١ - اسم الكتاب
اسمه كما جاء على الورقة الأولى من المخطوطة " كتاب التقريب لحد المنطق، كلام الرئيس الأوحد ارسطاطاليس وغيره، مما عني بشرحه الفقيه الإمام الأوحد الأعلم أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم؟ ". وقد أشار إليه ابن حزم مرات في كتابه الفصل في الملل والنحل فقال في باب عن ماهية البراهين " هذا باب قد أحكمناه في كتابنا الموسوم بالتقريب في حدود الكلام " (١) . وقال في موضع آخر " " هذه شغبية قد طالما حذرنا من مثلها في كتبنا التي جمعناها في حدود المنطق " (٢) فأطلق اسم " الكتب " على هذا الكتاب لأنه مؤلف من كتب ثمانية؛ وذكره مرة ثالثة في الفصل فقال: " وبينا في كتاب التقريب لحدود الكلام أن الآلة المسماة الزرافة؟ الخ " (٣) وقال مرة رابعة " على حسب المقدمات التي بيناها في كتابنا الموسوم بالتقريب في مائية البرهان " (٤) فأشار في هذه التسمية إلى بعض جزء من الكتاب.
وقد ورد ذكر هذا الكتاب فيما ألفه ابن حزم الأندلسي عند كل من الحميدي في الجذوة وصاعد في طبقات الأمم. فقال الحميدي: " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه والألفاظ العامية والأمثلة الفقهية، فانه سلك في بيانه وإزالة سوء الظن عنه وتكذيب
_________________
(١) الفصل ١: ٤
(٢) الفصل ١: ٢٠
(٣) الفصل ٥: ٧٠
(٤) الفصل ٥: ١٢٨
[ ١ ]
الممخرقين به طريقة لم يسلكها احد قبله فيما علمناه " (١) وهذه التسمية هي أدق، ما هنالك وهي بعينها مثبتة كاملة على الورقة (٥٥) من كتاب التقريب. أما صاعد فقال: " فعني بعلم المنطق وألف فيه كتابا سماه التقريب لحدود المنطق بسط فيه القول على تبيين طرق المعارف واستعمل فيه أمثلة فقهية وجوامع شرعية وخالف ارسطاطاليس واضع هذا العلم في بعض أصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا اتاض في كتابه، فكتابه من أجل هذا كثير الغلط بين السقط " (٢) ويبدو ان ابن حيان مؤرخ الأندلس اطلع على قول صاعد هذا فردده دون ان يذكر اسم التقريب إذ قال: " كان أبو محمد حامل فنون من حديث وفقه وجدل ونسب وما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من انواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله في بعض تلك الفنون كتب كثيرة لم يخل فيها من الغلط والسقط، لجرأته في التسور على الفنون، لا سيما المنطق، فانهم زعموا انه زل هنالك، وضل في سلوك المسالك، وخالف ارسطاطاليس واضعه، مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض في كتبه " (٣) .
وقد اتفق صاعد وابن حيان على القول بان ابن حزم اخطأ في فهم بعض الأصول من كلام ارسطاطاليس، ورأياهما رأي واحد لاعتماد الثاني منهما على الأول. وهذه مسألة سأعرض لها فيما يلي.
٢ - متى ألف هذا الكتاب
إن إشارات ابن حزم إلى كتاب الفصل لا تدلنا على أن " التقريب " سابق للفصل في الزمن، فقد لحظنا في الفقرة السابقة انه أشار أيضا إلى التقريب في كتاب الفصل نفسه، وهذا قد يدل على أنه توفر الكتابين دون استيفاء لأحدهما قبل الآخر وأنه كان يراوح العمل فيما بينهما.
وهو في كتاب التقريب يحيل أيضا على كتابين آخرين وهما: كتاب السياسة وكتاب أخلاق النفس. ولا نعرف تاريخ تأليفه لهذين الكتابين أيضا ولكن ان التقريب سابق لهما لأنه إذا ذكرهما قال " على ما نبين في؟ " فعلق كلامه بالمستقبل، ودل على
_________________
(١) الحميدي: جذوة المقتبس: ٢٩١ ط. مصر ١٩٥٢
(٢) صاعد الأندلسي: طبقات الأمم: ٧٦ (ط. اليسوعية ١٩٢١) .
(٣) ابن بسام: كتاب الذخيرة ١ - ١: ١٣٠ (لجنة التأليف: ١٩٣٩)
[ ٢ ]
انه لم يكن قد اخذ في تأليفها حينئذ وإنما حدد لنفسه منهجا هنالك.
