بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أما بعد:
فإنه لما كان من أهداف الجامعة الإسلامية نشرُ العلم، وتعليمُ أبناء المسلمين بصفة عامة، وتخريجُ الدعاة إلى الله بصفة خاصة، وكانت الدعوة إلى الله من أهم أعمال المسلمين جميعًا، فإن الجامعة مازالت دائبةً في تدعيم مناهجها إلى أن أصبحت -ولله الحمد- في المستوى المنهجي اللائقِ بها وبأهدافها.
وقد تخرّج أفواجٌ من أبنائها من كلية الشريعة، شغلوا مناصب عدةً من تدريس وقضاءٍ ودعوة.
ولما كان من المتوقع أن يواجه الدعاةَ إلى الحق دعاةٌ إلى الباطل مضللون، يجادلون لشبهٍ فلسفية، ومقدماتٍ سوفسطائية (^١)، وكانوا لشدة تمرُّنِهم على تلك الحُجج الباطلةِ كثيرًا ما يُظهرون الحقَّ في صورة الباطل، والباطلَ في صورة الحق، ويفحمون كثيرًا من طلبة العلم الذين لم يكن معهم سلاحٌ من العلمِ يدفع باطلَهم بالحق، وكان من الواجب على المسلمين أن يتعلموا من العلم ما يتسنّى لهم به إبطالُ
_________________
(١) (السفسطة: قياس مركّب من الوهميّات، والغرض منه تغليط الخصم وإسكاته). التعريفات للجرجاني: ص ١٢٤. مكتبة لبنان ٣١٩٦٩.
[ ٣ ]
الباطل وإحقاقُ الحقِّ على الطرق المتعارَفة عند عامة الناس = حمل ذلك الجامعةَ على إنشاء كلية الدعوة وأصول الدين.
ومهمّتُها تخريجُ دعاة قادرين على تبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى إفحام وإلزام الدعاة المضلِّلين، ببيان بها يصحح أدلتهم، ويظهرُ بطلانَ حُجج خصومهم.
ومن أجل ذلك قررَتْ في منهج هذه الكلية تدريسَ مادة "آداب البحث والمناظرة"؛ لأنه هو العلم الذي يَقدِر به من تعلمه على بيان مواضع الغلط في حُجة خصمه، وعلى تصحيح مذهبه بإقامة الدليل المقنعَ على صحته، أو صحة ملزومه، أو بطلان نقيضه، ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن المقدمات التي تتركب منها الأدلةُ التي يحتج بها كل واحد من المتناظرَين إنما تُوجه الحجةُ بها منتظَمة على صورة القياس المنطقي.
ومن أجل ذلك كان فن "آداب البحث والمناظرة" يتوقف فهمُه كما ينبغي على فهم ما لا بد منه من فن المنطق؛ لأن توجيه السائل المنعَ على المقدمة الصغرى أو الكبرى مثلًا، أو القدحَ في الدليل بعدم تَكرار الحد الوسط، أو باختلال شرط من شروط الإنتاج ونحو ذلك (^١)، لا يفهمه من لا إلمام له بفن المنطق.
وكانت الجامعة قد أسندت إلينا تدريسَ فن "آداب البحث
_________________
(١) سيأتي بيان هذه المصطلحات عند الكلام على القياس المنطقي وأركانه ص ١٠٦ وما بعدها.
[ ٤ ]
والمناظرة"، وكان لا بد من وضع مذكرة تُمكّن طلاب الفن من مقصودهم، فوضعنا هذه المذكرة، وبدأناها بإيضاح القواعد التي لابدّ منها من فن المنطق لآداب البحث والمناظرة، واقتصرنا فيها على المهم الذي لا بد منه للمناظرة، وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصةً من شوائب الشُّبه الفلسفية، فيها النفع الذي لا يخالطه ضررٌ البتة؛ لأنها من الذي خلّصه علماء الإسلام من شوائب الفلسفة، كما قال العلامة شيخ مشايخنا وابن عمنا المختار بن بونة (^١) -شارحُ الألفية والجامعُ معها ألفيةً أخرى من نظمه تكميلًا للفائدة- في نظمه في فن المنطق:
فإن تقُلْ حرّمه النواوي وابنُ الصلاح والسيوطي الراوي
قلتُ نرى الأقوال ذي المخالِفةْ محلُّها ما صنف الفلاسفةْ
أما الذي خلّصه من أسلما لا بد أن يعلم عند العلما
وأما قول الأخضري (^٢) في سلمه (^٣):
فابنُ الصلاح والنواوي حرما وقال قوم ينبغي أن يُعْلما
_________________
(١) مترجم في "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط" لأحمد بن الأمين الشنقيطي، ص ٢٧٧ - ٢٨٣، قال: كان حيا في أوائل القرن الثالث عشر.
