قد علمت أن هذا النوع يتركب قياسه من [مقدمتين] (^١):
الأولى منهما تسمى الشرطية، وهي قضية شرطية.
والثانية تسمى الاستثنائية، وهي قولك: (لكنه غير حيوان) مثلًا، أو (لكنه إنسان) مثلًا. والقضية التي هي الاستثنائية حملية.
ونقل ابن عرفة (^٢) عن الفارابي (^٣) أن الشرطية فيه هي الكبرى، والاستثنائيةَ هي الصغرى، عكس الاقتراني؛ فإن أولاه هي الصغرى، وأخراه هي الكبرى.
وأما القياس الشرطي المركب من الشرطيات المنفصلة والاستثنائية فهو ثلاثة أقسام؛ لأن الشرطية المنفصلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما تقدم إيضاحه (^٤).
_________________
(١) في المطبوع: (تقدمتين).
(٢) محمد بن محمد بن محمد بن عرفة، أبو عبد الله الورْغمي، التونسي، المالكي، عالم المغرب، توفي سنة ٨٠٣ هـ. انظر الضوء اللامع للسخاوي (٩/ ٢٤٠)، الأعلام للزركلي (٧/ ٤٣).
(٣) أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ التركي المنطقي الفيلسوف، يقال إنه أول من اخترع القانون -الآلة الموسيقية-، وإنه يعرف سبعين لغة، توفي سنة ٣٣٩ هـ. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (١٥/ ٤١٦ - ٤١٨).
(٤) ص ٧٦، ٧٧.
[ ١٣٢ ]
١ - فإن كان القياس مركبًا من [منفصلةٍ] (^١) حقيقيةٍ (^٢) مانعةِ جمعٍ وخلُوٍ معًا فإن ضروبه الأربعةَ منتجة، ولا عقيم فيه البتة:
فاستثناء نقيض كل واحد من طرفيها ينتج عين الآخر؛ لعنادهما في العدم.
واستثناء عين كل واحد من طرفيها ينتج نقيض الآخر؛ لعنادهما في الوجود.
فلو قلت: (العدد إما زوج وإما فرد، لكنه غير زوج) أنتج: (فهو فرد).
ولو قلت: (لكنه غير فرد) أنتج (فهو زوج).
ولو قلت: (لكنه زوج) أنتج: فهو غير فرد.
ولو قلت: (لكنه فرد) أنتج: (فهو غير زوج).
وهكذا في كل قياس مركب من مانعة جمع وخلُو معا.
٢ - وأما القياس الشرطي المنفصل المركبُ من مانعة الجمع المجوِّزةِ للخلو (^٣) فإنه ينتج من [ضروبه] (^٤) الأربعةِ اثنان، والآخران عقيمان.
_________________
(١) في المطبوع: (منصلة).
(٢) يعني مع الاستثنائية.
(٣) يعني مع الاستثنائية.
(٤) في المطبوع: (ضروربه).
[ ١٣٣ ]
فالمنتجان منها هما: استثناء عين المقدم، فإنه ينتج نقيض التالي، واستثناء عين التالي، فإنه ينتج نقيض المقدم؛ للعناد بين طرفيها في الوجود.
والضربان العقيمان هما: استثناء نقيض التالي، واستثناء نقيض المقدم، فلا ينتجان؛ لعدم العناد بين طرفيها في العدم.
فلو قلت: (الجسم إما أبيض وإما أسود، لكنه أبيض) أنتج: (فهو غيرُ أسود).
ولو قلت: (لكنه أسود) أنتج: (فهو غيرُ أبيض).
ولو قلت: (لكنه غيرُ أبيض) لم ينتج شيئًا؛ لصدق (غير الأبيض) بالأسود وبغيره.
٣ - وأما القياس الشرطي المنفصلُ المركبُ من مانعة الخلو [المجوِّزةِ] (^١) للجمع (^٢) فإنه يُنتج فيه الضربان العقيمان في الذي قبله، والضربان المنتجان في الذي قبله عقيمان فيه، فهو عكسُه في الحقيقة والإنتاج.
فاستثناء نقيض كل واحد من الطرفين فيه ينتج عين الآخر، واستثناء عين كل واحد من الطرفين لا ينتج شيئًا.
وقد علمتَ أن نقيض النفي الإثبات، ونقيض الإثبات النفي.