ويقول ابن حزم في التقريب: " وما ألفنا كتابنا هذا وكثيرا مما ألفنا إلا ونحن مغربون مبعدون عن الموطن والأهل والولد مخافون مع ذلك في أنفسنا ظلما وعدوانا " (١) . وهذا القول على ما فيه من فائدة لا يحدد شيئا دقيقا وإنما هو ينبئنا بأن التقريب كغيره من سائر مؤلفات ابن حزم كتبت بعد مفارقة قرطبة وبدء التنقل في بلدان الأندلس.
وفي التقريب إشارات هامة تومئ إلى التوقيت الزمني، وهي:
١ - يروى ابن حزم حكاية عن مؤدبه احمد بن محمد بن عبد الوارث، ويترحم عليه (٢) ولكنا للأسف لا نستطيع الاستفادة من هذه الحقيقة لأني لم اعثر على تاريخ لوفاة هذا الرجل.
٢ - يتحدث ابن حزم في الكتاب عن حادث اعتقاله على يد المستكفي (٣) لان ابن حزم كان يوالي المستظهر وقد تم هذا في سنة ٤١٤ أو أواخر ٤١٣ في اكثر تقدير.
٣ - يذكر ان صديقه ابن شهيد ألف كتابا في علم البلاغة أثناء كتابته هو لكتاب التقريب (٤) وقد توفي ابن شهيد سنة ٤٢٦ وتعطل عن الأليف قبل ذلك بعام أو اكثر. وهذا يعين أن كتاب التقريب أو بعض فصول منه كتب قبل ذلك.
ونضيف إلى هذه الإشارات قول صاعد: " وكان ابنه الفقيه أبو محمد وزيرا لعبد الرحمن المستظهر؟ ثم نبذ هذه الطريقة وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن فعني بعلم المنطق؟ وأوغل بهد هذا في الاستكثار من علوم الشريعة " (٥) فهو لم يبدأ دراساته حسب قول صاعد إلا بعد سنة ٤١٤، وكان المنطق من أول العلوم التي أقبل عليها.. " وبعد " ذلك أوغل في علوم الشريعة مستكثرا منها، وكل هذه الشواهد مجتمعة تجعل تاريخ للتقريب بعد عام ٤١٥ وقبل عام ٤٢٥هـ.
٣ - دواعي تأليفه
قضى ابن حزم جانبا من شبابه وهو يطلب العلم في قرطبة حتى سنة ٤٠١. وقد أثر في نفسه في ذلك الدور المبكر من حياته ما سمع بعض الأغرار يقولونه في المنطق والعلوم
_________________
(١) التقريب: ٢٠٠
(٢) التكملة: ٧٩٠؛ والجذوة: ٩٩
(٣) التقريب: ١٩٢
(٤) التقريب: ٢٠٤
(٥) طبقات الأمم: ٧٦
[ ٣ ]
الفلسفية عامة دون تحقيق، وأولئك هم اللذين عناهم بقوله: " ولقد رأيت طوائف من الخاسرين شاهدتهم أيام عنفوان طلبنا، وقبل تمكن قوانا في المعارف، وأول مداخلتنا صنوفا من ذوي الآراء المختلفة، كانوا يقطعون بظنونهم الفاسدة من غير يقين أنتجه بحث موثوق به على ان الفلسفة وحدود المنطق منافية للشريعة " (١) ولعل بيئة قرطبة والأندلس عامة - يومئذ بمعاداتها لعلوم الأوائل - هي التي حفزت حب الاستطلاع لديه فجعلته يدرس الفلسفة والمنطق، ومن ثم قوي لديه الشعور بأن العلوم الفلسفية لا تنافي الشريعة، بل ان المنطق منها خاصة يمكن أن يتخذ معيارا لتقويم الآراء الشريعية وتصحيحها، وكان اتجاهه إلى مجادلة أهل المذاهب والنحل الأخرى يفرض عليه أن يتدرع بقوة منطقية في المناظرة والجدل. وهاتان الغايتان كانتا من أول العوامل التي حدت به إلى التأليف في المنطق ليثبت عدم التنافي بينه وبين الشريعة وليعزز به موقفه العقلي إزاء الخصوم ويضع فيه القواعد الصحيحة للجدل والمناظرة ويبين فيه حيل السفسطة والتشغيب.
