ad populum; appeal to people; appeal to gallery; appeal to the mob
إن موافقةَ الكثرة ليست دليلًا على الحقائق العسيرة الكشف، وإنه لَأقربُ إلى الاحتمال أن يجدها رجلٌ واحدٌ من أن تجدها أمةٌ بأسرها.
ديكارت
إنَّ واقعة أن رأيًا ما قد انتشر على نطاقٍ واسعٍ ليست دليلًا البتة على أن هذا الرأي ليس باطلًا كل البطلان، والحق أنه بالنظر إلى سخف أغلبية بني الإنسان، فإنه لَأقربُ إلى الاحتمال أن يكون الاعتقاد الواسع الانتشار اعتقادًا سخيفًا من أن يكون اعتقادًا معقولًا!
برتراند رسل
ما يزال بالإنسان شيءٌ من أسلافه القردة، ليس هذا فحسب، بل إن به خَصلةً متبقية من أسلافه الخِراف!
كلايف بل
[ ٨٧ ]
لا رأيَ للناس في نفعٍ ولا ضررٍ … وما لهم قطُّ من حُكمٍ وتقدير
العقاد
***
تتضمن هذه المغالطة الاحتكامَ إلى الناس بدلًا من الاحتكام إلى العقل (أو على حساب العقل)، ومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلًا من تقديم حجة منطقية صائبة، تكاد هذه الطريقة أن تكون أداةً من أدوات عمل رجال الدعاية والإعلان، والديماجوجيين من الساسة ورجال الأحزاب والدعاية الانتخابية، فإذا كان «الجميع يعتقد ذلك» أو «الكل يفعل ذلك» أو «استطلاعات الرأي تُشير إلى ذلك» فلا بُدَّ من أن يكون «ذلك» صحيحًا!
غير أن التاريخ يُعلِّمنا أن أفكار الكثرة واعتقاداتهم كثيرًا ما تَبَيَّن خطؤها الذريع وبطلانها التام، وقد تكرر ذلك وتواتر بما يكفي لدعم قاعدةٍ تفيد أن قبول الحشود من البشر لقضيةٍ معينةٍ على أنها حق لا يقدم ضمانًا عقليًّا بأنها كذلك، وقد كان يَسَع المرءَ أن يمضي إلى نهاية الشوط فيقول: إنَّ التاريخ ربما يعلمنا، على العكس، أن اعتقاد الجموع بشيءٍ ما يُرَجِّح بطلان هذا الشيء، لولا أن هذه الطريقة ما هي إلا الوجهُ الآخر لذات المغالطة.
ذلك أن «الاعتقاد» غير «البيِّنة»، وأن اتساع نطاق الاعتقاد بقضيةٍ ما هو أمرٌ غيرُ ذي صلة بصدق القضية ذاتها أو كذبها، إنما يتحدد ذلك بالوسائل العقلانية الخاصة التي تستخدم الأدلة والمعلومات الصحيحة التي يمكن أن تُستمد منها النتائج بطريقة منطقية. يعود رواج هذه المغالطة وانتشارها إلى ميل الكائنات البشرية إلى أن تسلك مَسلَكَ الخِراف، فتنضوي معًا حول المريح والمألوف والسائد، ويروقها الانقيادُ والائتلاف ومجاراة القطيع في وجهته.
في عمق الروح الإنسانية التي أُلقِي بها في حومَة الوجود على غير اختيارٍ منها تقبع حاجةٌ إلى الاتصال بآخرين من صِنوِها، حاجةٌ تبلغ من الإلحاح والشدة مَبلَغًا يضطر الناس إلى أن تُسْلِم ضميرها وبصيرتها لطغيان ثقافتها الجاهزة وتقاليدها الموروثة، حتى لو كانت تلك ثقافةً جاهلةً وتقاليدَ حمقاء، وقليلٌ هم الأفرادُ الذين يمكنُهم أن
[ ٨٨ ]
يأتمروا بأوامر عقولهم الخاصة ويهتدوا بهدي بصائرهم الشخصية حتى عندما تكون تلك مُغايِرةً للشائع ومُخالِفة للمألوف.
