ad baculum; appeal to force
جلوا صارمًا وتلوا باطلًا … وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم
المعري
ليست هذه هي الطريقة التي ينبغي على الكائن العاقل أن يعتنق بها الحقيقة، ليس هذا عرفانًا بالحقيقة، وما الحقيقةُ التي يُعتقَد بها على هذا النحو سوى خرافةٍ كبيرةٍ التصقَتْ بالمصادفة بالألفاظ التي تُشير إلى حقيقة.
جون ستيوارت مِل، عن الحرية
إلى أوكسفورد أرسل الملك فرقةً من الفرسان؛ … لأن التوريين لا يعرفون الحجةَ بل القوة، … وإلى كمبردج أرسل نفس القدر كتبًا؛ … لأن الهوجيين لا يُسَلِّمون بالقوة بل بالحجة.
وليم براون
[ ٩٧ ]
حين يقول ستالين: «ارقُص» فإن الرجلَ الحكيمَ يرقص.
خروتشوف
***
ليست الحرية شيئًا «يُضاف» إلى الفكر، فيكون لدينا فكرٌ حرٌّ بعد أن كان لدينا فكرٌ غير حر، فالفكر الحقيقي لا يكون إلا حرًّا، الفكر حرٌّ بحُكم ماهيته وحكم تعريفه، الحرية ليست «محمولًا» predicate للفكر بل «كيفية وجود» أو «أسلوب كينونة»، الحرية ليست شيئًا «يَعرِض» للفكر بل هي شيءٌ «يَكُونه»! بدون حرية أنت لا تفكر … بل تُردِّد وتُكرِّر … وتصفر كجنادب الليل … وتبيع إحدى جوارحك كالبغيِّ لتشتري السلامةَ، والفكر غير الحر ليس فكرًا، وإنما هو ک «النقطة الممتدة» و«المربع المستدير» … تناقضٌ ذاتي. (^١)
تعني كلمة baculum باللاتينية: العصا، ومن ثم تعني هذه المغالطة اللجوء إلى التهديد والوعيد من أجل إثبات دعوى لا تتصل منطقيًّا بانفعال الخشية والرعب الذي تهيب به، تقبع في صميم هذه المغالطة فكرة «القوة تصنع الحق» might makes right، وهي مغالطة لأن التهديد يعمل على مستوى دافعي مغاير لمستوى القناعة الفكرية، بوسعك أن تفرض السلوك القويم بالقوة، ولكن ليس بوسع أحد قط أن يفرض الرأي العقلي بالقوة، وإن ألف سيفٍ مُصْلَتٍ على رقبتك لن تنهض لك دليلًا على أن اثنين واثنين تساوي خمسة مثلًا! قد تشتري رقبتَكَ بالطبع وتُسَلِّم للمأفونين بأنها لكذلك، ولكن الانصياع لا يعني الاقتناع.
_________________
(١) مع الاعتذار لأساطين مدرسة الارتياب في الهرمنيوطيقا: ماركس ونيتشه وفرويد، الذين أعلنوا زيفَ الوعي نفسه، وفضحوا حيلَ الوعي المباشر وأزالوا عنها القناع، والاعتذار ليورجين هابرماس الذي يذهب إلى أن اللغة كيانٌ أيديولوجي يختزن في قلبه الزيف والخرافة والاستلاب، وأن تشويهات اللغة لا تأتي من استعمال اللغة بل من ارتباطها بالعمل وبالسلطة، وهو ارتباط يظل أعضاء المجتمع غافلين عنه وغير متفطنين إليه، الأمر إذن ينطوي على تشويه منظم للفهم وليس مجرد سوء فهم. فالحق أن ليس ثمة تناقض بين هذا الحديث وبين ما قلناه هنا عن الصبغة الأنطولوجية للحرية بالنسبة للفكر، ذلك أن حديث هؤلاء يجول في مستوًى آخر لا يصطدم ولا يتقاطع مع حديثنا (انظر في ذلك وفي غيره، كتابنا «فهم الفهم»، دار النهضة العربية، بيروت، ٢٠٠٣، ص ٢٨٧ - ٣٤٨).
[ ٩٨ ]
هكذا فَعَل جاليليو حين أذعن للتفتيش وآثَرَ السلامة، وبقيت الأرض تدور في مِلَّته واعتقاده حيث لا تفتيش ثم ولا محاكم، وهذا ما لم يفعله جيوردانو برونو G.Bruno (١٥٤٨ - ١٦٠٠) من قبله، فقد ذهب برونو إلى أن هناك أنظمةً شمسية عديدة تسبح في فضاء لا نهائي، وهَدَّدته الكنيسةُ بالموت ما لم يغير آراءه، إلا أنه لم يرضخ لمنطق العصا، وآثر الموت حرقًا على الخازوق عام ١٦٠٠.