وظل ابن حزم على رأيه هذا يؤمن بفائدة المنطق والفلسفة وسائر علوم الأوائل؟ ماعدا التنجيم -. فهو في رسالة " مراتب العلوم " ينصح الدارس أن يبدأ بعد تعلم القراءة والكتابة وأصول النحو واللغة والشعر والفلك، بالنظر في حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات والقرائن والنتائج ليعرف ما البرهان وما الشغب كلها ويميزها من الأباطيل تمييزا لا يبقى معه ريب (٢) . ويسأله أحدهم رأيه في أهل عصره وكيف انقسموا طائفتين: طائفة اتبعت علوم الأوائل وطائفة اتبعت علم ما جاءت به النبوة ويطلب إليه ان يبين له أيهما المصيب، فيقول في الجواب: اعلم؟ وفقنا الله وإياك لما يرضيه - أن علوم الأوائل هي الفلسفة وحدود المنطق التي تكلم فيها أفلاطون وتلميذه ارسطاطاليس والاسكندر ومن قفا قفوهم، وهذا علم حسن رفيع لأنه فيه معرفة العالم كله بكل ما فيه من أجناسه إلى أنواعه، إلى أشخاص جواهره وأعراضه، والوقوف على البرهان الذي لا يصح شيء إلا به وتمييزه مما يظن من جهل أنه برهان وليس برهانا، ومنفعة هذا العلم عظيمة في تمييز الحقائق مما سواها؟ (٣)
_________________
(١) التقريب: ١١٥ - ١١٦
(٢) رسائل ابن حزم: ٧١ (ط. مصر) .
(٣) المصدر نفسه: ٤٣
[ ٤ ]
فهذا الإيمان بفائدة علوم الفلسفة والنطق هو الذي جعل ابن حزم بعد درسه لها، يحاول أن يوصل ما فهمه منها مبسطا إلى الآخرين. وقد كسب له هذا الاتجاه عداوة الفريق الذي كان يكره الفلسفة والمنطق، وهو يومئذ الفريق الغالب في الأندلس. واتخذ أعداؤه هذه الناحية فيه محطا لهجماتهم، ومن أمثلة ذلك أن أحد الناقمين كتب إليه كتابا غفلا من الإمضاء، اتهمه فيه بأن الفساد دخل عليه من تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب اقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين. فكتب ابن حزم يقول في الجواب: أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق واقليدس والمجسطي: أطالعها أيها أنكرت ذلك على نفسك؟ وأخبرنا عن الإلحاد الذي وجدت فيها ان كنت وقفت على مواضعه منها، وإن كنت لم تطالعها فكيف تنكر مالا تعرف (١) وأصبح ابن حزم يعتقد أن فائدة المنطق أمر لا يرتاب فيه منصف لانها فائدة غير واقفة عند حدود الاطلاع والرياضة الذهنية بل تتدخل في سائر العلوم الديانة والمقالات والأهواء وعلم النحو واللغة والخبر والطب والهندسة وما كان بهذا الشكل فانه حقيق ان يطلب وان تكتب فيه الكتب، وتقرب فيه الحقائق الصعبة.
وغدا هذا الإيمان بقيمة المنطق وفائدته؟ ابتداء - حافزا قويا للتأليف فيه. الا ان ابن حزم واجه في دراسته لهذا العلم صعوبتين فلم لا يحاول تذليلهما للقارئ الذي يود الانتفاع بدراسة المنطق: الأولى تعقيد الترجمة وإيراد هذا العلم بألفاظ غير عامية، ويعني ابن حزم بالعامية الألفاظ الفاشية المألوفة التي يفهمها الناس لكثرة تداولها، فليكتب، اذن كتابا قريبا إلى الإفهام " فان الحظ لمن آثر العلم وعرف فضله ان يسهله جهده ويقربه بقدر طاقته ويخففه ما أمكن " (٢) . وهو يحسن الظن بالمترجمين ويرى أن توعيرهم للألفاظ هو شح بالعلم وضن به يوم كان الناس جادين في طلبه يبذلون فيه الغالي والنفيس. الصعوبة الثانية: ان المناطقة قد درجوا على استعمال الرموز والحروف في ضرب الأمثلة. ومثل هذا شيء يعسر تناوله على عامة الناس فليحول ابن حزم الأمثلة من الرموز إلى أخرى منتزعة من المألوف في الأحوال اليومية والشريعية. وهو يحس بخطر ما هو مقدم عليه. ويعتقد انه أول من يتجشم هذه المحاولة.