في مسرحية شكسبير «يوليوس قيصر» يَعمِد مارك أنطونيو، في خطبة الجنازة المشهورة، إلى استثارة انفعالات الجمهور، ولا يفوته أيضًا أن يُهيب بمصالحهم الشخصية، لقد كانت القضيةُ التي استُدعِيَ الملأ لمواجهتها هي: (١) هل كان قيصر مذنبًا بالتآمر للإطاحة بالجمهورية وتنصيب نفسه ملكًا؟ (٢) هل ينبغي اتخاذ أي إجراء ضد قاتليه؟ لا تَعرِض خطبة أنطونيو لهذه القضية، وبدلًا من ذلك يعمِد أنطونيو إلى تذكير الرومانيين بأنهم كانوا يحبون قيصر ذات يوم:
كلكم أحببتموه ذات مرة، لا لغير سبب، … فأي شيء يمنعكم إذن أن تندبوه؟
ويؤكد لهم أنه، أنطونيو، ليس داهيةً وليس مفوَّهًا (وأنه من ثم جديرٌ بالتصديق).
فما أنا بالخطيب مثل بروتس، … لكني كما تعرفونني جميعًا رجلٌ غرٌّ صريح، … أحب صديقي، وهم إذ يعرفون ذلك حق المعرفة، … أذنوا لي على الملأ بالتحدث عنه.
غير أنه يبرع في إثارة عواطفهم ضد بروتس وشركائه ببلاغة اللغة وبلاغة الدم:
لاحظوا كيف تبعها دم قيصر، … كأنما اندفع يطل من الباب ليتأكد، … أهو بروتس الذي طرق هذه الطرقةَ المنكرة، أم سواه؟ … فلقد كان بروتس كما تعلمون ملاكَ قيصر اشهدوا أيها الآلهة بأي إعزازٍ أحبَّه قيصر! … هذه كانت أقسى الطعنات جميعًا … فإن قيصر النبيل لما رآه يطعن … كان الجحود، وهو أفتك من أسلحة الخونة، … هو الذي أجهز عليه! فعندما انصدع فؤاده الكبير سقط قيصر العظيم …
[ ٨٩ ]
وأية سقطة كانت يا بني وطني؟ … حينئذ سقَطتُ أنا، وسقطتم أنتم، وسقطنا جميعًا … بينما تشامخت الخيانة السفاكة علينا ذلك أني لا أملك من البديهة، ولا من الألفاظ، ولا من القيمة أو العمل، … ولا من الذلاقة، ولا من قوة الخطاب، ما أهيج به دماء الناس، … وإنما أنا أتكلم على رِسلي، فأخبركم بما تعرفونه أنفسكم، … وأريكم جراحَ قيصر الحنون، تلك الأفواه الخرساء المسكينة، … وأسألها أن تتكلم نيابةً عني، غير أني لو كنت بروتس وكان بروتس أنطونيو، … لكان ثمة أنطونيو يضرم في نفوسكم نارًا، ويصنع لسانًا … في كل جرح من جراح قيصر، خليقًا بأن يحرك … حجارةَ روما لكي تهب وتثور.
ويختتم أنطونيو خطبتَه بتذكير الجمهور بمصالحهم الشخصية، فيتم له استهواءُ العامة واختلابهم وتحريكهم حيث شاء:
ها هي ذي وصية قيصر … إنه يَهَبُ كلَّ مواطن روماني، … كل رجل بمفرده، خمسة وسبعين دراخما عدا هذا، ترك لكم كلَّ جنائنه، … وعرائشه الخاصة، وبساتينه الحديثة الغرس، … على هذا الجانب من «التيبر»، ترك ذلك لكم، … ولذراريكم إلى الأبد، رياضًا مشاعة تتنزهون فيه وتروِّحون عن أنفسكم … ذلك كان قيصر، فمتى يجود الزمان بمثله؟
ومتى هاجت عواطف الدهماء وسال لعابها فقد انفلتت الفتنة من عقالها، وتنحَّى العقل أو ديس تحت سنابك المغالطات:
أيتها الفتنةُ، إنك لَعَلَى ساق … فاسلكي أي سبيلٍ تشائين
[ ٩٠ ]
إن القدَرَ منشرحُ الصدر، … وهو في هذه الحال لا يضِنُّ علينا بشيء.
هناك ثلاثة أشكال أساسية لمغالطة «الاحتكام إلى الناس»: