقاق على الناس.
٣ - لا ينبغي للإمام الإتيان بالأدعية المسجوعة المتكلِّفة.
٤ - لا ينبغي للمأمومين العجلة بالتأمين قبل استكمال الدعاء، وقد روي أن معاذًا أبا حليمة قال في دعائه: (اللهم قحط المطر فقالوا آمين، فلما فرغ قال قلت: اللهم قحط المطر فقلتم آمين. ألا تسمعون ما أقول ثم تؤمنون) اهـ. من «مسائل أبي داود» لأحمد .. ط رشيد (ص٦٩).
[ ٤ / ٧٨ ]
٥ - الصلاة على النبي - ﷺ - مشروعة في القنوت، وقد جاءت في قنوت رمضان، فقد كان أبو حليمة معاذ القاري يفعله، وهو الذي رتبه عمر إمامًا في التراويح إذا غاب أُبيّ بن كعب. أخرجه إسماعيل القاضي في كتاب «فضل الصلاة على النبي - ﷺ - بسند صحيح، كما قال الحافظ في «نتائج الأفكار» (٢/ ١٥٦). وأبو حليمة اختلفوا في صحبته. وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب «قيام الليل» بسند صحيح عن الزهري: (كانوا يلعنون الكفرة في رمضان يشير إلى دعاء القنوت ثم يُصلي على النبي - ﷺ - ثم يدعو للمسلمين (ومن طريق وهب بن خالد عن أيوب نحوه، وسنده صحيح أيضًا .. انتهى من «نتائج الأفكار».
٦ - أحكام قنوت النوازل وقنوت الوتر متقاربة إلا ما ثبت الفرق فيه فيشتركان، مثلًا في الجهر بالدعاء ورفع اليدين والتأمين على الدعاء ونحو ذلك وقد عقد البخاري (باب القنوت قبل الركوع وبعده)، وذكر حديث أنس في القنوت في الفجر في «أبواب الوتر».
٧ - هل اليدان تكونان مضمومتين أو مفرجتين حال الرفع؟ سألت شيخنا ابن باز - ﵀ - عن ذلك فقال: تكون مضمومة، ونص عليه الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - في «الشرح الممتع».
[ ٤ / ٧٩ ]
٨ - لا بأس من التنصيص على اسم أحد في الدعاء، كما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقد فعله أصحاب النبي - ﷺ - من بعده. وقد عقد ابن أبي شيبة في مصنفه «باب في تسمية الرجل في القنوت»، وقال العراقي في «طرح التثريب» على فوائد حديث أبي هريرة (الخامسة) فيه حجة على أبي حنيفة في منعه أن يدعى لمعين أو على معين في الصلاة، وخالفه الجمهور فجوزوا ذلك لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة، وقال أيضًا (السابعة) فيه جواز الدعاء على الكفار ولعنتهم، وقال صاحب «المفهم»: (ولا خلاف في جواز لعن الكفرة والدعاء عليهم).
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب - ﵁ -، ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأننا لا ندري بما يختم له، واستدل بعضهم بهذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين. واختار
[ ٤ / ٨٠ ]
ذلك الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره بقوله - ﵇ - في صحيح البخاري في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» قالوا: فَعِلَّة المنع من لعنه؛ بأنه يحب الله ورسوله، فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يلعن، والله أعلم.
وقد قسَّم بعض أهل العلم هذه المسألة تقسيمًا حسنًا فقال:
- اللعن: بوصف عام مثل: لعنة عامة على الكافرين وعلى الظالمين والكاذبين.
- اللعن بصفة أخص منه، مثل لعن آكل الربا، ولعن الزناة، ولعن السراق والمرتشين. والمرتشي، ونحو ذلك.
- لعن الكافر المعين الذي مات على الكفر، مثل فرعون.
- لعن كافر معين مات، ولم يظهر من شواهد الحال دخوله في الإسلام فيلعن. وإن توقى المسلم وقال: لعنه الله إن كان مات كافرًا، فحسن.
- لعن كافر معين حي، لعموم دخوله في لعنة الله على الكافرين، ولجواز قتله، وقتاله، ووجوب إعلان البراءة منه.
- لعن المسلم العاصي - معينًا - أو الفاسق بفسقه، والفاجر بفجوره. فهذا اختلف أهل العلم في لعنه على قولين، والأكثر- بل حكي الاتفاق عليه-
[ ٤ / ٨١ ]
على عدم جواز لعنه؛ لإمكان التوبة، وغيرها من موانع لحوق اللعنة، والوعيد مثل ما يحصل من الاستغفار، والتوبة، وتكاثر الحسنات وأنواع المكفرات الأخُرى للذنوب. وإن ربي لغفور رحيم. اهـ. «معجم المناهي اللفظية» للشيخ بكر أبو زيد.
قلت: مما يدل على عدم جواز لعن المعين المسلم أن النبي - ﷺ - لعن في الخمر عشرة، كما في الحديث الذي في السنن، ولما أتي بمن شرب فلعنه بعض أصحاب النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله»، وأما الكافر الحي المعين فقد منع بعضهم لعنه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]. فذكر لعنه بعد ما مات على الكفر انظر: «تفسير ابن سعدي».
- مدة القنوت في النازلة يتبع حال النازلة وشدتها واستمرارها، وقد قنت النبي - ﷺ - شهرًا لما بلغه قتل أصحابه، فالنازلة قد انتهت لكنها كانت شديدة انظر: «فتاوى اللجنة الدائمة» (٧/ ٤٩) ط. بلنسية.
وكتب /أبو محمد عبد الله بن مانع
١٠/ ٢/١٤٢٤هـ
[ ٤ / ٨٢ ]