_________________
(١) المصدر نفسه: ١٠
(٢) التقريب: ٨
[ ٥ ]
ولم يكتب ابن حزم هذا الكتاب الا بعد ان حفزه كثير من الدواعي في الحياة اليومية، وإلا بعد ان وجد الحاجة ماسة إلى المنطق في النواحي العملية من علاقات الناس وتفكيرهم، فهو قد لقي من ينعته بالسؤال عن الفرق بين المحمول والمتمكن، ولقي كثيرا من المشتغبين الآخذين بالسفسطة في الجدل، وواجه من يسومه ان يريه العرض منخولا عن الجوهر، وقرأ مؤلفات معقدة لا طائل تحت تعقيدها، ورأى من يدعي الحكمة وهو منها براء فأراد لكتابه أن يكون تسديدا لعوج هذه الأمور وإصلاحًا لفسادها، وردا على المخالفين والمشغبين وإقامة للقواعد الصحيحة في المناظرة، وهي يومئذ شغل شاغل لعلماء الأندلس.
- ٤مصادر الكتاب
منذ أن بدأ دور الترجمة في تاريخ الفكر العربي بدأ النقلة ومن بعدهم من الشراح يهتمون بكتب ارسطاطاليس المنطقية. وينسب إلى ابن المقفع انه نقل ثلاثة من كتب المنطق الارسطاطاليسي وهي قاطيغورياس وبارى ارمينياس وأنولوطيقا، وأنه ترجم المدخل المعروف بايساغوجي؟ وعبر عما ترجم من ذلك بعبارة سهلة قريبة المأخذ (١) . ويذكر طيماثاوس الجاثليق الذي اتصل بالرشيد والمأمون ان الخليفة " امرنا بترجمة كتاب طوبيقا لأرسطو الفيلسوف من السريانية إلى العربية. وقد قام بذلك بعون الله الشيخ أبو نوح " (٢) . ويرى طيماثاوس ان الترجمات التي تمت قبل ذلك كانت غثة لا من ناحية الألفاظ فحسب بل من ناحية المعاني. وقد ترك لنا صاحب الفهرست صورة من جهود النقلة والشراح المختصرين للكتب المنطقية الثمانية (٣) . وهو بيان يدل على ما بذله كل من الكندي واحمد بن الطيب وثابت بن قرة ومتى بن يونس القنائي والفارابي ويحيى بن عدي وغيرهم في هذا الميدان:
١ - فأما الكندي فان له رسالة في المدخل مختصرة موجزة ورسالة في المقولات العشر، ورسالة في الاحتراس من خدع السوفسطائيين، ورسالة في إيجاز واختصار البرهان المنطقي.
_________________
(١) طبقات الأمم: ٤٩
(٢) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية: ١١٦ (ترجمة عبد الرحمن بدوى) القاهرة: ١٩٤٩.
(٣) الفهرست: ٣٤٧ وما بعدها (ط. مصر)
[ ٦ ]
٢ - وأما تلميذه احمد بن الطيب فقد اختصر كلا من فاطيورياس وباري أرمنياس وانالوطيقا الأول والثاني، وايساغوجي. وله كتاب في الصناعة الديالقطية أي الجدلية على مذهب ارسطاطاليس من كتاب سوفسطيقا لارسطاطاليس.
٣ - ولثابت كتاب باريمنياس، وجوامع كتاب انالوطيقا الاولى، واختصار المنطق ونوادر محفوظة من طوبيقا وكتاب في اغاليط السوفسطائيين.
٤ - وانتهت رياسة المنطقيين إلى متى في عصره وكان اكثر جهوده موجها إلى النقل، كما انه فسر الكتب الأربعة في المنطق بأسرها، وعليها يعول الناس في القراءة، وله شرح إيساغوجي.
٥ - وأبعدهم أثرًا في الدراسات المنطقية هو الفارابي، وهو لم يكن مترجما ولكنه وضع الكتب المنطقية في شكل معتمد، وفسرها بعبارات واضحة نالت إعجاب من جاءوا بعده وأصبحت كتبه المرجع المفضل في هذا الباب.
٦ - وتتلمذ عليه وعلى متى منطقي آخر أصبحت له الرياسة بعدهما في المنطق وهو يحيى بن عدي. ومن يحيى استمد أبو سليمان المنطقي أستاذ التوحيدي وشيخ تلك العصبة من التلامذة الذين كتب مقالة في اغراض كتب ارسطاطاليس ومقالة في معاني إيساغوجي وكتاب اللبس في الكتب الأربعة في المنطق.