(٢) عبد الرحمن بن محمد الجزائري، توفي سنة ٩٨٣ هـ. الأعلام للزركلي (٣/ ٣٣١).
(٣) السلم المنورق -أو: المرونق، وجهان-: ص ٢٥ - ٢٧، مع حاشية الباجوري، وتقريرات الأنبابي، مطبعة الحلبي بمصر، ١٣٤٧ هـ.
[ ٥ ]
والقولةُ المشهورةُ الصحيحةْ جوازهُ لكاملِ القريحةْ
مُمارِسِ السُنّةِ والكتابِ ليَهتدي به إلى الصوابِ
فمحلُّه المنطقُ المشوبُ بكلام الفلاسفة الباطل.
ومن المعلوم أن فن المنطق منذ تُرجم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في أيام المأمون كانت جميعُ المؤلفات توجدُ فيها عِباراتٌ واصطلاحات منطقيةٌ لا يفهمُها إلا من له إلمامٌ به، ولا يَفهم الردَّ على المنطقيين في ما جاؤوا به من الباطل إلا من له إلمام بفن المنطق.
وقد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية، فزعموا أن العقل يمنع بسببها كثيرًا من صفات الله الثابتةِ في الكتاب والسنة؛ لأن أكبر سبب لإفحام المبطل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتج به، وأن تكون مركبة من مقدمات على الهيأة التي يعترف الخصم المبطل بصحة إنتاجها.
ولا شك أن المنطق لو لم يترجم إلى العربية ولم يتعلمه المسلمون لكان دينُهم وعقيدتُهم في غنىً عنه، كما استغنى عنه سلفهم الصالح، ولكنه لما تُرجم وتُعُلِّم، وصارت أقيسته هي الطريق الوحيدة لنفي بعض صفات الله الثابتةِ في الوحيين، كان ينبغي لعلماء المسلمين أن يتعلموه وينظروا فيه ليردّوا حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به على نفيهم لبعض الصفات؛ لأن إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم وإلزامهم الحق.
واعلم أن نفس القياس المنطقي في حد ذاته صحيح النتائج، إن
[ ٦ ]
ركبت مقدماتُه على الوجه الصحيحِ صورةً ومادةً مع شروط إنتاجه فهو قطعي الصحة، وإنما يعتريه الخلل من جهة الناظر فيه، فيغلط، فيظن هذا الأمر لازمًا لهذا مثلًا، فيستدل بنفي ذلك اللازم في زعمه على نفي ذلك الملزوم، مع أنه لا ملازمةَ بينهما في نفس الأمر البتة.
ومن أجل غلطه في ذلك تخرج النتيجةُ مخالفةً للوحي الصحيح؛ لغلط المستدِل، ولو كان استعماله للقياس المنطقي على الوجه الصحيح لكانت نتيجتُه مطابقةً للوحي بلا شك؛ لأن العقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح.
وإيضاحه باختصار أن القياس المنطقي نوعان:
الأول: الاقتراني، وهو المعروف بالحملي، وقياسِ الشمول، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله (^١)، وسائر أشكاله راجعةٌ إلى الشكل الأول، ووجهُ الحكم العقلي بصحة إنتاج الشكل الأول هو أن الحد الأصغرَ إذا اندرج في الحد الأوسط، واندرج الأوسط في الأكبر، لزم عقلًا اندراج الأصغر في الأكبر، وهذا أمر عقلي لا شك فيه، ولا يتغير بتغير الزمان؛ لأنه حكم عقلي قطعي ثابت.
