begging the question; petitio principii
وفسَّر الماءَ بعد الجهد بالماءِ.
***
المصادرة على المطلوب هي التسليمُ بالمسألة المطلوب البرهنةُ عليها من أجل البرهنة عليها! وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أو ضمني في إحدى مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمةً وتجعل المشكلةَ حلًّا وتجعل الدعوى دليلًا! وهو ضرب من الحجة الدائرية arguing in a circle، والاستدلال الدائري ليس مغالِطًا في صميمه، ولكنه يغدو كذلك حيثما استُخدِم لكي يموِّه على فشلٍ في حمل عبء البرهان، وتنجم المشكلة حيثما كانت النتيجةُ المراد إثباتها مفترضةً أصلًا داخل المقدمات التي يتعين على الخصم أن يُسلِّم بها ويبدأ منها. (^١)
_________________
(١) في تعريفات الجرجاني: «المصادرة على المطلوب» هي التي تجعل النتيجة جزء القياس، أو يلزم النتيجة من جزء القياس، كقولنا الإنسان بشر، وكل بشرِ ضحَّاك، ينتج أن الإنسان ضحاك، فالكبرى ها هنا والمطلوب شيء واحد، إذ البشر والإنسان مترادفان، وهو اتحاد المفهوم، فتكون الكبرى والنتيجة شيئًا واحدًا.
[ ٢٥ ]
ذلك أنَّ الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفةً مما يُراد البرهنة عليه، ومن البديهي أننا حين نختلف حول شيء فإننا نلجأ إلى شيء آخر لا نختلف حوله، ونحاول أن نستدل منه على ذلك الشيء الخلافي، ولكي تكون للحجة قوة إبستمولوجية أو ديالكتيكية يتوجب أن تبدأ من مقدمات معروفة ومقبولة أصلًا لدى الحضور، ثم نتقدم منها لكي نستخلص النتيجة غير المعروفة أو غير المقبولة، أما أن «نصادر على المطلوب» ونستند إلى ذات النتيجة الخلافية وقد تَنَكَّرت كمقدمة، وأما أن ندور في حلقة مفرغة ونحاول أن نَخْلُص إلى نتيجة تستند إلى مقدماتٍ ملقمةٍ بها أصلًا (أي تستند إلى ذاتها!) فهذا فكرٌ عبثي فارغ لا يمكن أن يفضي إلى أيِّ تقدم في المعرفة البشرية.
تتلون المصادرة على المطلوب بألوانٍ كثيرة، وتتخذ أشكالًا متعددة، وتُجِيد التخفي أحيانًا في هيئةٍ يتعذَّر كشفها إلا على المنطقي الخبير.
من أبسط صور المصادرة على المطلوب وأكثرها شيوعًا أن تجعل المقدمة صيغة أخرى من النتيجة المراد البرهنة عليها، مثال ذلك:
تستلزم العدالة أجورًا مرتفعة؛ وذلك لأن من الحق والصواب أن يكون الناس أقدر على الكسب الوفير. (وهي لا تعدو أن تقول إن العدالة تتطلب زيادة الأجور لأن العدالة تتطلب زيادة الأجور!)
يجب إلغاء المواد غير المفيدة كاللغة الإنجليزية من مقررات الكلية؛ وذلك لأن إنفاق اعتمادات لمادة غير مفيدة للطالب هو شيء لا يقره أحد. (نحن أيضًا لا نوافق على تبديد أموال في تدريس مواد غير مفيدة، غير أن الحجة هنا لم تثبت لنا أن الإنجليزية مادة غير مفيدة، وهو لب المسألة، وكل ما فعلَتْه هو أن «صادرت على المطلوب» وكررت النتيجة في المقدمات، دون التفات إلى المقدمة المحذوفة في هذا «القياس المضمر» enthymeme، وهي: «اللغة الإنجليزية مادة غير مفيدة».)
أيُّما شيء أقل كثافةً من الماء سوف يطفو فوقه؛ وذلك لأن مثل هذه الأشياء لا يمكن أن تغطس في الماء.
ما دُمت لا أكذب، فأنا إذن أقول الحقيقة.