تلك هي الحال في المشرق. أما في الأندلس فان الإقبال على الفلسفة والمنطق قبل عهد الحكم المستنصر كان ضعيفا، فكان اشهر من عني بالدراسات الفلسفية عامة قبل الفتنة البربرية (٣٩٩) هو أبو القاسم مسلمة بن احمد المرحيطي وعليه تتلمذ بعض المشهورين من حكماء الأندلس، ولكنه هو واكثر تلامذته اتجهوا اتجاها رياضيا مع بعض اهتمام بالأمور المنطقية وقد شاركه هذا الاهتمام الطبقة الأولى من دارسي المنطق في الأندلس وهم: ابن عبدون الجبلي وعمر بن يونس بن احمد الحراني واحمد بن حفصون وأبو عبد الله محمد ابن إبراهيم القاضي وأبو عبد الله محمد بن مسعود البجاني ومحمد بن ميمون المعروف بمركوس وسعيد ين فتحون السرقسطي، وعلى هؤلاء درس ابن الكتاني، شيخ ابن حزم (١) . ونضيف إلى هؤلاء من الأندلسيين المهتمين بالمنطق ملحان بن عبيد الله بن سالم
_________________
(١) ابن ابي أصيبعة: عيون الانباء ٣: ٧٣ ط. بيروت: ١٩٥٧
[ ٧ ]
وكان له نظر في حد المنطق ومطالعة لكتب الفلسفة، والرباحي وقد نظر في المنطقيات فاحكمها (١) واثنين من اليهود وهما منجم بن الفوال من سكان سرقسطة، وقد ألف كتابا في المنطق على طريقة السؤال والجواب، ومروان بن جناح، ولم يذكر له في المنطق تأليف معين (٢) .
وعلى هذا يكون ابن حزم من رجال الطبقة الثالثة الذين توفروا على الدراسات المنطقية في الأندلس، بل لعله أن يكون أبرزهم في عصره. ولا استبعد ان يكون شيخه ابن الكتاني ذا اثر بعيد في توجهه إلى هذه الدراسات فانه يتحدث عنه في كتبه بإعجاب وتقدير (٣) .
لكن إلى أي حد كانت الترجمات والشروح والمختصرات المشرقية معروفة في الأندلس؟ لا القاضي صاعد يحدثنا بشيء من ذلك، ولا ابن حزم في كتاب التقريب يشير إلى شيء واضح دقيق، وكل ما نستطيع ان نقوله في هذا الصدد لا يعدو الفرض والتقدير. ولنا ان نفترض ان المشارقة الراحلين إلى الأندلس مثل الحراني، والأندلسيين الراحلين إلى المشرق مثل ابن عبدون الجبلي قد نقلوا معهم فيما نقلوه من كتب شيئا من الترجمات في المنطق. ولا يبعد أن يكون ابن حزم قد أفاد شيئا منها وعول عليها كما عول على بعض مؤلفات الأندلسيين أنفسهم. وانه ليقول في بعض تعليقاته في التقريب: " قال الشيخ: هذه عبارات المترجمين وفيها تخليط لأنهم قطعوا على ان الرسم ليس مأخوذا من الأجناس والفصول وإنما هو مأخوذ من الاعراض والخواص " (٤) . وقد استوقفتني عبارته هذه لأنها تتحدث فحسب عن " المترجمين "؟ بصيغة الدمع - وإنما لأنه صدرها بقوله: قال الشيخ، فمثل هذا التصدير ليس مما يجري في كتب ابن حزم. ثم هداني البحث إلى عبارة في " كتاب الرد على المنطقيين " لابن تيمية جاء فيها: " ولتعظيمه؟ يعني ابن حزم - المنطق رواه بإسناده إلى متى الترجمان الذي ترجمه إلى العربية " (٥) . وقد حلت هذه العبارة بعض المشكلات وخلقت أخرى، اطلعتنا على المصدر الذي استغله
_________________
(١) طبقات الزبيدي: ٣٢٧، ٣٣٦
(٢) ابن ابي أصيبعة ٣: ٨١
(٣) انظر ترجمة ابن الكتاني في الجذوة: ٤٥
(٤) التقريب: ١٨
(٥) الرد على المنطقين: ١٣٢ (ط. بمباي ١٩٤٩)
[ ٨ ]
ابن حزم في كتابه هذا، وجعلتني اعتقد أن كلمة " الشيخ " ربما تشير إلى متى المنطقي نفسه. غير ان ابن حزم لم يذكر شيئا عن متى هذا في هذه النسخة، أترى النسخة التي بين أيدينا مفتقرة إلى ذلك السند؟؛ ويحق لنا في هذا الموقف ان نتساءل: هل اطلع ابن تيمية على كتاب التقريب وان كان قد فعل فلم يناقش ابن حزم كما ناقش غيره من أنصار المنطق؟ اكبر الظنان انه اطلع عليه ولكنه لم يكن بين يديه حين ألف كتابه، أو انه لم يكن يرى في كتاب مغربي خطرا على الفكر المشرقي، فاكتفى بمهاجمة كتب المشارقة والرد عليها.