_________________
(١) في المطبوع: (المحجوزة).
(٢) يعني مع الاستثنائية.
[ ١٣٤ ]
فلو قلت: (الجسم إما غيرُ أبيض وإما غيرُ أسود) واستثنيت نقيض المقدم فقلت: (لكنه أبيض) أنتج عين التالي، الذي هو (غير أسود)؛ لأن الأبيض غير أسود بالضرورة.
وكذلك لو استثنيت نقيض التالي فقلت: (لكنه أسود) أنتج عين المقدم، الذي هو (غير أبيض)؛ لأن الأسود غير أبيض ضرورة.
وكذلك لو استثنيت عين التالي فقلت: (لكنه غير أسود) لم يُنتج شيئًا؛ لأن غير الأسود صادق بالأبيض وغير الأبيض، وهكذا.
وهذه العجالة هي التي أردنا أن نذكرها قبل الشروع في أدب البحث والمناظرة؛ لأن أدب البحث والمناظرة لا يفهمه إلا من له إلمام بما ذكرنا في هذه العجالة. (وبالله التوفيق).
وبهذا ينتهي مقرر السنة الأولى وسيأتي مقرر السنة الثانية من قواعدِ ومباحث أدب البحث والمناظرة إن شاء الله -تعالى-.
[ ١٣٥ ]
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ)
تحقيق
سعود بن عبد العزيز العريفي
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
القسم الثاني
البحث والمناظرة
[ ١٣٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اعلم أولًا أن البحث في اللغة الفحص والتفتيش. ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، والمتناظران كل منهما يفحص ويفتش عما يصحح به حجته ويبطل به حجة خصمه.
والمناظرة: مفاعلة على بابها من اقتضاء الطرفين، وهي من النظر أو النظير، وكلاهما معروف لغة.
والنظر في الاصطلاح: هو الفكر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن.
وقد قدمنا تعريفه وتعريف الفكر في الاصطلاح (^١).
فالمناظرة في اللغة: المقابلة بين اثنين كل منهما ينظر إلى الآخر، أو كل منهما ينظر بمعنى يفكر، والفكر هو المؤدي إلى علم أو غلبة ظن.
وهي في الاصطلاح: المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق، فكأنها بالمعنى الاصطلاحي مشاركتهما في النظر الذي هو الفكر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن ليظهر الصواب.
والأصل في مشروعيتها قوله -تعالى-: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
_________________
(١) في القسم الأول "مقدمات منطقية": ص ١٥.
[ ١٣٩ ]
[النحل / ١٢٥] وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣].
فأقل مراتب حكمها الجواز إن كانت على الوجه المطلوب، وقيل بعضهم باستحبابها. وقيل إن القدر الذي يلزم لإبطال شبه خصوم الحق فرض كفاية، وليس ببعيد والله أعلم.
وموضوع هذا الفن: الأبحاث الكلية التي تندرج تحتها أبحاث جزئية من حيث هي موجهة مقبولة، أو غير مقبولة، فالأبحاث الكلية: كالمناقضة والنقض والمعارضة الكليات (^١).
والأبحاث الجزئية المندرجة تحت هذه: كمعارضة دليل بعينه، وكنقض دليل خاص.
وقبول ذلك وعدمه يعرف من هذا الفن، فكل نقض بالتخلف أو استلزام الفساد، فهو وظيفة مقبولة، وكل إفساد للمقدمة، قبل إثباتها مع إقامة دليل الإفساد فهو غصب غير مقبول.
وقد علمت معنى الموضوع في المقدمة (^٢)، وبه تعلم أن موضوع كل فن ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية، كما أشرنا له الآن بالأمثلة (^٣)، فموضوع علم الطب بدن الإنسان، وموضوع الحساب
_________________
(١) يقصد المناقضة الكلية، والنقض الكلي، والمعارضة الكلية.
(٢) ص ١٤، ٨٣.
(٣) يقصد قوله: كالمناقضة والنقض والمعارضة. . إلخ.
[ ١٤٠ ]
الأعداد، وموضوع الفرائض التركات، وهكذا.
وموضوع هذا الفن الأبحاث الكلية المشتملة على الأبحاث الجزئية من حيث إنها موجهة مقبولة، أو غير موجهة ولا مقبولة.
[ ١٤١ ]