وأما القياس الاستثنائي (^٢) إن كان مركبًا من متصلة لزومية واستثنائية فلا يُنتج منه إلا ضربان، وحاصلهما بالتقريب للذهن أن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، وثبوتَ الملزوم يقتضي ثبوتَ اللازم،
_________________
(١) ص ١٠٥ وما بعدها.
(٢) وهو النوع الثاني من نوعي القياس، وسيأتي إيضاحه ص ١٢٨ وما بعدها.
[ ٧ ]
وكلاهما حكم عقلي قطعي ثابت لا يمكن تغيّره.
والمركب من شرطية منفصلة (^١) إن كانت حقيقية مانعةَ جمع وخُلُوّ أنتجت ضروبُه الأربعة؛ لأن نفي كل واحد من النقيضين يستلزم وجود الآخر، ووجودَ كل واحد منهما يستلزم نفي الآخر، وهذه أحكام عقلية قطعية لا تتغير بحال.
والمركب من مانعة الجمع المجوِّزةِ للخُلُوّ يقطع العقل بصحة إنتاج ضربيه المنتجين؛ لأن مانعة الجمع المذكورةَ لا تتركب إلا من قضية وأخصَّ من نقيضها، فكلا طرفيها أخصُّ من نقيض الآخر، ولذا كان إثبات كل واحد من طرفيها يقتضي نفي الآخر؛ لأن إثبات ما هو أخصُّ من النقيض يستلزم إثبات النقيض؛ لأن ثبوت الأخصِّ يستلزم ثبوت الأعم بلا عكس.
وإذا ثبت النقيض عُلم انتفاءُ نقيضه قطعًا؛ لاستحالة اجتماع النقيضين، فتعين أن ثبوت كل واحد من طرفيها يقتضي نفي الآخر، بخلاف نفي أحد الطرفين فلا يقتضي نفي الآخر؛ لأن نفي ما هو أخص من النقيض لا يستلزم نفي النقيض؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
وكذلك المركب من مانعة الخُلُوّ المجوِّزةِ للجمع، فإن العقل الصحيح يقطع بصحة إنتاج الضربين المنتجين منه، وهما العقيمان في الذي قبله؛ لأن مانعة الخلو المجوزةَ للجمع لا تتركب إلا من قضية
_________________
(١) يعني مع الاستثنائية، انظر توضيحه ص ١٣٤.
[ ٨ ]
وأعمَّ من نقيضها، فكلا طرفيها أعمُّ من نقيض الآخر، ولذا كان نفي كل واحد منهما يقتضي وجود الآخر بلا عكس؛ لأن نفي ما هو أعمُّ من النقيض يستلزم نفي النقيض؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وإذا لزم من انتفائه انتفاءُ النقيض عُلم قطعًا ثبوتُ النقيض الآخَرِ؛ لاستحالة عدم النقيضين معًا.
فتبين أن نفي كل واحد من طرفيها يستلزم ثبوت الآخر بلا عكس، وكلَّ ما ذكر بحكم العقل (^١)، وأنه لا يتغير بتغير الزمان.
وبعد الانتهاء مما لا بد منه من فن المنطق نذكر جملا كافية من آداب البحث والمناظرة، تُعين من تعلمها على تصحيح مذهبه وإبطال مذهب خصمه، مع الآداب اللازمة لذلك، ثم نطبق ذلك في مسائلَ من القوادح في أصول الفقه، ومسائلَ من مسائل الكلام التي نفى فيها المعطلون بعض الصفات، ونوضح كيفية تصحيح الحق في ذلك وإبطالِ الباطل؛ لأن تطبيق ذلك عمليًّا يفيد الطالب إفادةَ أكبر.
ونختتم الكلام بالمقارنة بين ما يسميه المتكلمون مذهبَ السلف ومذهب الخلف، مع إحقاق الحق وإبطال الباطل على الطرق المعهودة في المنَاظرة؛ ليفيدَ ذلك الطالبَ تمرينًا على رد الشبه وإبطال الباطل بطريق المناظرة.
وهذا أوان الشروع في ذكر ما لا بد منه من المسائل المنطقية.
المؤلف
_________________
(١) أي وتبين أن كلّ ما ذُكر ثابت بحكم العقل.
[ ٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