ثم: أكانت هناك ترجمات أندلسية خاصة غير تلك التي افترضنا ورودها من المشرق؟ ليس هناك جواب حاسم على هذا التساؤل وكل ما نستطيع أن نقدره هنا ان ابن حزم ربما عرف بعض الترجمات اللاتينية فانه كان يعرف هذه اللغة، وقد تعرض لذكرها في مواطن من كتاب التقريب فقال: " ومن أحكم اللغة اللطينية عرف الفرق بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام " (١) وقال مرة أخرى: " وهذا يستبين في اللغة اللطسنية عندنا استبانة ظاهرة " (٢) وقال في موضع ثالث: " ولهذا المعنى في اللطينية لفظة لائحة البيان " (٣) وليس بغريب أن يعرف ابن حزم اللاتينية فقد كانت حينئذ شائعة في الأندلس، أما اليونانية فلم يكن هنالك من يحسنها ولذلك نجد في التقريب ما يوحي بأنه لا يعرفها (٤) غير أن مما يلفت النظر مناقشة لبعض الآراء على انها مما لم يقل به ارسطاطاليس، فهل استمد هذا من متى المنطقي أو كان يعرف أصولا دقيقة وهو ينقل عمن يسميهم " الأوائل "؟
وهناك مصدرا آخر مشرقي رشك في ان ابن حزم اطلع عليه وهو كتاب؟ أو كتب - من تأليف الناشئ الأكبر أبي العباس المعروف بابن شريشر (- ٢٩٣) . وأبو العباس هذا الشاعر معتزلي ألف في الرد على المنطقيين وهو من أوائل المفكرين الذين حاولوا الطعن في المنطق أرسطو. وقد استشهد به أبو سعيد السيرافي في مناظرته مع متى المنطقي؟ وهي المناظرة التي حفظها أبو حيان في كتاب الإمتاع والمؤانسة - ويبدو مما أورده ابن حزم أن بعض آراء الناشئ كانت نوعا من السفسطة، ولذلك حمل عليه ووصفه بكثرة الهذر.
_________________
(١) التقريب: ١٥
(٢) التقريب: ٥٢
(٣) التقريب: ٥٤
(٤) انظر ص: ٧٥ مثلا
[ ٩ ]
ولعل الناشئ ممن لفتوا ابن حزم إلى بحث مسألة أسماء الله تعالى لأن الناشئ كان يقول: إن الأسماء " حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق " (١) .
٥ - منهج ابن حزم في التقريب
ورث المناطقة المسلمون عن المدرسيين والشراح الاسكندرانيين وغيرهم ترتيب الكتب المنطقية الارسططاليسية في ثمانية وهذا هو ما وضحه الفارابي توضيحا كافيا في نص تفصيلي نقله ابن أبي أصيبعة (٢)، سمى الكتاب الأول " المقولات "؟ قاطاغورياس - والثاني: العبارة؟ باريمنياس، والثالث: القياس أو أنالوطيقا الأولى والرابع البرهان أو أنالوطيقا الثانية والخامس المواضع الجدلية أو طوبيقا والسادس: الحكمة المموهة أو سوفسطيقا والسابع: الخطابة أو الريطورية والثامن الشعر أوفويطيقا. وقال الفارابي: والجزء الرابع هو أشدها تقدما للشرف والرياسة، والمنطق إنما التمس به على القصد الجزء الرابع وباقي أجزائه إنما تحمل لأجل الرابع.