قد يبدو للقارئ المبتدئ أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة واضحة للعيان سهلة الانكشاف، وليست بحاجة إلى دراسة وتحليل يختلق صعوبةً حيث لا صعوبة، غير أن الأمر ليس دائمًا ببساطة الأمثلة السابقة، ويكفي أن نقول إن عقلًا بحجم عقل أرسطو، المعلم
[ ٢٦ ]
الأول ومؤسس المنطق الصوري، قد ارتكب مصادرةً على المطلوب بَيَّنها جاليليو «حينما أراد أرسطو أن يُثبت أن الأرض في وسط العالم، فقال: الأجسام الثقيلة تميل بطبعها إلى مركز العالم والأجسام الخفيفة تبتعد بطبعها عنه، والتجربة تدلنا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة تتبعد عنه؛ إذن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم.» (إن المقدمة الكبرى هنا فيها مصادرة على المطلوب، فإن التجربة تدلنا حقًّا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة تبتعد عنه، ولكن من أين يقول لنا أرسطو إنها تميل إلى مركز العالم، إذ لم يكن يفترض أن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم؟ وهذا هو المطلوب البرهنة عليه!) (^١)
بديه أن أرسطو كان ممتلئًا ب «مركزية الأرض» geocentrism وهو يصوغ هذه الحجة، وإنه لمن العسير حقًّا أن تصوغ حججًا مُنِتجةً لميولٍ أيديولوجية أو التزاماتٍ انفعالية، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل السياسيين يخدعون الناس عن قصد ويخدعون أنفسهم عن غير قصد، ويمطروننا بوابلٍ من المصادرات على المطلوب التي تبدو دائمًا كفرضٍ عام يُقدِّمونه لكي يدعم حالةً جزئية، بينما الحالة الجزئية لا تعدو أن تكون شطرًا من ذلك الفرض العام، انظر إلى المثال التالي:
يجب ألا نسمح ببيع هذه القطع من مقتنيات توت عنخ آمون إلى أيِّ بلد أجنبي مهما كان الثمن؛ وذلك لأن آثار مصر العظيمة ليست للتصدير.
نحن أيضًا نأبى أن يُباع أيُّ شيء من الآثار المصرية مهما غلا الثمن، غير أن الحجة لم تقل لنا لماذا، وكل ما فعلته هو أن أعادت صياغة النتيجة (لا بيع لبلدٍ أجنبي) في المقدمة (لا تصدير). (^٢)
ليس من المستغرَب أن تكون أحفلُ الحجج بالمصادرة على المطلوب هي الحجج الأيديولوجية والأخلاقية، ذلك أن هذه الحجج تكون موجهةً غالبًا إلى الشكاك، وأنها تتناول مجالات تفتقر بطبعها إلى قضايا وقائعية factual يلمسها الجميع؛ ومِن ثَمَّ تكون المصادرة
_________________
(١) عبد الرحمن بدوي: «المنطق الصوري والرياضي» الطبعة الخامسة، وكالة المطبوعات، الكويت، ١٩٨١ م، ص ٢٤٤، وانظر أيضًا الدور المنطقي الذي وقع فيه ديكارت، أبو الفلسفة الحديثة، وسنعرِض له لاحقًا.
(٢) لاحظ أن «التصدير» ما هو إلا «البيع لبلدٍ أجنبي» وقد صيغ بعبارة أخرى! وكأن الحجة تقول ببساطة: لا بيع لأنه لا بيع! وهذا التبديل في الصياغة هو الذي يوهم بأن المقدمات تحمل شيئًا مختلفًا.
[ ٢٧ ]
على المطلوب خطرًا محدقًا بها ومنزلقًا سهلًا، وكثيرًا ما تكون الألفاظ المستخدمة في هذه الحجج هي ألفاظ مُلْقَمة (مشحونة) loaded؛ أي ألفاظ تختزن داخلَها افتراضاتٍ خفيةً ونظرياتٍ بتمامها (مثال ذلك: رجعي، انتحاري، استشهادي، ضحية، اضطهاد، إرهاب …) وكأنها مصادراتٌ «جاهزةٌ» للاستعمال الفوري، يخوض المفكرون معاركهم وفي جعبتهم مخزون ضخم من هذه الألفاظ، وبخاصة حين يريدون أن يخبرونا ماذا نفعل وكيف نسلك، إن الواجبات التي يريدون أن يفرضوها علينا إنما هي مخبوءة سلفًا في هذه الألفاظ المفَخَّخة، تبدو هذه الألفاظ كأنها تصف «وقائع» facts خالصةً لا شِيَة فيها، غير أنها تنطوي على «يَنْبَغِيَّةٍ» oughtness مطمورة في ثناياها و«إلزامٍ» مضمَر، ولكي تتم الخدعة يجب أن تبدو المصادرة على المطلوب في هيئة حجة، أي تُتلى بمفاصل منطقية من قبيل: لأن، حيث إن، بما أن، إذن، وبناءً عليه، ومِن ثَمَّ … إلخ، حتى لو كانت المسألة مجرد تكرارٍ بسيط للألفاظ.