وقد سار ابن حزم على هذه القسمة، على نحو مقارب، فقدم قبل الكتب الثمانية القول في المدخل أو ايساغوجي، ثم تناول القول في كتب أرسطاطاليس فسمى الأول، الأسماء المفردة وسمى الثاني كتاب الأخبار؟ وهو الذي دعاه الفارابي باسم " العبارة " وأدرج الكتب الأربعة التالية (٣، ٤، ٥، ٦) في باب واحد وجمعها تحت اسم " البرهان "، ورفض اسم القياس. ومع إيمانه بأن " البرهان " هو الغاية الكبرى فانه لم يمييز " أنالوطيقا الثاني " تمييزا بائنا، وفرق القول في السفطة على عدة مواضع، وقبيل آخر هذا الفصل تحدث عن رتبة الجدال وآداب المناظرة (والفقرة: ١٨) ثم شفع هذه الفقرة بفقرة اخرى (رقم: ١٩) تحدث فيها على أخذ المقدمات من العلوم وقسمها إلى اثني عشر علما ونص على أنه لا يلتزم في هذه القسمة ما جرى عليه المتقدمون. وبعد ذلك كتب فصلين صغيرين اجرى فيهما أحكاما من عنده على البلاغة والشعر ولم يقف عند شيء من آراء ارسطاطاليس.
وقسم الكتاب كله في سفرين، وقف في آخر السفر الأول عند نهاية القضايا القاطعة. وابتدأ السفر الثاني بذكر القضايا الشرطية دون ان يكون لهذه القسمة أية علاقة بطبيعة
_________________
(١) الرد على المنطقيين: ١٥٦
(٢) عيون الأنباء ١: ٩٠ - ٩٢
[ ١٠ ]
الموضوع، ولعله إنما راعى فيها حجم الكتاب نفسه. وقد ذكر في موضع من كتابه (١) انه بناه على الاختصار، ولكنه في الحقيقة كان يطلق العنان لنفسه كلما وجد الموضوع أمامه يسمح بالانطلاق وخاصة في النواحي السلوكية وآداب المعاملة والأمور العقائدية وما شابه ذلك. فإذا دققنا في التقريب لم نجد شرحا لآراء ارسطاطاليس كما كتب على الورقة الأولى، ولكنه في أكثره تبسيط لأقرب الآراء. هذا وإن مقارنة عابرة بين ما كتبه ابن حزم عن البرهان وبين ما كتبه ابن سينا في كتابه البرهان ليدل على شيء من بعد الاحتذاء أو قربه من الأصل الارسطاطاليسي. ومن مقارنات أخرى نرى ابن حزم ينفرد بالمطمح المنطقي في مواطن كثيرة. والنص الذي ذكره الفارابي في أسماء الكتب الثمانية نفسها هو نفسه دليل على ذلك.
٦ - قيمة الكتاب
لم يدع ابن حزم لنفسه شيئا من الابتكار في المنطق بل صرح بأن كتابه هذا يقع تحت النوع الرابع من المؤلفات وهو النوع الذي يتناول شرح المستغلق: " ولن نعدم إن شاء الله ان يكون فيها بيان تصحيح رأي فاسد يوشك أن يغلط فيه كثير من الناس، وتنبيه على أمر غامض، واحتقار لما ليست بطالب الحقائق إليه ضرورة، وجمع أشياء متفرقة مع الاستيعاب لكل ما بطالب البرهان إليه اقل حاجة " (٢) .
وقد اتهم ابن حزم؟ كما تقدم - بأنه خالف ارسطاطاليس في بعض أصوله مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض في كتابه واثبات هذه المخافة مما لا تتسع له هذه المقدمة، ولا تتيحه الظروف، ولكنها مخالفة ليست مستبعدة لعدة أسباب منها:
١ - ان ابن حزم تجاوز التمثيل بالحروف والرموز إلى انتزاع الأمثال من مألوف الحياة ومن الشريعة، ومن هنا يسهل دخول الخطأ وتقوم المخالفة.
٢ - انه صدر في مفهوماته عن مقدمات دينية لم تكن لدى ارسطاطاليس وان شغفه بالتقريب بين المنطق ولشريعة قد يوقعه في الوهم أو الإحالة.
٣ - أنه حكم نظرته الظاهرية في كثير من الأمور فأنكر القياس وأنكر العلية في الأمور الشرعية، وأطنب في بيان المعرفة العقلية، واضعف من قيمة الاستقرار مع أن
_________________
(١) التقريب: ١٨٢
(٢) التقريب: ١٠
[ ١١ ]
ارسطاطاليس يقول: " اننا يلزم أن نعلم الأوائل بالاستقرار وذلك أن الحس إنما يحصل فيها الكلي بالاستقرار ".
٤ - صرح في مواضع من كتابه بأنه لا يتقيد في هذا أو ذاك من الآراء بقول الأوائل.
٥ - استأنس بأحكام مستمدة من طبيعة اللغة العربية نفسها مما هو موجود؟ أو غير متحقق - في لغة اخرى كاليونانية.
ولم يكن ابن حزم منفردا في محاولته تقريب المنطق بالاستكثار من الأمثلة الشريعية ولكن لعله أول من فتح هذا الباب، مثلما حاول ابن سينا استمداد الأمثلة من الطب، ومن بعد جاء الغزالي فعاد يستمد الأمثلة من الفقه فكتاب التقريب يثبت أن الغزالي مسبوق إلى هذه المحاولة.
ومنذ البدء وقف المفكرون الدينيون فرقتين في النظر إلى منطق المعلم الأول. فريق حاولوا الاستقلال عنه وأوجدوا ما يمكن أن يسمى " منطق المتكلمين " وفريق آخر انتصر للمنطق الارسطاطاليسي. وبهذا الكتاب يقف ابن حزم في الفريق الثاني مع الفخر الرازي والغزالي، وعلى النقيض منهم يقف الناشئ والنوبختي والباقلاني وابن تيمية. ومن الطريف ان يقارن المرء بين اثنين متقاربين في المذهب العقائدي تقاربا شديدا مثل ابن حزم وابن تيمية وهما يقفان على طرفين متباعدين في النظر إلى المنطق.
ومهما يكن من شيء فان كتاب التقريب حلقة هامة في تاريخ الفكر لفلسفي الإسلامي عامة وفي تاريخ الفكر الأندلسي خاصة. وفيه إذا تجاوزنا النواحي المنطقية حقائق هامة تمس طبيعة الحياة الفكرية في الأندلس، وبعضها يتصل بشخصية ابن حزم نفسه ونظرته في الحياة والناس. ولا ريب في انه يفتح أمام الدارسين آفاقا جديدة في دراسة المصطلح المنطقي، وفيما خالف ابن حزم به ارسطاطاليس، وينشئ مقارنات بينه وبين الغزالي وابن تيمية وسواهم في نطاق المحاولة التي قام بها، ويدل على الأصل الذي استوحاه ابن مضاء في الرد على النحويين وإنكار العلل النحوية.
- ٧تحقيق التقريب
اعتمدت فيه على نسخة وحيدة اعرف لها ثانية وهي نسخة محفوظة بالمكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة بتونس ورقمها: ٦٨١٤، وهي من المخطوطات التي احضرها معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، الفيلم رقم: ٨ فللقائمين عليه شكري لأنهم أتاحوا لي تصويرها.
[ ١٢ ]
وتقع المخطوطة في اثنين وتسعين ورقة، في كل صفحة ٢٦ سطرا ومتوسط كلمات السطر الواحد: ١١ كلمة، وهي مكتوبة بخط نسخي دقيق القلم؟ أو متوسط الدقة - وكثير من الكلمات فيها ينقصه الاعجام. ومن ابرز ما فيها ان الناسخ يضع الحرف " ط " فوق الكلمة التي تشير بحذفها أو إسقاطها. وهو يثبت الياء في حال الرفع في كلمات مثل: متناهي. تالي. واهي. وهكذا وقد حذفت هذه الياء حيثما وقعت وأشرت إلى بعض ذلك؟ لا كله - في الحواشي على سبيل التمثيل. كذلك فان الناسخ لا يتقيد بعكس الهدد المفرد مع المعدود فهو يكتب مثلا: ستة أرجل، وقد سمحت لنفسي بتغيير هذا أيضًا. وليس على هوامش النسخة سوى بعض التصويبات وتعليقتين وثلاث.
والنسخة ليست مؤرخة ولكن خطها قد يدل على أنها ربما كتبت في القرن السابع أو قبله بقليل.
وقد بذلت في تصحيحها جهدي، ولكني لم استطع أن أحل كل ما اعترضني فيها من مشكلات (١)، على إدامة النظر وتكرار المحاولة، والله أرجو أن ينفع بهذا الكتاب بمنه وكرمه.
بيروت في ١٠ تموز (يوليه) ١٩٥٩
إحسان عباس
_________________
(١) ص: ٨، س: ٥ المدق: اقرأ: الميلق وهو ما يستعمله الصيرفي لتمليس الذهب قال ابن حمديس: كان كحط التبر في الميلق.
[ ١٣ ]